نادية محمود

رسالة الى د.فارس كمال نظمي حول لقاء وفد من المدنيين مقتدى الصدر

عزيزي الدكتور فارس:

قرأت مقالتك، وتابعت مثلك ليس اللغط الذي اثير حول هذه الصورة، بل الصورة ذاتها والتوجه ذاته، وما اسميه الغضب الذي اثاره ذلك اللقاء.

اسمح لي وليسمح لي القراء بهذه المراجعة الطويلة، التي رايتها ضرورية. وساعرج على الرد على النقاط التي وردت، نقطة بنقطة. لان هدفي هو ان افهم مالذي يجري.

الا اني سابدأ من النقطة الاخيرة التي تقول بان" أي تأويل آخر معاكس لمحتوى الصورة ممكن أيضاً من الناحية السيكو- إدراكية، فالأمر في النهاية يتعلق برؤية المراقب ومنطلقاته الفكرية ومرونته الانفعالية وتصوراته المسبقة وخبراته السابقة واستشرافاته المستقبلية لمسارات الحراك السياسي في العراق، والأهم من كل ذلك مدى قدرته على مغادرة التحليلات النمطية والقوالب الذهنية الجاهزة لاستنطاق الأحداث والتطورات!" هكذا افهم، بانه صدر القرار مسبقا، بانه يتوجب الاتفاق مع ما تقدم من تحليل او ان الحكم جاهز علينا باننا لم "نغادر "التحليل النمطي والقوالب الذهنية الجاهزة".

على كل حال، هذه مسالة ثانوية، بالنسبة لجوهر الموضوعة التي اريد الحديث فيها.

النقطة الاولى تقول: " بعيدا عن الشخصنة والتحاملات والتصورات النمطية المسبقة، أرى التيار المدني ..قد أفلح في استقطاب تيار ديني .. وليس العكس، بهدف التنسيق السياسي نحو هدف مشترك ..."

سؤالي هو: من زار من؟ من ذهب لمن؟ هل جاء اليهم الى بغداد؟ هل التقوا في منطقة وسطية؟ ام ذهبوا اليه الى النجف؟ كيف تفسر زيارة وفد من المدنيين الى مقتدى الصدر بان التيار المدني استقطب التيار الديني؟ انا ارى العكس. وهو ان التيار الديني استقطب التيار المدني بدليل ان التيار المدني حمل حاله وراح متعني الى النجف لزيارة التيار الديني. هكذا ارى.

النقطة الثانية تقول بان" التقارب الذي ينطوي عليه مضمون هذه الصورة، هو تقارب موضوعي أملته خصوصيات الحراك السياسي الماثل في العراق، ولا علاقة له بأي خيارات ذاتية أو مزاجية..".

اني اتفق معك تماما في هذه النقطة. ان المسالة ليست خيارات ذاتيه ومزاجية. انها حركات سياسية. التيار الصدري يعيش بعد حرب داعش مرحلة انتكاسة بمنافسته مع باقي تيارات الاسلام السياسي الشيعي بشكل عام ومع عصائب الحق بشكل خاص. انه خسر لصالح هذا التيار العسكري المتطرف والصاعد. ليعيد له وزنه، سيكون فخرا له، ان ياتيه ناشطين في التظاهرات ويطلبوا مساعدته وتدخله. انه لن يحلم باكثر من هذا. واي ناشطيين، ناشطين يطالبون بدولة مدنية. اي دولة غير دينية. لكنهم توجهوا الى مقره في النجف يطالبونه وهو رجل الاسلام السياسي وله في البرلمان ثاني اكبر كتلة من النواب، بعد كتلة القانون. ولديه 34 عضو برلمان، ونائب رئيس وزراء( بهاء الاعرجي) و3 وزراء اخرين. هم بالدولة ويريدون اصلاح. اذن كتل اخرى تملك عدد مقاعد اقل منهم واقل وزراء او بدون وزراء، مؤكد سينادون بثورة وليس باصلاح!

التيار الصدري مسؤول كثاني كتلة في البرلمان عن الوضع في العراق، وهو جنب الى جنب اخوته، معاناة المجتمع العراقي في رقبتهم. فكيف تتوقعون ان يكونوا طرفا في الاصلاح؟ ان كتلتهم اقوى من كتلة المجلس الاعلى وغيرها وغيرها... فكيف سيحققوا الاصلاح؟ النقطة الثالثة تقول بان" الصورة تمثل لحظة فريدة من لحظات تطور العقلانية الحوارية السياسية في بلد مزقه الجنون السياسي لعقود وأجيال. ومهما وجه إلى التيار الصدري من نقد بسبب مواقفه المتذبذبة واتهامه بممارسة العنف الطائفي والفساد السياسي، إلا أنه يظل التيار الأكثر "وطنياتية".."

