مؤيد احمد

حول التدخل الروسي في سوريا والعراق.. حوار مع مؤيد احمد سكرتير الجنة المركزية للحزب الشيوعي العمالي العراقي

الى الامام: بعد اكثر من اسبوعين على التدخل العسكري الروسي في سورية، وحسب وصف الاعلام العالمي، القوة الجوية الروسية سددت ضربات موجعة للمنظمات الارهابية بجميع تلاوينها بما فيها داعش، وجميع المعطيات تشير على ارض الواقع ان تلك المنظمات تعاني من الضغظ العسكري الروسي وهناك تغيير في المعادلة العسكرية، وبموازاة ذلك ساد تعاطف كبير بين اوساط الجماهير في سورية وفي العراق مع هذه الضربات الروسية، كيف تقيمون الامر؟ هل تقفون في خانة الادانة التقليدية التي اعتاد عليها اليسار وبشكل اوتماتيكي ضد هذا التدخل ام ستؤيدونها باعتبار التدخل الروسي سيقضي على داعش، وان الاولوية السياسية كما هو معلن للحزب الشيوعي العمالي هي القضاء على داعش؟

مؤيد احمد: مثلما اكدت عليه في سؤالك، ان الاولوية بالنسبة لنا هو القضاء على داعش وامثالها من نمط "القاعدة" و"جبهة النصرة" و"جيش الاسلام" وغيرها من القوى الارهابية للاسلام السياسي. ان هذه القوى والجماعات هي عصابات ترتكب اكبر الجرائم بحق الانسانية وهي قوى فاشية ودموية الى ابعد الحدود، فليس هناك مخرج امام البشرية، وبشكل عملي امام الجماهير في العراق وكوردستان وسوريا، غير التصدي العسكري الحازم لها ودحرها والحاق الهزيمة النهائية بها. ليس هذا فحسب، بل يجب الذهاب ابعد من ذلك وشن نضال سياسي وفكري حازم وثوري لقلع جذورها داخل المجتمعات وتحرير الجماهير من نفوذ آفاق هذه القوى الارهابية وتيارات الاسلام السياسي عموما. لذا، واضح ان الدحر العسكري لداعش امر لصالح البشرية وتحديدا لصالح جماهير العراق وسوريا ومنطقة الشرق الاوسط،، وهذا لا جدال فيه. غير ان من يقوم بهذه الحرب؟ ولاية اهداف يخوضها؟ وما هي النتائج التي تتمخض عن حرب هذه القوى؟ فهي مسائل آخرى تماما ومنفصلة عن موضوع دحر داعش عسكريا وسياسيا وفكريا.
اننا لا نطرح امر دحر داعش عسكريا بشكل مجرد وكانه عمل عسكري صرف، وكأن من يقوم به يجلب الرفاهية والسلم والامان للجماهير وبالتالي علينا تاييده. ان ضرورة القضاء على داعش والقوى الارهابية التي نؤكد عليها لا تسلتزمنا اطلاقا اتخاذ موقف دعم وتاييد اتوماتيكي للقوى التي تحارب داعش، أن تكون تلك القوى تحارب داعش بشكل صوري او جدي، او لا يمنعنا من فضح تلك القوى وسياستها واهدافها في الحرب مع داعش. ان موقفنا تجاه التدخل الروسي، نحن كقوة مناهضة للحرب والتدخل الامبريالي عموما، وبشكل اكثر تحديدا كموقف تجاه الحرب الحالية في العراق وسوريا، بطبيعة الحال هو، لا، مثل موقفنا تجاه تدخل امريكا والغرب في هذه الحرب اذ ان كلاهما تدخل بحرب امبريالية ولاهداف خاصة بامريكا وروسيا كل على حدة، فلا علاقة لهما، وبدرجات متبانية، بقضية خلاص الجماهير من براثن داعش والقوى الارهابية ولا حتى بالحرب على داعش والارهاب من حيث الاساس. غير انه، ومن جانب اخر، لسنا مهتمين بمن يدحر داعش، فمن ينهيها ويدحرها عسكريا لينهيا ويدحرها عسكريا لانها ورم فتاك في الجسد البشري المعاصر. في الحقيقة المعضلة تكمن في كون حرب امريكا وروسيا ليستا حربا لدحر داعش والارهاب بل مطرزة وفق استراتيجية وسياسات لا تربطها صلة بمسالة التحرر من داعش وغيرها من القوى الارهابية.
