فارس محمود

رسالة رد الى صديق!

عزيزي .....
تحية طيبة....
انا لم اكتب رسالة لك او رسالة شخصية، انا بينت موقفي ورايي بامر سياسي صرف، امر عام وليس خاص بافراد. الامر السياسي بنفسه، لاعلاقة من قريب او بعيد بموقف مسبق او خلاف سياسي مسبق مع جهة ما. انا تحدثت عن تحرك. ليس الامر شخصياً ابدا. مكانتك الشخصية عندي معروفة جيدا، ويعرفها كل من هو قريب مني وانت شخصيا تعرفها.. انه امر اعتز به، رغم اختلافنا في الرؤى والتصورات! لم يكن يوما القرب او البعد السياسي معيار وبارومتر لعلاقتي بالاصدقاء وبالناس، ولم اضعها مع احد! كل انسان حر في ارائه وتصوراته.لا أقول هذا مجاملة، والمجاملة ليست من تقليدي السياسي ولا الاجتماعي... اني افصل بين مسالتين: العلاقة الشخصية شيء والتحرك السياسي شيء اخر.. للأسف تصادف انك كنت في هذه الحركة... بيد ان نقدي هو نقدي اوجهه بكل الأحوال... وتصادف ان تكون فيه لايجعلني اخفف من نقدي ذرة...
فكّر كما تشاء، واعطي رايك كما تشاء. ولكن الا تعتقد عزيزي ان الموضوع خرج عن الراي والتفكير و"الاجتهاد"؟! انا تحدثت عن السياسة، وتحدثت عن تقليد سياسي اجتماعي أوسع مما هو حزب، ناهيك عن اشخاص. انتقدت هذا التقليد بشدة لان فعلته ضارة الى ابعد الحدود. واعلم جيدا انه لم يدرك ولايدرك حجم خطورة فعلته. زيارة الصدر والمرجعية ليست اجتهاد مثلما تقول. انها سياسة وتتعلق بمصير وحياة ملايين الناس الذين نزل قسم منهم الميدان للتظاهر ضد هذه السلطة. حياة الناس خط احمر.
غضبتَ؟ ولكن اليس من حق الاخرين ان يغضبوا من هذه السموم التي يبثها هذا التحرك؟! ان تتحول امال الملايين الى مادة للعب بيد تقليد سياسي معين، الا يبعث الامر على الغضب؟! اطلعت على ردود الاخرين على هذه الخطوة؟! لايحتاج المرء سوى دقائق ليعرف كيف قوبل هذا التحرك، وفي مقدمتهم من أناس مدنيين، علمانيين، تحررين، محبين للإنسان. مشاعرك عزيز عليك، علما اني لم اقصد احد كشخص، وهي عزيزة علي ايضاً، ولكن ماذا يحل بمشاعر تلك الجموع والملايين ومشاعر تلك الامال الموؤدة في قلوبهم؟! افكرت بهذا؟!
لا "الانتهازية"، ولا "التملق"ولاغيرها هي كلمات "إهانة". انها كلمات سياسة. انا تحدثت سياسة، ولكن لم أرى أي سياسة في ردك، وضحت افكاري وأوردت مبرراتي، ولكن لم أرى أي شيء من افكارك دفاعا عن عملكم هذا؟! اذا على سبيل الفرض والمثال لا اكثر اخذت أفكار احمد عبد الحسين وانطباعاته الشخصية، فانها أسوأ مبررات وأكثرها تبريرية وخلق أوهام، ليس هذا وحسب، بل جمّل صورة الصدر كثيراً! لم يبقي لنا سوى ان نرفع قبعاتنا له!! مبروك له هذه المهمة! ولكن السؤال هو اتعرف لمن ذهبتم؟!..