الذي يوجه للتيار الصدري ليس اتهامات. يكفي ان تضع بعض الكلمات على كوكول..كلمات مثل ( Sadr, women, Iraq pdf) لترى اية معلومات موثقة احتفظ بها التاريخ اذا كانت ذاكرتنا قد ضعفت بحكم السنين، عن اعمال العنف التي ارتكبها التيار الصدري بدءا من قتلهم للخوئي في 10 نيسان، بعد يوم واحد فقط على الاطاحة بنظام صدام. حيث لم يتحملوا مجيد الخوئي اكثر من يوم واحد فقط ليقتلوه. ولحد الان. ليس لدينا قانون ومحاكم في العراق. بل فوضى حقيقية، لمعاقبة المجرمين والقتلة. والا التيار الصدري القطب الثاني في السلطة في العراق، وله تاريخ، وتاريخ دموي من العنف. ان تبرأ منه مقتدى بحجة ان بعض انصاره استغلوا اسمه، لن يكون بوسعة ابدا التبرء من جرائم تياره كلها. تيار يقوده بنفسه وبدرجة بالغة التنظيم.

النقطة الرابعة تقول بان" التيار المدني باتت كارزميته الأخلاقية أكبر (نوعياً) بكثير من كارزمية أي تيار ديني. ولذلك فالصورة تعني ضمناً أن العمامة ما عادت قادرة على العمل وحدها دون الاحتماء الأخلاقي النسبي بنزاهة التيار المدني وعقلانيته ونقائه. وأكاد أجزم أن صدريين كثيرين قد ارتاحت ضمائرهم كثيراً بعد مشاهدتهم لهذه اللقطة.

و هل وظيفتنا تكمن بتوفير الغطاء والحماية للعمامة حتى تستطيع ان تواصل عملها، مستعينة بمباركة وباسناد التيار المدني النزيه والعقلاني والمدني والنقي؟ لانه لم يعد باستطاعتها ان تعمل لوحدها؟ هل هذا هو شغلنا؟ هل هذا هو موضوعنا؟ وماذا رأينا من العمامة وعملها؟ الجماهير طردت اصحاب العمائم من اليوم الاول لاندلاع التظاهرات.هل قليلة اللقطات التي نشرت على صفحات الوبسايت التي اعلنت انها ترفض رجال الدين. الجماهير لا تريدهم، وانت تقول انهم لا يستطيعون العمل بدوننا؟ يعني تريد ابقائهم ومساعدتهم؟ هكذا افهم من تلك السطور؟ هل وظيفتنا اراحة صدر الصدريين؟ واراحة ضمائرهم؟ وهل كانت ضمائرهم تؤنبهم لانهم لم يكونوا طيبيبن مع الشيوعيين والمدنيين والمرأة والشباب والايمو؟ والان ارتاحت ضمائرهم من مشاهدة هذه اللقطات؟ ارجو ان تنظروا لاحد هذه المشاهد لتروا ان الجماهير من يوم 31 تموز طالبت بطرد رجال الدين. بعد مرور 3 اشهر كاملة. يذهب المدنيون ناشطو التظاهرات لدعوة رجال الدين. نعم ان القراء يغضبون مما فعل هذا الوفد. وانا واحدة منهم، لان الوفد جزء من كتلتنا نحن. لانهم المدنيون العلمانيون، اننا نخسرهم لصالح التيار الصدري. ما كان عليهم ان يذهبوا الى هناك. لقد قالها لهم احد " المراجع" الدينية التي زاروها وهو سعيد الحكيم: قال لهم الحكومة لا تخاف من المرجعيات، تخاف من التظاهرات. وكان الرجل على حق تماما. كان عليهم التوجه صوب وبعمق الجماهير، لا الى رئيس ثاني كتلة في البرلمان يطالبون تدخله من اجل الاصلاح.

النقطة الخامسة تقول بأن " التيار المدني في العراق (بتيارته الماركسية والديمقراطية والعلمانية) لم يوجه يوماً نقداً جارحاً أو تفنيداً لأي فقه ديني، ولم ينكر أبداً حق الناس في التدين والتمذهب. لكن في المقابل، لطالما وجه رجال الدين وفقهاء الإسلام السياسي خطابات التجريح والتعريض والطعن لأتباع التيار المدني حد التكفير والتخوين. لذلك فالصورة تعني ضمناً أن تياراً دينياً رئيساً ومهماً قد أعلن تراجعه عن تلك الصورة التعصبية الجامدة.

