عبدالله صالح

أقليم كوردستان وصراع السلطة

قامت مجموعة مسلحة تنتمي الى الحزب الدمقراطي الكوردستاني ( البارتي )بزعامة مسعود البرزاني يوم 12/10/ 2015بمنع رئيس برلمان كوردستان وبعض من اعضاء البرلمان الذين ينتمون لحركة التغيير بزعامة نوشيروان مصطفى ، من دخول مدينة اربيل ، تلى ذلك تصريحات مسؤولي البارتي من ان حركة التغيير باتت خارج اللعبة السياسية وسيتم عزلها .

تعيش كردستان ومنذ أشهر أزمة سياسية ومالية متفاقمة فمسألة رئاسة الاقليم وما رافق ذلك من شد وجذب بين الاحزاب المتسلطة وتمسك البارتي بالبرزاني كرئيسا للاقليم بعد انتهاء ولايته في اغسطس الماضي، عقّدت من الوضع المتدهور اصلا ، أما الازمة المالية الخانقة التي تعصف بالاقليم وعدم دفع رواتب العمال والموظفين والمتقاعدين لاكثر من ثلاثة أشهر بالاضافة الى وجود داعش على تخوم المنطقة والصراعات الاقليمية والدولية الحاضرة بقوة وسط هذا الصراع.

خطوة الدمقراطي الكوردستاني بعزل وإبعاد حركة التغيير من السلطة مؤشر واضح على أن كل ما ردده مسؤلوا الاحزاب البرجوازية القومية الكوردية من عبارات رنانة حول " الدمقراطية ، البرلمان المنتخب، الدولة الكوردية، الدولة القومية الكبرى، سلطة القانون، التمسك بسياسة الوفاق .....الخ " لم تكن سوى فقاعات فارغة المحتوى.

المتابع للاوضاع السياسية في كوردستان العراق يستنتج ومن دون عناء بان أحد الاسباب الرئيسية من وراء الصراع الدائر الآن بين الاحزاب القومية والاسلامية هي تقاسم الثروة والنفوذ .هذان السببان هما اللذان أديا الى الاقتتال الداخلي بين البارتي من جهة والاتحاد الوطني الكوردستاني بزعامة جلال الطالباني سنة 1995 من جهة أخرى ، حرب راح ضحيتها المئات ولازالت آثارها موجودة لحد الآن.

 

الاحزاب البرجوازية القومية والاسلامية ورغم إدعاءها بأن الحكومة الكوردية سلطة واحدة متنفذة في الاقليم بأكمله إلا ان الواقع هو وجود ادارتين احداهما وهي الاقوى بيد الدمقراطي الكوردستاني في اربيل ودهوك، والأخرى تحت سلطة الاتحاد الوطني في السليمانية وحلبجة ،فمنذ24 سنة وهذه الاحزاب تحكم كوردستان وتنهب ثرواته وتقتل ابناءه وتقمع الحريات وتغتال الصحفيين وتخطف ناشطيي المجتمع المدني وتفسح المجال للافكار العشائرية العفنة والافكار الاسلامية كي تسود المجتمع وفي ظلها يتم قتل النساء بدواعي الدفاع عن " الشرف" وهي عاجزة عن توفير ابسط الخدمات للمواطنين كالكهرباء والماء والرعاية الصحية ، فالفساد مستشرٍ من اعلى هرم في السلطة الى القاع، البطالة المتفشية بين الشباب، الفقر الامتناع عن دفع رواتب العمال والموظفين ولعدة أشهر، الى آخره من ويلات هي السمة السائدة اليوم في كوردستان. هذه السلطة كانت في السابق تتحجج بكون الحكومة حديثة العهد واليوم تقول بأن امتناع الحكومة المركزية عن تسديد مستحقاتها لحكومة الاقليم هو السبب في الازمة المالية ، لقد حولوا الاقليم الى جحيم لا يطاق فبدأ الشباب بالهروب منه حيث تنتظرهم سفن الموت. وفي نفس السياق وبكل أسف انتحر أحد المعلمين في مدينة حلبجة تاركا وراءه رسالة تقول بانه ينتحر لتراكم الديون عليه من جراء عدم صرف راتبه لعدة أشهر.