أوردت تفسيري لحركة مقتدى الصدر، ولكن لاوضح نقطة إضافية. طرات على الساحة السياسية مستجدات، يمكن تسميتها مستجدات مابعد داعش. ان التيار الصدري هو اكثر المتضررين من حركة داعش وهذه المرحلة. دخل داعش.انتهزت السلطة الشيعية الحاكمة الفرصة لتأسيس الحشد الشعبي، الحشد الشعبي الان يستطيع المرء ان يقول هي اكبر قوة مليشياتية بالعراق، بدرجة تخافها الحكومة. خلال السنتين الاخيريتين، اذا كان ثمة تيار تراجع رصيده ارتباطا بهذه المستجدات فهو التيار الصدري برايي. ان خطوة الصدر هي جواب ورد ومناورة على تهميشه على صعيد السلطة. ان المشاركة في الاحتجاجات بهدف استغلالها وتوظيفها كورقة (وهي ورقة مهمة اخافت السلطة وارعبتها) من اجل ممارسة الضغط على السلطة الحاكمة عبر ركوب موجة الاحتجاجات، ومن خلال هذه الحركة، الحصول على مكانة من حلفائه-خصومه في التحالف الشيعي. انها خطوة للرد على هذا التراجع والتهميش الذي فرضه الاخرون عليه. ولهذا لايمكن تصور حركته دون هذا الهدف السياسي المباشر وغير المعلن.
لاوضح نقطة أخرى، لقد دب الرعب في افئدة كل تيارات الإسلام السياسي حين اندلعت التظاهرات، كانوا يتصورون ان اقدامهم ماضية للمجهول وان ساعة رحيلهم قد زفت. هناك عشرات الشواهد المسجلة على ذلك. لقد طرد الإسلاميين من الساحات، النفس والشعارات المدنية والعلمانية، والشعارات الشديدة بوجه الإسلاميين والمرجعية شديدة الى ابعد الحدود، وطردوا من ساحات التحرير اؤلئك"النفرات" الذين رفعوا صور السيستاني وتبين ان المرجعية لم يكن لديها الشجاعة لترسل اناسها، وارسلت شباب يافعين بعد ان استغلت جوعهم وفقرهم واعترفوا ان المرجعية طلبت منهم ذلك مقابل 25 الف دينار، وماطردتهم وهمشتهم في مدن العراق الناس "العفوية"، "غير الواعية"، "غير المسيسة" و"غير المتحزبة" من الساحات، ها انتم "الناشطين"، "السياسيين"، "الواعين"، "المتحزبين" تعودون بهم من الشباك! الا تعتقد ان الجماهير قد عبرتكم كثيرا؟! الا تعتقد ان حركتكم هي ردة للوراء؟! ان هلع الإسلاميين من ان يكنس ليس الفاسدين، بل تيارات الإسلام السياسي ككل، فهبوا بمناورة المشاركة في التظاهرات ولقلب الطاولة على الحشود العريضة، ونجحوا بفعلتهم، وللأسف عبر هذا التكتيك، هرعتم، بغض النظر عن نيات افراد هذا التحرك، للمساهمة في انقاذ رقبتهم! في الوقت الذي يقتضي الامر الامعان في تهميشهم، مواصلة طردهم من الساحات والميادين، ادامة فضحهم وصولاً لازاحتهم. لان قناة تحسين أوضاع الناس، تمر فقط وفقط وفقط عبر ازاحتهم، وليست عبر سراب "حزمات الاصلاح" والعبادي والمرجعية و"الضرب بيد من حديد" التي تحدثوا عنها!!..
حين يأتي جمع يقوم بتبييض وجه هذا التيار، وإعطاء شرعية اكبر له في التظاهر، ومناشدته لان تتدخل جماعته في التظاهرات، والادهى من هذا، وكما يذكر احمد عبد الحسين مناشدة البعض لمقتدى ان يوصي جماعته ان لاياتون كقضاء واجب خمسة دقائق ويغادرون الساحة (!!!!!) ماذا يمكن ان نسمي هذا العمل؟! هذه حركة مناهضة لنضال تلك الملايين. المسالة لاتتعلقبتوجيه النداء الجمعة الفلانية والساعة الفلانية لبدء التظاهر و"نحن مستمرون" والخ، بل الى اين تقود هذه التظاهرات؟! الى اين تنوي الدفع بها؟! وهنا موضوعة السياسة والصراع السياسي والحسابات السياسية على الأرض وليست الامنيات.