ان نظام بشار الاسد الدموي وجيشه هو القوة الضاربة الاساسية والجدية لضرب داعش وجبهة النصرة و"حركة احرار الشام "وغيرها، وخاصة خلال الفترة الاخيرة، التي بدا فيها النظام يواجه تهديدات كبيرة من قبل هذه القوى الارهابية، ولكن لا اعتقد ان يستنتج احد، من له ادنى ميل سياسي تقدمي، من هذا الواقع اي واقع لجدية نظام الاسد الحالي في ضرب الارهاب، موقف منحاز للاسد ونظامه او قبول نتيجة وحصيلة الحرب ان تكون كتثبيت لاركان هذا النظام الاستبدادي. ان تدخل روسيا في هذه الحرب هو من باب مصالحها الاستراتيجية والسياسية الخاصة بالصراع على مناطق النفوذ، التي تتضمن ضمن ما تتضمن تثبيت اركان الاستبداد ونظام الاسد في سوريا. فمن يقع في وهم الدفاع عن روسيا في هذه الحرب يجب ان يقبل بالاهداف والسياسات التي تتبعها روسيا في هذه الحرب من ضمنها الابقاء على النظام الاستبدادي للاسد وتثبيت اركان الجمهورية الاسلامية والرجعية السياسية والاستبداد في المنطقة. ان الخلاص من كلا من الاسد وداعش مطلب جماهيري في سوريا والمنقطة هذا هو كنه المسالة. فيجب ان يحقق دحر داعش الخلاص من قبضة الاسد ومن على شكالته كذلك.
وفي المقابل، ان قسما من المعارضين لنظام الاسد يبررون الانحياز لجبهة النصرة وداعش وغيرها من الارهابيين بذريعة كون تلك الجماعات الارهابية تقاوم الاسد بقوة، والتي ستؤدي الى خلاص الجماهير من بئس وجرائم نظام الاسد. فهل من له ذرة انسانية في قلبه يذهب وراء حجج مثل هذه لدعم اشد قوة مجرمة بحق الانسانية من امثال داعش وجبهة النصرة وجيش الاسلام وغيرها؟. فهذا يبين تناقضات الموقف الذي يتم تبنيه على اساس ظواهر الامور والعمل العسكري الصرف وغيره. اذن هناك امر ابعد من ذلك فهو الموقف السياسي من القوى المتحاربة وهنا يكمن جوهر المسالة.
ان روسيا، امريكا، ايران، نظام الاسد في سوريا، تركيا، السعودية وقطر هي تلك القوى المتدخلة في هذه الحرب. ان دحر داعش العسكري هو مطلب الجماهير في العراق وسوريا فعلا، ولكن هذا الدحر يجب ان يقوي صف الجماهير وقواتها المنظمة المسلحة ويخلق الارضية للخلاص من داعش وغيرها من الارهابيين بشكل ثابت. ان حرب وتدخل تلك الدول، التي شاركت بعضا منها بشكل مباشر او غير مباشر في خلق داعش وتقويتها، لا يمكنها الا ان تكون حربا ضمن الدائرة نفسها وليست خارجها اي انها ستخلق ارهابا وقوى استبدادية باشكال اخرى وتبقى ماسي الحرب والدمار والارهاب من نصيب الجماهير. وبالتالي، علينا ان نرفع شعار خلاص المنطقة من براثن قوى الارهاب والاسلام السياسي والدواعش وجبهة النصرة والقاعدة و"جيش الاسلام "غيرها، وفي الوقت نفسه الحلاص من براثن كل هذه القوى الدولية والاقليمة.

