عبدالله صالح

الحرب في سوريا بين غالبٍ ومغلوب !

الانتفاضة السورية التي اندلعت شرارتها الاولى يوم 26/2/2011 في مدينة درعا، والتي بدأت بشعار " سلمية سلمية " سرعان ما تحولت الى حرب اهلية لا يمكن التنبؤ بأمدها ولا بنتائجها .

إن تحويل انتفاضة جماهيرية سلمية الى حركة مسلحة لم تأت من فراغ، فالحكومة السورية، كما هو الحال مع الحكومات الدكتاتورية، كانت ترى في هذا التحول حبل نجاة ينقذها من مد وغضب جماهيري يطيح بها عاجلا أم آجلا، فبشراها بهذا التحول سيما وإنها تمتلك آلة عسكرية كفيلة بدحر مجموعات مسلحة لا تمتلك ذلك النوع من السلاح الذي يمكنه ان يقف بوجه هذه الآلة من جهة، و تخلق ذريعة لضرب كل معارض مهما كان شكله سلمي أم مسلح .

دول الخليج وفي مقدمتها قطر والسعودية وبدعم قوي من تركيا كانت تسعي وتدفع باتجاه عسكرة وأسلمة الانتفاضة السورية خوفا من تمددها باتجاه الاردن ومن ثم دول الخليج، لذا سارعت الى بناء تنظيمات مسلحة سورية تدعمها ماديا ومعنويا وبادرت بتأسيس إئتلافات سياسية كغطاء رسمي لهذه التنظيمات المسلحة وفي أولى خطواتها تم طرد ممثل النظام من الجامعة العربية والآتيان بممثل الأتلاف السوري ليحل محله .

الآن وقد مضى على هذه الاوضاع أكثر من أربعة أعوام نالت خلالها الجماهير في سوريا ابشع الويلات وتحولت غالبية المدن والقرى في سوريا الى خرائب يصعب إعادة بناءها، ناهيك عن الكيان البشري الذي تحطم قلبا وقالبا. أسلمة هذه المعارضة المسلحة وخلق تنظيمات إرهابية إسلامية كانت هدفا من أهداف التدخل الاقليمي في سوريا فجاءت داعش وجبهة النصرة ومن لف لفهم لتجعل من سوريا والعراق ساحة حرب تسببت في قتل مئات الآلاف وتشريد الملايين .

الاتفاق النووي بين ايران والولايات المتحدة والغرب غير وبشكل واضح مجمل التوازنات الاقليمية، فتوقيع هذه المعاهدة النووية قلب الموازين في المنطقة رأسا على عقب، تركيا التي تعتبر الداعم الرئيسي لداعش، فشل حزب العدالة والتنمية فيها في الفوز بأغلبية مقاعد البرلمان في الانتخابات الأخيرة مما اجبر زعيمه أردوغان على إعادة صياغة ستراتيجية جديدة وفقا للحسابات والموازين الجديدة، في مقدمة هذه الستراتيجية هي معاودة ضرب حزب العمال الكردستاني تحت غطاء محاربة داعش، يسعى اردوغان من وراء سياسته الجديدة هذه الى اللعب على الوتر الشوفيني التركي في محاولة للحصول على اصواتها في الانتخابات القادمة في شهر اكتوبر من هذا العام حيث ان الفشل في الحصول على الاغلبية سيطوى صفحة حزبه من على الساحة السياسية التركية. أما قطر والسعودية المنهمكتان في حرب تدمير اليمن تحت غطاء الدفاع عن " الشرعية " أصبحتا لاعبين غير أساسين في هذا المحور تاركين الدور لتركيا. الحكومة السورية، ايران وحزب الله اللبناني والحالة هذه، اصبح كفة ميزانهم أرجح نسبة الى الطرف الاقليمي الآخر بالاضافة الى دخول حليفهما الدولي روسيا في هذه الحرب بصورة مباشرة .

الحرب في سوريا باتت الآن حربا غير مباشرة أو حربا بالوكالة بين اطراف المحور الدولي ولولا وجود دولة داعش ومخاوف تمددها في المنطقة وفي العالم، ذلك الخطر الذي يهدد جميع الاطراف، لاصبحت المنطقة ميدان حرب أشمل بين الغرب وامريكا من جهة وروسيا وحلفاؤها من جهة أخرى .

إن التدخل الروسي المباشر في الحرب يهدف من جملة ما يهدف الى منع أمريكا من إعادة صياغة ستراتيجيتها في المنطقة بعد الاتفاق النووي مع ايران، فروسيا تدرك بأن افول العالم إحادي القطب بات على الأبواب لذا تسارع ان تكون البادئة باعادة امجاد العالم ثنائي القطب مدعومة من قوة اخرى لا يستهان بها كالصين. كذلك تسعى روسيا من تدخلها هذا الى تقوية اوراقها التفاوضية عند الجلوس على مائدة المفاوضات حول سوريا أو أوكرانيا معاً ومحاولة كسر الحصار الاقتصادي المفروض عليها من قبل امريكا والغرب.

ان التدخل الروسي المباشر في سوريا وبهذه القوة جوا وبحرا، هي رسالة مفادها كسر الجمود الحاصل في هذه الحرب، فمنذ أكثر من عام والتحالف الستيني يشن هجماته الجوية ويلوح باطالة أمد الحرب لسنين لاحقة ويبنى سياسات في المنطقة جعلت من هذه الحرب تراوح مكانها وفق منطق لا غالب ولا مغلوب، رغم إن المغلوب هي الجهة التي تتحمل أوزار هذه الحرب وتدفع ثمنها ألا وهي الجماهير في سوريا .

كل الدلائل تشير الى ان نهاية هذه المأساة سوف تكون بالجلوس على مائدة المفاوضات تدخل فيها الاطراف الرئيسية، طرف الحكومة السورية وحلفاءها وطرف امريكا وحليفاتها، التقدم على الارض سوف يقوي الموقف التفاوضي لكل طرف ويكون الورقة الرابحة على المائدة، هذا ما يجب أن ننتظره في قادم الايام والاشهر .

9 / 10 / 2015

مقالات