قبل فترة قرات هذا التعليق لجاسم الحلفي، بالمناسبة من الناحية الشخصية اكن له احترام وتقدير، مع صورة له في الجبل وهذا نصها: "الاول من اليسار في بارزان عام 1985 مع مجموعة من الحالمين ببديل ديمقراطي بعد الإطاحة بالدكتاتورية، كنا نتطلع الى دولة يحترم فيها الانسان وتؤمن احتياجاته المعيشية. وتحفظ كرامته، لم نتوقع ان المحاصصة والفساد سيكونا ركائز النظام السياسي بعد ٢-;-٠-;-٠-;-٣-;-." للأسف ان تاريخ هذا الحزب والتقليد والتيار هو تاريخ بث وإشاعة الأوهام. كان تطلعه وتوقعه من بعد 2003 واهم. كم وقفنا ضد الحرب وكتبنا وتحدثنا عن ان المسالة ليست في اسقاط صدام، بل ان المسالة في أي بديل يأتي بعد صدام وبينا بشكل واضح ماهية التيارات الملتفة حول راية حرب أمريكا. وكم شهروا بنا بوصفنا "ندافع عن صدام"؟! والامر نفسه في تطبيلهم ضد الحصار في وقته والخ من المواقف التي ذكرت بعضها في مقالي!
احتراما لحياة وتعب وتضحيات الاخرين، لا اريد ان يأتي احد يوما ما ويقول (هذا ان قال!) للأسف كنا خاطئين! ولهذا وددت ان ابلغ الاخرين رايي، عسى ولعل....!
تقول في رسالتك انك تراسلني على الخاص "لاسباب خاصة تتعلق بفهمي للصراع". سؤالي أية اسباب؟!اذا حريصين على "الشعب" فعلاً، تعال لنقل كلامنا صريحا حول كل شيء وبوجه كل من يضع العصا في عجلة هذه الحركة المطاليبية العادلة، وامام الجميع، كي يزداد وعي الناس بالممارسة السياسية للجميع وكي يدركوا أي طريق واي خط يسلكون، ويزداد تدخلهم الواعي في الميدان. وليس ثمة اقتدار وقوة اقوى من جماهير واعية وتعرف ماذا تريد، واي السبل تسلك! لنقل كلامنا واضحا وصريحا وامام الجميع حتى يفهم الجميع التصورات والرؤى وسبل الحل المطروحة ليختاروا عن دراية ووعي.
ولكن اود ان اتناول نقاط بصورة هامشية وسريعة....
خلطت الحابل بالنابل. ما ربط موضوعة الحزب بالامر حين تقول "وهنا لا اريد ان اكون بصدد استعادة تاريخ حركتكم السياسية وطريقة انشائها وتكوينها وانشطاراتها المتعددة."؟!! وما ربط الامر بمشاركة تنظيمات الحزب في التظاهرة او غيره؟! تاريخ هذا الحزب معروف للجميع ونضالاته المشرفة معلومة للجميع لا اليوم بل لاكثر من 22 عام وفي كل الميادين. ليس بوسع احد انكار هذا التاريخ. لم نصبح قوة؟ نعم. ولكن تراجعنا ليس مربوط بنا فقط، بل للاسف تراجع اشمل شهده المجتمع ككل. لم تنتصر المدنية في المجتمع ونتراجع نحن، لم تنتصر نضالات المراة والشباب وحقوق الطفل وحرية الراي والتعبير في المجتمع ونتراجع نحن. لم تقتدر الطبقة العاملة ونتراجع نحن. تراجعنا ليس امر ذاتي، رغم ان هناك جوانب ذاتية كثيرة برايي.
اني كتبت هذا المقال كي أعطي رايي بهذه الممارسة السياسية بوصفها ضارة ومناهضة للتظاهرات وللمجتمع، وخطوة معادية للجماهير المحتجة.. ولا ربط لمقالي بك كشخص، وعليه لاضرورة لكل الكلمات غير اللائقة الواردة في رسالتك.
اكرر تحياتي

 

مقالات

فارس محمود

23/11/2015