نعم ان التيار الصدري قد التقى والتقط صورا مع المدنيين، فهل هذا تسميه تراجعا، تراجعا عن ماذا؟ هل تراجع عن اسلمة المجتمع؟ هل تراجع عن النهب والسلب الذي يقوم به وزراءه؟ هل تراجع عن قمع المرأة؟ تراجع عن ماذا؟ عن الصورة التعصبية لانه التقط صورا مع وفد ذهب لزيارته طالبا تدخله في احلك وقت من اوقاته؟ هل هذا تراجع؟ انه حقق مكسبا له بزيارتهم له، وكتحصيل حاصل الكثير من قراء شبكات التواصل الاجتماعي من المدنيين شعروا بالغضب من هذه الحركة.

النقطة السادسة تقول بان" في الوقت ذاته، يبرهن التيار المدني بشكل نوعي وملموس وعملي في هذه الصورة عن مصداقيته في تبنّي قيم التعددية والتسامح والدمقرطة وقبول الآخر. وهو بذلك يقدم مثالاً تطبيقياً عن ماهية تلك القيم وكيفية دمجها واقعياً في جدليات الحياة السياسية، دون أن يقدم أي تنازل عن مسلماته المعلنة والنهائية في إقامة دولة مدنية لا يجري فيها تسييس الدين بأي شكل.

ماذا يعني التنازل هنا؟ كيف يوصف التنازل وما هي خصائصة، ما هي مشخصات هذا التنازل؟ هل ذهاب وفد مدني الى رجل ديني يهدف الى اسلمة الدولة والمجتمع، وكان فارس قد كتب كتابا كاملا حول هذه الاحزاب، التي كان مقتدى الصدر القوة الثانية بعد كتلة دولة القانون، و يطلب تدخله لاحداث الاصلاح وهو الحكومة بايده، هل هذا تنازل؟.

ما هو بالاساس الشي المطروح الذي جرى التفاوض عليه؟ هل جرى النقاش بين الوفد والصدر عن الدولة المدنية، ثم اصر الوفد على عدم التنازل عن الدولة المدنية، والا كيف وماذا يعني انهم لم يتنازلوا عن اقامة دولة مدنية؟ ما ان قرأت سطورك المنشورة على صفتحتك في الفيسبوك حتى عدت لافتح كتابك من جديد " الاسلمة السياسية في العراق"، لاقرأ بعض صفحاته مرة اخرى. اني ساجلب بعض المقتطفات من كتابك لاقول: بان ما تسمية اتهامات موجهة الى التيار الصدري ليس " اتهامات"، ان اعمال التيار الصدري موثقة بابحاث اكاديمية علمية غير سياسية على الاطلاق، وانت رجل علم. كوكلة بسيطة باللغة العربية او الانكليزية. ستقرأ ما يعيد لك الام السنين التي عشناها مع التيار الصدري.

لقد قلت في كتابك الاسلمة السياسية في العراق على ص 12 " ان محاولة فرض الاسلمة السياسية على المجتمع العراقي، هو خيار يقع في الضد من النزعة " العلمانية الاجتماعية" الراسخة لهذا المجتمع. لذلك فان احد الاسباب الرئيسية المفسرة لاستمرار مسلسل الصراع السياسي الدموي في العراق هو نزعة الاحزاب الدينية الحاكمة في لتشكيل المجتمع على شاكلتها، اي محاولة تطييفه قسرا..".

وتقول على ص 14" افلحت الاسلمة السياسية في العراق...اذ دفعت العراقيين قسرا الى اعادة تصنيف ذواتهم الاجتماعية على اسس طائفية- وحتى عرقية- ما قبل مدنية، منسحبين من ساحة التنافس السياسي على اساس البرامج المدنية الاصلاحية، ليتمترسوا في حلبة الصراع السياسي على اسس الامارات الطائفية والمناطقية المتنازعة".

تقول على ص 59" ارتبط تديين السياسة في العراق بالانحطاط الاخلاقي للسلطة، وبالتدهور القيمي للدولة والمجتمع، وبتشوه معنى الحياة للوجود الاجتماعي برمته".