الى الامام: لا ندري كم هي المقارنة صحيحة او دقيقة، ولكن دعنا نقولها، في ربيع 1991 رفعت جماهير كردستان صورة بوش الاب بأعتبار جيوشه قدمت الى العراق لاسقاط نظام صدام حسين، الذي مارس كل اشكال الظالم القومي ضد الناطقين باللغة الكردية من تدمير الاف من قراهم ونفي اكثر من 180 الف شخص لا يعرف مصيرهم الى حد الان واستخدم الغاز الكيماوي ضدهم، لقد رفعوا صور بوش بأعتباره الاب المنقذ لهم وحامل راية الديمقراطية انذاك، واليوم يتكرر مشهد سياسي جديد ولكن بسيناريو وابطال مختلفين، حيث يحمل صور بوتين في ساحة التحرير في بغداد وترفع الاعلام الروسية بأعتبار بوتين البطل المنقذ من ارهاب داعش، بماذا تعلق على ذلك؟

مؤيد احمد: من حيث مقارنة شكل السيناريوهات، فان ما حدث في 1991 هو نفسه الذي يتكرر هذه الايام. ان عقد الأمال على "منقذ" للجماهير"، ايا من كان، من بأس القوى الاستبدادية او الارهابية دون الاكتراث بماهية واستراتيجية وسياسات هذا "المنقذ"، هو الوهم الذي كان سائدا على الجماهير في كوردستان في 1991 وهو ينتشر اليوم بين صفوف الجماهير فيما يخص تدخل روسيا. آخذين ذلك بنظر الاعتبار، ان العهدين اللذين يجري فيهما هذين المشهدين مختلفين تماما من حيث توزان القوى الامبريالي العالمي والاهداف والاستراتيجية التي كانت تقف وراء كل واحدة من هاتين الحربين، حرب امريكا آنذاك وحرب روسيا على داعش والارهابيين في سوريا.
ان الحرب هي سياسة بوسائل اخرى. هذه الفكرة اثبتتها تجارب الحروب فلا يمكن الحديث عن تحليل اية حرب بدون استخدام هذا المفهوم حيالها. ان حرب روسيا ضد داعش امتداد لسياسة روسيا الامبريالية على الصعيد العالمي والصراع لكسب مناطق النفوذ بوجه الغرب والناتو وهي تجسيد للعسكرتارية الامبريالية الروسية في ميدان معين ومنطقة معينة. ان المسالة الاستراتيجية الاساسية بالنسبة لروسيا هو كسب النفوذ العسكري والسياسي في منطقة الشرق الاوسط، فهي غير مستعدة للقبول بسقوط نظام الاسد والتغيير بمعادلات القوى في المنطقة على اثره بغير رجعة لصالح امريكا والغرب وحلفائها من السعوديين وقطر وتركيا وغيرها. انها تشن هذه الحرب لضرب داعش واحداث تغيير في هذه المعادلة. وهي بالتالي مصممة على احداث تغيير جدي في معادلات القوى بسرعة في سوريا، وايجاد توازن عسكري جديد في جبهات الحرب ضد داعش. لذا نرى هي تحقق وتلحق اضرارا جسيمة بداعش وجبهة النصرة وغيرها بسرعة فائقة.
ان روسيا تدعم دول استبداية قمعية ورجعية مثل نظام الاسد والجمهورية الاسلامية في ايران، وهي تسعى في ان تتشكل دولة استبداية على نمط ايران في العراق تمرر مصالحها من خلالها. ان من مصلحة روسيا في ان تكون حازمة عسكريا لدحر داعش وتضرب داعش بقوة وانها من مصلحتها القيام بذلك بسرعة وهذا ما خلق الاوهام عند الناس بتطابق مصالح روسيا مع مصالح الجماهير في العرا ق وسوريا. ولكن هذه الحرب، من وجهة نظر روسيا، لم تشن بدون اهداف استراتيجية وتكتيكية واهداف بعيدة وقريبة المدى ولا تتبخر تلك الاهداف مع دحر داعش عسكريا بل ستجد طريقها الواقعي لتحقيقها. ان اهمال هذا البعد من ابعاد هذه الحرب على داعش والتصفيق لروسيا في ضرباتها العسكرية على الارهابيين بدون ادنى اهتمام بما يتمخض عن هذه الحرب فيما بعد، هو عمل سياسي وانحياز سياسي وليس مجرد النظر الى الامور بواقعية عسكرية صرفة والتركيز على الخلاص من داعش. وهنا يكمن الامر.
لقد صفقت الجماهير وتحت تاثير ونفوذ الافق السياسي للحركة القومية الكوردية لجورج بوش الاب ومن ثم لجورش بوش الابن بغية تحقيق مصالح هذه الحركة واحزابها. فان الافق السياسي الذي كان يحرك الناس ليعقد الامال على جورج بوش الاب والابن هو الامر الاهم في هذه المسالة وليس مدى عقد الآمال العفوي للجماهير بقوة مثل امريكا تنقذها من براثن النظام البعثي الفاشي. فنفس الموضوع يتكرر هنا بشكل اخر وقبال امر تدخل روسيا في الحرب ضد داعش. ان المطالبة والآمال الحقة والمشروعة بالخلاص من براثن الدواعش وامثالها بين صفوف الجماهير تحرك الناس ان تستنجد باية قوة تخلصها من ايدي الارهابيين. غير ان ذلك يتم تغذيته عن طريق نفوذ الافق السياسي لتيارات الاسلام السياسي الشيعي. ان مهمتنا ان نكشف خطأ هذا الوهم ونوضح للجماهير خطائه ونعطي الشعار الصحيح تجاه حرب روسيا على داعش.

