شاكر الناصري

أوهام التمسك بقوى السلطة الطائفيّة

تُرى ما هو الفرق بين مقتدى الصدر وغيره من رموز الإسلام السياسيّ، وزعماء الأحزاب والمليشيات الذين استولوا على الدولة ومقدراتها وحولوها إلى غنيمة تخصهم وحدهم، فتنعموا بها كما يتنعم زعماء المافيات وتجار الحروب بغنائمهم؟ ما الذي يدعو البعض للتمسك بمقتدى الصدر وتيّاره، هل يريدون تطهير سجل الفساد والنهب والقتل والتهجير والإستهتار بحياة العراقيّين وأمنهم، السجل الفاضح الذي يعرفه القاصيّ والدانيّ، ويعرف حجم الإنتهاكات التي أقدم عليها التيّار المذكور وتقديمه كقوة تعيد للتظاهرات هيبتها وتدفعها قدمًا نحو تحقيق مطالبها الإصلاحيّة!!، لا. بل أن البعض بات يُنَظّر لإمكانيات إنبثاق "الكتلة التاريخيّة"، تحالف القوى المدنيّة مع التيّار المذكور، التي يمكنها أن تقلب موازين القوى السياسية والاجتماعية في العراق، بذريعة أن الغالبية العظمى من أتباع التيّار هم من فقراء المدن ومن المسحوقين الذين يعنيهم تغيير الأوضاع المتردية!!

هل يمكن أن يغيب عنا إن التيّار الصدريّ يمتلك 31 نائباً في مجلس النواب "كتلة الأحرار"، و6 وزاراتٍ وعدد كبير من الوكلاء والمدراء وأعضاء مجالس المحافظات ومليشيا كبيرة، وله دور كبير في كلّ ما حصل أو سيحصل من صراعات وأزمات، وإنه قوة رئيسيّة، إسوة بغيره من قوى المحاصصة الطائفيّة، في التشريع والتنفيذ والإمساك بزمام الأمور؟ كلّ ملفات الفساد التي يتم الحديث عنها، كانت تطال العديد من نواب التيّار أو الوزارات التابعة له والتي تحولت إلى وزارات خاصة ومقفلة، من الصورة التي تحتل واجهة الوزارة وحتّى أبسط عامل تنظيف فيها!، وهو لا يختلف بذلك عن شركائه في التحالف الوطنيّ أو حكومة المحاصصة الطائفيّة، وفي جرائم الفساد واستغلال السلطة.

التيّار الصدري يخوض صراعات، من أجل السلطة أوحيازة مكانة مؤثرة فيها، ضدّ خصوم، وجهات عديدة تشاركه في الحكومة وفي مجلس النواب. ما يريده مقتدى الصدر أن يحصل التيّار على حصة أكبر في حفلة تقاسم الغنائم التي قد تتحقق بفعل إصلاحات العباديّ المزعومة وصراع أقطاب السلطة وأن لا يتم تهميشه من قبل القوى الأخرى. ويجد في التظاهرات فرصة كبيرة لتحريك أتباعه وفرض التيّار كقوة أساسيّة فيها.

نعم، لابد من الحوار مع القوى السياسية، ولكن أي القوى يمكنّها أن تكون جادة في دعم التظاهرات وأهدافها، ونحن إزاء قوى لا تتوقف عن الفساد والانتهاكات وتعزيز الانقسام الطائفيّ وتغييب الدولة والإستيلاء على مقدراتها ومصادرة الحقوق وإذلال الناس، وتمتلك القدرة على إسكات وقمع من يعارضون ممارساتها أو يحتجون على فسادها؟؟ المؤسسات الدينيّة و" مرجعيّة" النجف وقوى الإسلام السياسيّ وكلّ قوى السلطة الطائفيّة ستدعي القبول بالحوار والدفاع من مطالب التظاهرات، ولكنّها لا تريد لهذه التظاهرات أن تخرج عن الحدود التي تم رسمها، وأولها أن يتم الإبقاء على الدور المعلن والخفي لرجال الدين وتحكمهم وتدخلهم بالأوضاع السياسية ودعم جهات على حساب جهات أخرى!.

أما أن يتم تصدير مقتدى الصدر كقوة مدافعة عن التظاهرات ومطالبها، وعن المدنيّة وتعقد عليه آمال تغيير مسارات الواقع البائس في العراق، فهذا هو الوهم بعينه، ومحاولة لتفضيل طرف في السلطة على الأطراف الأخرى التي لا تختلف عنه في ممارسة الفساد والاستئثار بالسلطة والمتاجرة بالمظلوميات الطائفيّة والقوميّة!، ويدفعنا بالتالي لإعادة السؤال عن الفرق والاختلاف الذي يميزه عن عمار الحكيم أو نوري المالكيّ، أياد علاوي، هادي العامري، صالح المطلك، مسعود البارزانيّ وأسامة النجيفيّ.....الخ، فهؤلاء لايتوقفون عن التصريح بالدفاع عن التظاهرات، ولكنّهم سيطلقون الرصاص على المتظاهرين ما أن يشعروا بقدرتهم على إختراق الحدود التي تم رسمها سلفا!

قوة التظاهرات وفاعليتها وقدرتها على تحقيق أهدافها وفرضها على السلطة وقواها، موجودة في الشارع الساخط وفي بيوت الفقراء والمعامل المعطلة والجامعات التي تنهار تدريجيًا، في مساطر العمال وحشود الشباب الذين يأكلهم اليأس وإنعدام الأمل بغدٍ يناسب آمالهم وطموحاتهم، هناك يمكن الإرتقاء بمطالب التظاهرات وتطوير أفقها الإحتجاجيّ. وهذه القوى، وحدها، من يمتلك القدرة على التغيير وتحقيق المطالب.

 

مقالات