سمير عادل

الهة الفيضانات وقطع الرواتب

تحالف الطقس وقطع 40% من رواتب 4 ملايين عامل وموظف هو رسالة سياسية للمجتمع العراقي، مفادها بأن حكومة العبادي انتهت مناوراتها في تضليل الجماهير المحتجة بشعارها اصلاحات الحزمة الاولى والثانية والثالثة.. التي تدعمها المرجعية. فلم يجف حبر قرار سلم الرواتب الجديد حتى فعلت الامطار فعلتها لتغرق اغلبية مدن العراق بالفيضانات التي اجتاحت الساحات والشوارع واقبية البيوت ممتزجة بمياه بالقاذورات والمجاري، ولتعلن لحكومة العبادي وبالاخص لوزراء التيار الصدري التي يسيطرون على الوزرات الخدمية في حكومتين المالكي والعبادي منذ 9 سنوات "وهناك من يأمل من مقتدى الصدر قيادة ثورة ضد الفساد"، بأن الفساد عامل استمرارها وديمومتها، وتعتاش على كد وجهد وعرق الاغلبية المطلقة المحرومة في المجتمع العراقي. فليس صدفة ان تتزامن مع قطع رواتب 4 ملايين شخص مع الفيضانات، فالعامل المنظم بينهما هو فساد الهيئة الحاكمة في العراق من السلطة التنفيذية والتشريعية والقضائية.
*****
وللعام الثاني على التوالي وفي عهد حكومتين للمالكي وبعدها العبادي، لم ينج المواطن من كارثة الفيضانات، وكأننا نعيد بتاريخ العراق قهقريا قرونا الى الوراء ليس على الصعيد الاجتماعي والسياسي والاقتصادي والثقافي فحسب بل على صعيد الخدمات ايضا، عندما كانت تجتاح الفيضانات مدينة بغداد. رب من يقول ان قوانين المنطق والعقل تعجز عن ان تجيب على سؤال بالنسبة للانسان في العراق لاي جهة يجب ان يتوجه كي ينجو ويبقى بالحد الادنى لانسانيته على قيد الحياة. فعندما كان الانسان عاجزا في مواجهة الطبيعة ولا حول له ولا قوة امامها، فأخترع الالهة كي تكون منقذه، فها هي اله الشمس والمطر والرعد والبرق والزراعة والخصوبة والبحار والولادة.. الخ في زمن الاغريق والفراعنة والسومريين والبابليين.. واليوم وبعد اندثار كل الألهة وتقليل الانسان لمخاطر الطبيعة اذا لم نقل ترويضها، ونحن في القرن الواحد والعشرين فعن اية آله يبحث الانسان في العراق او يخترعه لانقاذه من المحنة التي يعيشها في ظل الاسلام السياسي واجنحته الغارقة حتى اذنيها بالفساد، والذي حل محل الطبيعة غير المروضة ليشيع الخراب والدمار في كل لحظة في حياة جماهير العراق. ما هي هذه الالهة التي يمكن على الاقل تصبره على ارتفاع درجات الحرارة في الصيف التي تصل الى درجات نصف الغليان وتنزل كالسياط على رؤوس الاحياء، وبعد ذلك على انتشار وباء الكوليرا والاوبئة التي انقرضت منذ سنوات في البلدان التي فيها اقل من ربع ميزانية العراق، ولم تنتهي الا وتجتاح الفيضانات حتى باحات البيوت ليكونوا ساكنيها عالقين لا يمكنهم من اعداد على الاقل الطعام كي يمكنهم على التفكير من اجل استيعاب الكارثة..
*****
دائرة المتوهمين بأصلاحات العبادي تتقوض ليس بسبب مماطلاته وضبابية برنامجه الاصلاحي مع سبق الاصرار والترصد، بل بسبب التكشير عن انياب حكومته ضد الاغلبية المحرومة في المجتمع العراقي. فليس سرا قبل اكثر من عامين قررت حكومة المالكي الغاء البطاقة التموينية الا انها سرعان ما تراجعت عنها بعد الغضب الجماهري، الذي هو اقل اذا ما قورن مع الاحتجاجات الجماهيرية التي تجتاح جميع مصانع ودوائر الدولة، بسبب السلم الجديد للرواتب وبموجبه تخفض معاشات العاملين بنسبة 40%. نقول ليس سرا ابدا بين ما ذهب اليه المالكي وبين ما يذهب اليه العبادي. ان العبادي كما كان المالكي من قبل يريد علاج الازمة الاقتصادية التي تعانيها حكومته عن طريق العلاج بالصدمة، وهو مقترح او سياسة صندوق النقد الدولي الذي يتربص الفرص منذ سنوات لتنفيذها في العراق. وهكذا يخرج علينا العبقري والعلامة الذي هو محل تبجيل الليبراليين مظهر محمد صالح المستشار الاقتصادي لرئيس الوزراء أن سلم الرواتب الجديد وفر ثلاثة تريليونات دينار. اي انه اعلان صريح ووقح بأن يسرق العمال والموظفين لترقيع ميزانية ينهبها اعضاء الهيئة الحاكمة في العملية السياسية. وعليه ان اصلاحات العبادي ليس اكثر من وهم يحاول ترويجها وتسويقها لاجل تنفيذ استراتيجية انقاذ سلطة الاسلام السياسي الشيعي. فكل ما روج له الاعلام من اقالة نواب الرئيس وتخفيض رواتب الحمايات لم تكن اكثر من زوبعه في الفنجان "انظر تصريحات المالكي.. اقالة نواب الرئيس غير دستورية"، وخلق هالة ضبابية لتسديد ضربته الحقيقية التي هي الهجوم على معاشات وارزاق العمال والموظفين في العراق.
وكلمة ليست هي الاخيرة في ردنا على الأله المنقذ، ان الأله المنقذ لجماهير العراق من الفيضانات والاوبئة وقطع المعاشات، الاله المنقذ من اصلاحات العبادي وحكومته التي يتربع على كراسيها عرابي الفساد، الاله المنقذ من خراب ودمار الاسلام السياسي للعراق هي الارادة، ارادة الجماهير التي توقف عجلة "اصلاحات العبادي" وتعمل على تروض الطبيعة. ان رص صفوف جميع العمال والموظفين في خندق نضالي واحد والتصعيد من احتجاجتهم هو المنقذ. انه لبشرى عظيمة بالنسبة للجماهير المحتجة بأن ينزل عمال النفط بقوة الى ساحة الاحتجاجات ضد قرار سلم الرواتب الجديد، فقوة عمال هذا القطاع وبالتلاحم مع بقية العمال والموظفين في عموم العراق، سيفرض التراجع ضد سياسة التقشف لحكومة العبادي واصلاحاتها المعادية حتى النخاع للعمال والموظفين..

 

مقالات