الى الامام: التحالف الرباعي بين روسيا والجمهورية الاسلامية والعراق وحزب الله في حدود جغرافية العراق لمحاربة داعش والارهاب في المنطقة حسب ما هو معلن، والذي سوق له اعلاميا كثيرا ولكن فعاليته العملية لم تظهر الى الان على صعيد الواقع، هل يعني هذا ان العراق ماضي في قطع كل الخيوط مع الولايات المتحدة الامريكية والتي تربطه معها الاتفاقية الاستراتيجية الموقعة عام 2008، وكيف سيكون تداعياته السياسية على المجتمع العراقي؟

مؤيد احمد: ان التحالف الثلاثي، بدون روسيا ، لمحاربة داعش موجود بشكل عملي منذ فترة طويلة. كما ان روسيا تساعد ايران والعراق ونظام الاسد وحزب الله بطرق مختلفة منذ البداية ولم تكن غائبة كليا في هذا التحالف. غير ان التحالف الرباعي الحالي بين العراق وروسيا وايران وحزب الله لا زال في طور بدائي ومقتصر على تبادل المعلومات الاستخبارية العسكرية، والتسيق فيما بين وزارء الدفاع ورئساء اركان الجيوش للدول الثلاثة المشاركة في التحالف الرباعي في الحرب على داعش. ليس هناك دور عسكري مؤثر وحاسم لروسيا في العراق حاليا. فالتحالف الرباعي بشكله الحالي سوف لن يؤثر على واقع علاقة العراق بامريكا والغرب كثيرا.
هناك ضجة اعلامية تطلقها القوى السياسية الاساسية في العملية السياسية كل من زاوية مصالحها السياسية حول التحالف الرباعي. لا يخفي على احد بان تيارات الاسلام السياسي الشيعي تريد تقوية موقعها في الحرب ضد داعش وايجاد التنسيق والعمل المشترك مع الجمهورية الاسلامية في ايران وروسيا وحزب الله، والسير على هذا الطريق قدر ما يسمح له مجمل اوضاعه وامكانياته على المناورة والقيام بالتنسيق والتحالفات الدولية، ولكن ضمن الاستمرار بالعلاقة الثنايئة مع امريكا والغرب عموما. وبالمقابل ان قوى الاسلام السياسي السني والقوميين العرب لا يريدون التنسيق والتقارب بين روسيا والعراق، كما وان قوى الحركة القومية الكردية عموما تريد ان يبقى مسار الامور كما هو عليه ووفق سياق العملية السياسية المدعومة من قبل الغرب وامريكا. ان هذه الضجة الاعلامية هي انعكاس لسياسات ومواقف هذه القوى تجاه احتمالات التغييرات اثر اي تطور لاحق في تطور عمل التحالف الرباعي.
من السابق لأوانه القول بان العراق سيمضي باتجاه قطع كل الخيوط مع امريكا او حتى التفكير بانهاء الاتفاقية الاستراتيجية الموقعة عام 2008. أن التحالف الرباعي لا يمكنه ان يغير المعادلات والعلاقات الى الحد الذي يمكننا عن نتحدث عن تغيير كبير. ان تدخل روسيا في سوريا له مبرراته وتعقيداته وتاريخه، فكل تقدم كبير في دحر داعش هناك سيكون له تاثير على المسارات السياسية في العراق كذلك. ولكن ليس هناك حلا بسيطا لتعقيدات سوريا ولا حتى حلا بسيطا للحرب مع داعش في العراق. لقد اجتمع يوم الجمعة وزراء خارجية امريكا وروسيا وتركيا والسعودية لمناقشة الوضع السوري وهنا جوهر الموضوع. ان الحرب الجارية والتدخل الروسي هو بالاساس لايجاد توازن عسكري جديد بهدف مناقشة وضع سوريا بحيث يبقى لروسيا مكانا في مستقبل سوريا وضمن الصراع الدولي الجاري بشانها.
