سمير عادل

بطاقة الخزي والعنصرية

ثلاثة قوانين مررها مجلس النواب العراقي خلال فترة قياسية بعد احتجاجات ٣-;-١-;- تموز، وكلها كحزمة واحدة، يكشف بأن العراق ماضي تحت سلطة الاسلام السياسي الشيعي نحو دكتاتورية ثيوقراطية اكليريكية لا تقل عن دكتاتورية الكنيسة المسيحية في القرون الوسطى. وتلك القوانين هي قانون الاحزاب وقانون منع المواقع الاباحية والاخير الذي ليس هو الاخير في اجندة الاسلام السياسي هو البطاقة الوطنية التي اقل ما يوصف بأنها بطاقة الخزي والعنصرية السافرة. وكل تلك القوانيين ليس لها اية علاقة بما يجري في الشارع العراقي، ولكنها تبين وتوضح بشكل جلي ودون اية مواربة عن استراتيجية حركة الاسلام السياسي الشيعي في تثبيت سلطتها وقمع معارضيها وخاصة التيارات المدنية مثل العلمانية واليسارية والشيوعية، وبناء مجتمع لا يقل القمع والاستبداد فيه لجميع الحريات الفردية والسياسية وحقوق الانسان عن قمع واستبداد دولة الخلافة الاسلامية.
جميع انتقادات القانون تركزت على انها مناقضة للدستور ويقمع الاديان الاخرى، في حين ان القانون منسجم كليا مع روح الدستور والذي يقول في مادته الاولى، "اولاً ـ الاسلام دين الدولة الرسمي، وهو مصدر اساس للتشريع :أ ـ لايجوز سن قانون يتعارض مع ثوابت احكام الاسلام .ثانياً ـ يضمن هذا الدستور الحفاظ على الهوية الاسلامية لغالبية الشعب العراق.. المادة (3) العراق بلد متعدد القوميات والاديان والمذاهب، وهو جزء من العالم الاسلامي.". وما كتب حول الديمقراطية والحريات الفردية في الدستور لا تعدو اكثر من كليشيهات منمقة سطرت كديكور لتجميل الدستور الذي اقل ما يستحق هو تمزيقه.
ان قانون البطاقة الوطنية يعطي امتياز واضح "للاسلام" و"الذكورية" في مواده، سواء حول مسالة المرأة او "اللقيط" او التعامل مع معتنقي العقائد غير الدين الاسلامي. فالمادة (٢-;-٥-;-) من الفقرة الاولى تنص على حمل الاولاد لقب والدهم. ان هذه المادة تلغي وجود المرأة الام وكأنها لم تتعب ولم تتحمل وحدها آلام الحمل والمخاض، وتعيد انتاج الفكرة الرجعية المشينة بانها ليس اكثر من وعاء الرجل. ان نضال المرأة ثبت اليوم في البلدان التي تبنت الخطوات في تثبيت المفاهيم الشاملة للحقوق الانسان، سنت قوانين بمنح المرأة الحق بحمل الاولاد لقب امهم ان شاءت.
ان الانكى من المادة (٢-;-٥-;-) في القانون والذي يقطر لا انسانية واضحة، هي المادة (١-;-٩-;-) وفي فقرتها رابعا، "تمتنع السلطات الصحية والمديرية بعد نفاذ القانون عن تسجيل اسم المولود اذا دل على صفات بذيئة او مخالفة للنظام العام او الاداب او الحطة او الاهانة". قبل كل شيء ما ذنب المولود، ما جريرته؟ او لهذا الحد جفت منابع الانسانية بحيث يحرم مولود لا ذنب له ولا حول ولا قوة من اعتراف المجتمع به. وبعد ذلك ما هو هذا النظام العام والاداب والحطة والاهانة؟ من يحدد هذا النظام ومن منح مجلس النواب الموقر هذا المعيار؟ ما هو معيار الحطة والاهانة، هل تعتبر حطة عندما تكون العلاقة العاطفية والجنسية خارج زواج المتعة او الزواج العرفي! ام خارج القانون الجعفري الذي يغتصب الطفلة وعمرها ٩-;- سنوات؟ هل تقصد الفقرة الرابعة، الطفلة المغتصبة والذي يشرعنه القانون الجعفري اذا شاءت الصدف وان تحمل مولود، ام لا تشملها الفقرة المذكورة لان القانون الجعفري يزكيها. هل هناك اكثر حطة من الهيئة الحاكمة في العراق من حكومتها وبرلمانها وقضائها منعمين بالسرقة واللصوصية والفساد، بينما الناس محرومين من ابسط مقومات المعيشة والحياة ومع هذا يعتبرون انفسهم شرعيين في المجتمع.
وهكذا يمضي في المادة (٢--٠) في الفقرة ثانيا، يصنف اللقيط او مجهول النسب بمسلم عراقي ما لم يثب خلاف ذلك. ولكن لم تشرح لنا الفقرة التصنيف الطائفي للمسلم او هو سني ام شيعي؟ وعلى ما اعتقد سيصنف على "الشيعة" كي يقولوا لنا ان الاغلبية في العراق هم "شيعة" ويجب ان يحكمون وليس المهم هنا "السمعة" واقصد "اللقيط" ما دام سيحقق اهداف سياسية مقدسة!
وتتحفنا المادة (٢--٦--) بأطلاق الحريات ومنحها الى غير المسلم لتغيير دينه. ولكن لا يسمح للمسلم ان يغير دينه حيث لم يشر اليه القانون لا من بعيد ولا من قريب. لان واضعي القانون يوشمون جباه الانسان منذ ولادته بختم "المسلم" الى يوم رحيله من الحياة. بينما يمنح امتياز "المسلم" Frenchise لمعتنقي العقائد الدينية الاخرى، هل هناك سخاء اكثر مما تمنحها الالهة دون مقابل لمعتنقي الديانات الاخرى.
ولان القانون يمنح "الاسلام" مكانة عليا في القانون وهي منسجمة كما قلنا مع روح الدستور، فنجده في المادة (٢-6) ثانيا يحمل من السخرية والعنصرية بما لا تحملها المواد الاخرى، يتبع الاولاد القاصرين في الدين احد الوالدين الذي اعتنق الدين الاسلامي. وهنا لا يفرق بين الرجل والمرأة، ولكن الشرط هو الاسلام، وبعكس اللقب، فالاولاد يتبعون لقب الاب. اي بعبارة اخرى في اللقب الرجل الاب هو الفيصل وفي الاولاد القاصرين والاسلام هو الفيصل.
واكثر مكامن السخرية في قانون البطاقة الوطنية بأن موجب اقراره كي يخلص المواطن من تعدد الوثائق التعريفية له ويواكب التطور الاداري الحاصل في العالم، ولكنه يتناسى بأنه يجرد المواطن من انسانيته ويعامله على اساس هويته الدينية ويعمم نظاما ذكوريا ودينيا ويفرضه على المجتمع.
ان نقد البطاقة الوطنية من زاوية الدستور هو نقد عقيم ولا يجدي نفعا ولن يكون له اذانا صاغيا، لان الدستور نفسه مبني على اسس معادية للماهية الانسانية. ان قانون البطاقة الوطنية يجدد مرة اخرى عدالة نضال فصل الدين عن الدولة والذي سيفضي بالتالي الى تبني دستور علماني، وهو الكفيل بتعريف البشر في العراق على اساس المواطنة والهوية الانسانية.

 

مقالات