سؤالي هو الم كان التيار الصدري، ومقتدى الصدر كيانا وكتلة فاعلة وحية في عملية الاسلمة، التي الفت كتابا من اجل توضيح ابعادها واثارها على المجتمع؟ الم تكن حركة التيار الصدري حركة لاعادة تعريف وتصنيف المجتمع على اسس ماقبل مدنية؟ الم، يكونوا طرفا، وهم ثاني اكبر كتلة في البرلمان ولديهم وزراء عن عملية " الانحطاط الاخلاقي للدولة". ام كانوا خارجها؟ على ص 218 تتحدث في قسم " الكتلة التاريخية" بان الاب ارنستو -وهذه كلماتك- تحدث عن" اندماج المتدينين الثوريين بالماركسية، وتوقع ان الكنيسة ستشهد في المستقبل صراعا طبقيا يؤدي الى انفصال كنيسة الفقراء عن كنيسة الاغنياء".

هل يمكن ان يقول الصدر بشيء من هذا القبيل على الاطلاق؟ الاسلام السياسي، هو حركة سياسية بالغة الجدية تجاه هدفها، انها لن تقبل باقل من اسلمة الدولة والمجتمع. الكتاب الذي انت كتبته قبل سنوات. اسلمة الدولة والمجتمع لم تمر ولن تمر بدون اقل من سفك الدماء. بل الادهي من هذا، ان سفك الدم لم تكن ضحيته النساء، وشباب الايمو، بل سفكوا دماء بعضهم البعض، سعيا للمال والثروات. ان مقتدى الصدر كان على صراع مع عديله وابن عمه، حسين الصدر، على السيطرة على مداخيل الكاظم. لقد دخلوا اقتتالا وحربا ضد بعضهم البعض. هذا التاريخ لم ينسى ولازال حيا. المداخيل التي لم نعلم ولن نعلم كم تبلغ من الابواب الذهبية التي تاتيهم هدايا من شيعة الشرق الى شيعة ترينداد.

فمابالك بالمدنيين، والعلمانيين، والشيوعيين، وحركة تحرر المرأة، والايمو، والمثليين، والسافرات. لا امرأة تقوى على الخروج بدون حجاب في معظم مدن الجنوب وفي مناطق من بغداد. ان حركة الاسلام السياسي، التي يشكل مقتدى الصدر، والتيار الصدري احد اقطابه السياسية، ويشكل جيش المهدي وسرايا السلام التي تاسست بعد دخول داعش ادواتها العسكرية. اكثر جدية، واكثر حزما واكثر امانة لاهدافها، واكثر صدقا مع نفسها، من ان تبني جسورا مع العلمانيين.

ان الضربة التي تعرض لها مقتدى الصدر وجيش المهدي بعد ظهور عصائب الحق كحركة اكثر راديكالية دينية من التيار الصدري، والتي يقولوها بكل صراحة وبدون لف ودوران بانهم ان لم يرفعوا اليوم شعار ولاية الفقية فلسبب واحد فقط لاغير هو ان تناسب القوى ليس في صالحهم، وانهم يعملون من اجل تغيير هذا الميزان لصالح ولاية الفقية. ان الاسلام السياسي الشيعي، حين يتعرض الى ضغط حقيقي، سيذهب الى اخر حد يتمكن منه.

مقتدى الصدر ليس الاب ارنستو، وليس الاب غابون.

قد نحلم نحن العلمانيين والمدنيين والشيوعيين ان ياتي من الاسلاميين، من هو "كابون" اخر،القس المسيحي الذي عمل مع لينين في عامي 1903-1905 ابان التهيؤ للثورة في روسيا. لكن اظن هذا لن يكون حتى في اكثر احلامنا تفاؤلا، ان نجد بين حركة الاسلام السياسي، كابونا اخر. لسببين: الاول: ان المد الشيوعي ليس في افضل حالاته، ولا المد اليساري، ولا توازن القوى في صالحنا، بل نحن الحلقة الاضعف من الناحية التنظيمية، على الرغم من وجود كل هذه الاعتراضات الجماهيرية المشروعة والحقانية في مطاليبها. وثانيا لان حركة الاسلام السياسي وصلت الى مراحل غير مسبوقة من حيث عنفها وشراستها واستقتالها من اجل السلطة. حين يرتفع المد الشيوعي مرة اخرى، سياتي الينا كابون اخر وارنستو اخر. ولكن ليس الان. الان الصدر ليس كابون ولا ارنستو.

مع تحياتي وعذرا للاطالة.

29-10-2015

 

مقالات