آخذين ذلك بنظر الاعتبار، هناك تراجع لدور امريكا في المنطقة وان روسيا تريد ان تتدخل وتكون احد اطراف المعادلة اثناء هذا الانتقال وما بعده. غير ان هناك حقائق اخرى علينا اخذها بنظر الاعتبار في تقييم اي حديث عن دور روسيا العسكري في العراق. ان تراجع دور امريكا في العراق والمنطقة لا يعني بالضرورة ابدالها بقوة اخرى مثل روسيا. ان استبدال دور بريطانيا في المنطقة بدور امريكا بعد الحرب العالمية الثانية جاء نتيجة لتصاعد الدور الاقتصادي والعسكري العالمي لامريكا وقيادتها للعالم الراسمالي والقطب الغربي في ذلك الوقت. كما ان دخول الاتحاد السوفيتي في المنطقة وايجاد الاستقطابات الجديدة جاء نتيجة لنمو الدور الاقتصادي للاتحاد السوفيتي والنمط الاقتصادي لراسمالية الدولة والنفوذ السياسي والعسكري للاتحاد السوفيتي بعد "حركات التحرير" من "الاستعمار" الغربي على صعيد بلدان عدة في اسيا وافريقا وامريكا اللاتينية. ان الاقتدار العسكري الروسي الحالي وصراعها على تقاسم النفوذ ومحاربة الهيمنة المطلقة لامريكا والغرب في اوروبا وعلى البلدان المجاورة لروسيا وحاليا على صعيد منطقة الشرق الاوسط، لا يمثل بداية صعود روسيا الى قوة مقتدرة عالميا اقتصاديا وسياسيا وعسكريا على نمط الامثلة التي اشرت اليها اعلاه. ان روسيا في التحليل الاخير هي قوة عسكرية امبريالية في عالم المعاصر المتعدد الاقطاب وقواها العسكرية ليست انعكاس لاقتداراها الاقتصادي وموقعها الاقتصادي العالمي. ان توقع تغيير جميع المعادلات على غفلة نتيجة للتدخل الروسي العسكري في سوريا، او فيما بعد في العراق، ليس صحيحا. ان التدخل العسكري لروسيا في سوريا لها مبررات اولها عجز امريكا في اسقاط نظام الاسد وارساء بديلها بدون ان يستولي داعش والنصرة وبقية الارهابيين على كل السلطة في هذا البلد. ان هذه التناقضات والمأزق السوري الحالي يجب ان لا تحجب عنا رؤية وقائع وتناقضات العالم المعاصر الاقتصادية والسياسية الاكثر عمقا وشمولا والتي تواجه الاقطاب العالمية الامبريالية المعاصرة.

الى الامام: اليوم هناك معسكرين متنافسين، معسكرين للامبريالية العالمية، المعسكر الروسي وحلفائه والمعسكر الامريكي وحلفائه، وهناك قوة ثانية اخرى وهي داعش واخواتها، اين يقف الحزب الشيوعي العمالي العراقي بين هذه القوى؟

