نادية محمود

قانون الاحزاب والشفافية المالية في العراق

اواصل في هذه المقالة القاء الضوء على بعض من مواد قانون الاحزاب ساعية الى تسليط الضوء على المواد الخاصة بمالية الاحزاب. تقول المادة 41 من القانون ان "على الحزب او التنظيم السياسي الامتناع عن قبول اموال عينية او نقدية من اي حزب او تنظيم سياسي او جمعية او منظمة او شخص او اية جهة اجنبية الا بموافقة دائرة الاحزاب او تنظيمات سياسية".
في هذه المراجعة المختصرة سيتضح لنا مدى استحالة تطبيق هذه الفقرة من القانون على احزاب الاسلام السياسي الشيعي منه والسني والاحزاب القومية الكردية.
فاية احزاب تلك التي ستفتح سجلاتها المالية لدائرة تسجيل الاحزاب والمنظمات السياسية لتطلع على الواردات والمصروفات؟ وهل تتمتع فعلا هذه الدائرة بالقدرة على فرض القانون ومعاقبة اولئك الذين يمتنعون، بالعقوبات المالية او السجن او اعلان حل الحزب؟ هل ستتمكن دائرة مدنية من القيام بعمل في وضع تسيطر فيها ليست احزاب سياسية بل ميلشيات عسكرية، هل تتمكن هكذا دائرة من تنفيذ قانون ينص على ان الاحزاب التي لا تكشف عن ماليتها ستحظر. ان هذا لضرب من الخيال.
ان المراجعة السريعة الان ستوضح ان كل احزاب الاسلام السياسي الشيعي والسني والاحزاب القومية الكردية تحصل على مساعدات مالية لاحزابها من الخارج. وهذا امر يكاد يكون معلوم للجميع. بل الاكثر من هذا، ان واضعي القانون يوهمون الجماهير بان هنالك امكانية لمراقبة اموال احزاب مؤتلفة في دولة هي اساسا وعلى امتداد 12 عاما من الحكم تربعت على ألمرتبة السابعة في الدول الاكثر فسادا في العالم.
ان اموال الدولة تنهب بالمليارات. والذين يقومون بالنهب هم اعضاء هذه الاحزاب التي وضعت القانون والتي يفترض ان شخوصها ايضا سيقومون بتنفيذ هذا القانون. كيف يمكن تخيل تطبيق هكذا قانون في دولة تراجع فيها دور القانون..ويسودها الفساد في هيئاتها العليا قبل الدنيا، ان تكون قادرة على مراقبة مالية الاحزاب؟ ان هذا لضرب من الجنون ان لم يكن كتب فقط لذر الرماد في العيون.
من المعلوم ان احزاب الاسلام السياسي الشيعي او السني كذلك الاحزاب القومية الكردية تؤمن مصادرها المالية بشكل يزيد او ينقص، من دول مثل ايران والسعودية والكويت ودول الخليج وتركيا.هذه الدول لديها مصالح في العراق، ولتامين تحكيم نفوذها ووجودها، تقوم بالتمويل المالي وتقديم الدعم اللوجستي، والتدريب، والاستشارات.ان هذه الصلة وهذا التمويلامرا معروف.
حسب ويكيليكس ايران تقدم دعما ماليا للاحزاب السياسية الشيعية في العراق ولاشخاصهم مساعدات مالية تتراوح من 100 - 200 مليون دولار امريكي سنويا. احزاب الاسلام السياسي الشيعي وشخوصه استلموا وبانتظام مساعدات مالية من ايران من اجل حسم نتائج الانتخابات مقدما في اعوام 2005 و2010، و2014 وانتخابات مجالس المحافظات ايضا من اجل تأمين وضمان فوز الاحزاب الشيعية بالسلطة في الانتخابات. فالجمهورية الاسلامية تستخدم المال لتأمين هيمنتها السياسية على العراق عبر تمويل جيش القدس للميليشيا العراقية بالسلاح والتدريب والمال.
لقد قدم قاسم سليماني قائد قوات القدس والمنسق الرئيسي لاجندة الحكومة الايرانية في العراق دعما للاحزاب الشيعية وبدرجات مختلفة. التيار الصدري، رغم ميوله القومية ورفضه التدخل الايراني في العراق، الا انه لم يكف عن استلام المساعدات المالية من تلك الدولة.