إن ما يحدث اليوم في كوردستان لايعني سوى فشل هذه الاحزاب الميلشياتية فشلا ذريعا في ادارة الاقليم ، فالبلد الذي تتحكم فيه مليشيات مسلحة تابعة لاحزاب السلطة لا تكون فيها " الدمقراطية " سوى لعب على الذقون.

جراء كل هذه الاوضاع المأساوية اندلعت مظاهرات منددة بسلطة هذه الاحزاب في محافظتي السليمانية وحلبجة اللتان تداران من قبل الاتحاد الوطني ، هذه الاحتجاجات سرعان ما تحولت الى رشق مقرات الدمقراطي الكوردستاني في مدن هاتين المحافظتين بالحجارة ذلك لان الوزارة المسؤلة عن تصدير النفط الذي يعتبر العمود الفقري لاقتصاد الاقليم هو بيد أحد الوزراء الذي ينتمي الى ذلك الحزب وحيث انعدام الشفافية في واردات النفط والفساد المالي. مهاجمة هذه المقرات قوبل بالرصاص مما ادى الى وقوع العديد من الضحايا بين قتيل وجريح ،

الاحزاب البرجوازية القومية الكوردية وشركائها في السلطة من الاحزاب الاسلامية تحاول الحصول على مكاسب سياسية لها وسط هذا الصراع الدائروذلك عن طريق تأييدها للمظاهرات وما يدعونه من دعم مطالب الجماهير وكأنهم ليسوا شركاء في خلق هذه المآسي.

الاعلام التابع لهذه الاحزاب يركز على كلمة "الوفاق " ولا تمر ساعة دون ان نسمعها من جميع الاطراف ولكنها ليست سوى وهم وذر للرمال في العيون فصراعاتهم التاريخية على الثروة والسلطة مؤشر واضح على ان مصالحهم الحزبية فوق كل المصالح ، .

الحزب الدمقراطي الكوردستاني الذي أصبح اليوم يغرد خارج السرب ويشدد قبضته على السلطة من خلال التحكم بالبرلمان والحكومة متباهيا بقوته وجبروته النابعتين من وجود ميليشيا مسلحة تخضع لسلطة رئيسها وتنفذ كل ما يوكل اليها، لهذا الحزب تأريخ من تسلط عائلة البرزاني منذ تأسيسه ولحد الآن فهم يمتلكون المليارات وسياساتهم ساهمت في خلق المئات من المليونيرية التابعين لهم على حساب بؤس وشقاء الملايين من العمال والكادحين، سلطة هذا الحزب تشمل كل من محافظتي اربيل ودهوك حيث لا وجود لاي اعتراض او تظاهرة لانها تواجه بالحديد والنار كما كان الوضع ايام حكم البعث. هذا الحزب يملك تقليدا في ولاء اعضاءه ومؤيديه لشخص رئيس الحزب الذي يعتبر كلامه الاول والاخير في كل الامور.

 

الجماهير المنتفضة عليها أن لا تنساق وراء الشعارات الرنانة لأحزاب السلطة حيث ان لكل من هذه الاحزاب تجربة في السلطة ولكل حصته في خلق هذه المآسي. هذه الجماهير، مطالبة اليوم بأن تنظم صفوفها وتدون مطالبها وتشكل مجالس المحلات والقرى والمدن وتدفع بالسلطة الميليشياتية لهذه الاحزاب سيما وان لهذه الجماهير تجربة ناجحة في الحركة المجالسية عام 1991 إبان طرد سلطة البعث من الاقليم

15/ 10 / 2015

مقالات