مؤيد احمد: ان الحزب الشيوعي العمالي العراقي يقف بين صفوف الطبقة العاملة والجماهير الكادحة والحركة النسوية والشبابية التحررية وكل الناس المتطلعين الى الحرية والامان والمساواة. ان هذه الجماهير الغفيرة في العراق والمنطقة هي التي تعاني من ماسي الاوضاع التي خلقتها هذه القوى الامبرالية وحلفائها ومن مآسي جرائم داعش الارهابية وتيارات الاسلام السياسي والقوميين عموما. فليس هناك خلاص من ماسي حكم ونفوذ وسياسات هذه القوى جميعا بدون تقوية صف نضال الجماهير الثوري، صف نضال الطبقة العاملة والجماهير الكادحة الثورية والتحررية. نحن الشيوعيين جزء من صف هذا النضال التحرري العظيم.
ان عهد الراسمالية الاحتكارية، الراسمالية الامبريالية هو عهد سيادة الرجعية السياسية الشاملة والعسكرتارية والحرب على طول الخط من اجل تقاسم واعادة تقسيم العالم ومناطق النفوذ والصراع الـ جيو- بولتيكي. ان موقفنا هو مناهضة هذه القوى الامبريالية وحروبها وحروبها بالوكالة التي يقودونها في مناطق العالم المختلفة وخاصة في منطقة الشرق الاوسط. ان الخاصية الاساسية هي ان جميع هذه القوى الامبريالية العالمية هي قوى رجعية وقوى عسكرتارية، وتطبق ارهاب الدولة وتنفذها باشد الاشكال وحشية في مسار صراعاتها من اجل كسب النفوذ والسيطرة.
ان داعش والقوى الارهابية للاسلام السياسي من امثال "جبهة النصرة" و"جيش الاسلام" او حركة ما تسمى "احرار الشام" هي قوى ارهابية مجرمة ومفضوحة. فهي من حيث الاساس حركة سياسية فاشية دينية -قومية. انها ممثل البرجوازية الاسلامية - القومية في العالم العربي والبلدان التي للاسلام السياسي فيها حضور. انها من حيث الاساس حركة برجوازية تريد الاستيلاء على السلطة والاستحواذ على فائض قيمة عمل العمال في هذه البلدان وتقاسم الثروات بينها وبين البرجوازية العالمية والكتل الامبريالية. ان اعمالها الارهابية التي تفتك بالجماهير يوميا هي وسائلها في الحرب. ان ما تقوم بها هذه القوى من الارهاب والمجازر لا تختلف كثيرا عن ممارسات السلطات التي تدعمها من امثال السعودية وقطر.
اننا ضد التدخل الامريكي والروسي وغيرها في العراق والمنطقة ونحن جزء من الجبهة العالمية المناهضة للحروب الامبريالية. فليس هناك فرق بين روسيا وامريكا بهذا الخصوص وان خلق اي وهم بهذا المضمار هو التخلي عن المبادئ الاساسية للشيوعية والحركة العمالية التحررية والثورية العالمية. ان نضال مؤثر ضد داعش وقلع جذورها فيما بين الجماهير لا يمكن ان يحدث بدون تحرير الجماهير في المناطق المصنفة "سنيا" من نفوذ الحركات القومية والاسلامية الناشطة في هذه المناطق، وخلق الارضية لتوحيد نضال جميع العمال والكادحين والتحررين في جميع مناطق العراق، في حركة اجتماعية وسياسية عظيمة تدك عرش الارهابيين من كل شاكلة ولون وتنهي النظام السياسي القائم وتعطي السلطة للطبقة العاملة والجماهير الثورية.

الى الامام: الا تعتقد ان ما يحدث في المنطقة وفي العالم تشبه اوضاع العالم عشية الحرب العالمية الثانية، وهناك لا نقصد نشوب حرب عالمية ثالثة، بل نتحدث عن اجواء الرعب والخوف والعسكرتارية التي تسود المنطقة، واذا كان كذلك اين تقف الطبقة العاملة في بلدان المنطقة من هذه الاجواء وهذه الاوضاع وما هي الخطوة العملية للحزب في هذا لمضمار؟