عصائب الحق وحزب الله العراقي، اقرب الفصائل الى ايران والموالية لخامنئي والتي تتبني ولاية الفقية، تستلم من ايران شهريا بين 1.5 - 2 مليون دولار لتمويل ما بين 5 - 10 الاف من عناصرها المسلحة حسب احصائيات 2014. عصائب الحق ليست ميليشيا فحسب بل هي جهة سياسية اعلنت عن نفسها في كتلة سياسية انتخابية اطلقت على نفسها كتلة الصادقون، دخلت الانتخابات في عام 2014 وفازت بمقعد برلماني. فكما ذكرت في مقالاتي السابقة حول قانون الاحزاب والميلشيات ان بعضا من الاحزاب والكتل السياسية الشيعية نمت وتطورت وتشكلت من ميليشيا عسكرية، اي ان الاحزاب اصبحت اطارا سياسيا لميلشيا مسلحة.
اما الاحزاب القومية الكردية تستلم مساعدات من ايران، وبتواصل منذ عام 1991 وحتى الان. والا كيف ستتمكن الجمهورية الاسلامية، بدون تقديم هذا النوع من الدعم للاحزاب الشيعية والقومية الكردية في السلطة في العراق، من ان تزيد نسبة تجارتها مع العراق الى الحد الذي بلغت فيه 12 مليار دولار امريكي فقط في عام 2013 - 2014؟..
واذا كانت الحكومة الايرانية تدعم الاحزاب الشيعية بدرجات متفاوتة، الدعوة، المجلس الاعلى، التيار الصدري، عصائب اهل الحق، حزب الله، فان اطراف الاسلام السياسي السني لديها من تتكأ عليه. فالكتل السياسية مثل العراقية والتوافق تستلم هي ايضا مساعات مالية من دول الخليج وتركيا، لتمويل نشاطاتها التي ستحقق في نهاية المطاف مصالح الدول المانحة.
واذا كان صعبا للحكومة السعودية ارسال مساعدات عسكرية لجماعات سنية في العراق، فالمساعدات المالية لاطراف سياسية سنية قد يقدم من قبل الحكومة السعودية، لكنه بالتاكيد يقدم من قبل افراد الاسلام السياسي السني. فهل يمكن لدائرة الاحزاب السياسية العراقية ان تنفذ قانونها بفحص مالية الاحزاب؟.
يقول قانون الاحزاب ان بامكان تلك الدائرة ان تجيز استلام تلك الاحزاب للمساعدات المالية من جهات خارجية بشرط حصولها على موافقة دائرة الاحزاب. اي بأذن من الهيئة ذاتها، فلمن ستأذن تلك الهيئة من احزاب ليحصلوا على مساعدات مالية وعلنية من الخارج. ان المنهج الاسلامي يتبع مبدأ يجب ان لا تعرف اليد اليسرى ما تمنحه اليد اليمني. فكيف واي حزب سيعلن ماهي الجهات الخارجية المانحة له بشكل علني.
كذلك فان سياسة المحاصصة، تقتضي معاملة الكل على قدم المساواة، واعني بالكل ألاحزاب الشيعية والسنية والقومية الكردية ان تنال مساعدات مالية سواء من ايران، او السعودية وقطر وتركيا.
ان هذا القانون هو فقط لذر الرماد في العيون. لا احزاب الاسلام السياسي الشيعي والسني والاحزاب القومية الكردية ستكف عن الحصول على المساعدات في ظل اوضاع الاحتراب والصراعات والمنافسات. ولا دائرة الاحزاب والمنظمات السياسية ستكون نزيهة ومستقلة عن الاحزاب الحاكمة، بحيث تحاسب وتحظر الاحزاب غير الملتزمة بنص القانون. ان النزاهة وصلت الى حد في العراق بحيث اصبحت تعقد مؤتمرات حولها.
الحكومة والقضاء العراقي عاجز كل العجز عن تطبيق اي قانون بسبب سياسة المحاصصة، من اللجنة التحقيقية في اوضاع سقوط الموصل الى عشرات ومئات القضايا الاخرى. فهل تستطيع دائرة جديدة تعقب مالية الاحزاب، واية احزاب حاكمة في السلطة وهي تنال تمويل من الخارج، كاحزاب وافراد. ان فقرات هذا القانون هو لتزييف وعي الجماهير وخداعهم. لذلك يجب ايقاقه وانهاءه وحشد القوى من اجل الغاءه.

 

مقالات