مؤيد احمد: ليس هناك مخاطر حرب عالمية ثالثة ولكن ان العالم الراسمالي المعاصر مليئ بالتوترات والنزاعات على درجة كبيرة من الخطورة. ان ما يحدث في منطقة الشرق الاوسط يشكل احد مظاهر هذه النزاعات العالمية ولا يمكن نفي احتمالات ان تؤدي اية مجازفة عسكرية امبريالية الى اشعال فتيل ازمة واسعة وشاملة او حرب كبيرة على الاقل في المنطقة. منذ اكثر من 12 سنة والعراق يمر بحالة الحرب والماسي التي راح ضحيتها مئات ومئات اللاف من الناس من القتلى والجرحى وتشرد الملايين من السكان. كما وان مآسي سوريا والحرب الجارية فيها مستمرة منذ 2011 والتي ادت بحياة مئات الالاف من السكان وجرح مئات الاف اخرين وتشرد ونزوح حوالي نصف سكان البلاد. ان ما قامت بها امريكا والغرب من الحرب على العراق وتدمير بنيانه المدني وفتح الابواب، لتحول العراق الى ميدان حسم مصالح القوى الاقليمية خلقت ماسي انسانية كبيرة حيث لا زالت الجماهير تعاني منها باشد الاشكال.
ان داعش تنامت وتقوت في العراق في الاوضاع السياسية والعسكرية التي خلقتها امريكا في هذا البلد. فداعش وقبلها القاعدة في العراق هي بالاساس حصيلة عملية لتطبيق الاستراتجية والسياسة الامبريالية الامريكية تجاه العراق. انها قسمت العراق وفق الخط الطائفي والاثني وبنت النظام السياسي فيها على هذا الاساس. كما وان التدخل الامبريالي الامريكي وبالتسنيق مع حلفائها السعودية وتركيا وقطر حولت القوى الارهابية في سوريا الى قوة مسلحة قوية وخلقت الاجواء لتدمير البلاد وتقسيمها. كما ان الامبريالية الروسية لم تكف يوما عن الذهاب وراء مصالحها ومطامحها في سوريا ودعم نظام الاسد لارتكاب اكبر المجازر بحق السكان المدنيين.
باختصار، ان البرجوازية المحلية والعالمية والاقليمية خلقت ماسي كبيرة في العراق وسوريا والمنطقة وليست لديها حل فان أية خطوة تخطوها واي عمل عسكري تقوم به تزيد من تعقيدات الاوضاع وتشدد من مخاطر النزاعات وتجلب المزيد من الدمار على المواطنين. باتت البرجوازية المحلية بمختلف تياراتها واطيافها واجنحتها القومية والاسلامية والليبرالية مرتبطة بهذا او ذاك من الاقطاب الامبريالية العالمية والاقطاب الاقليمية وتمرر مصالحها عن طريقها. كما وان الارهابيين والقوى الميليشية تتلقى الدعم المالي والعسكري من مختلف تلك القوى المحلية والاقليمية والعالمية. فليس هناك مخرج من المازق الحالي الا بالتدخل الفعال والمؤثر للطبقة العاملة والجماهير الثورية والدخول في ساحة الميدان السياسي لترسيم الحياة السياسية والامنية في هذه المنطقة.
ان الاشكال التنظيمية الجماهيرية لنضال الطبقة العاملة على صعيد البلدان بحاجة الى ان تاخذ اشكال مؤثرة تجمع كل طاقة الطبقة الثورية وتوحدها في عمل موجه ضد السلطات والقوى المتحكمة بمصيرها. ان هذا العهد يحتاج الى توحيد صفوف الطبقة العاملة والجماهير الكادحة والحركة النسوية والشبابية في حركة مجالسية شاملة على صعيد البلدان، وتوحيد صف نضالها من خلال هذا النوع من ادوات النضالي الجماهيري المؤثر. هذا، وان هذا الامر يحتاج الى أن يجري بموازة تنظيم صف القادة والناشطين العماليين في حزبها السياسي الشيوعي العمالي. ان نضال الطبقة العاملة لا يمكن ان يتطور بنجاح بدون التحرك على صعيد المنطقة وتوحيد نضال الطبقة العاملة والحركة الشيوعية والاشتراكية والثورية على صعيد بلدان المنطقة، ليكونوا بمثابة جيش اممي واحد للوقوف بوجه الاوضاع التي خلقتها البرجوازية المحلية والعالمية والاقليمية. ان اية خطوة باتجاه التغلب على التقسيمات الطائفية والقومية والاثنية وتوحيد نضال الطبقة العاملة والجماهير التحررية على صعيد العراق وبلدان المنطقة، ستكون ضربة كبيرة بوجه الوضع القائم وتقدم عظيم الى الامام. نحن في الحزب الشيوعي العمالي العراقي نناضل بكل قوة من اجل تقوية صف الحركة العمالية والشيوعية في العرا ق والمنطقة. ان قيادة الحركة العمالية بحزبها وافقها وسياستها للحركة التحررية للجماهير في العراق هو الكفيل بالخلاص من المازق الحالي والخطو نحو تحقيق الاشتراكية..

 

 

مقالات