نادية محمود

هل بالتوجه الى الخضراء، سيستجاب الى مطاليب الجماهير؟

توقع المتظاهرون في ساحة التحرير بان تغيير جغرافية سير حركتهم من ساحة التحرير الى الخضراء سيجعل البرلمان يصغي لهم اكثر، الامر الذي سيساعد الحكومة على الاجابة على مطالب الجماهير بخدمات اكثر وانهاء الفساد. ووجه المتظاهرون رسائل الى السلطات الثلاثة وكأنها سلطات مستقلة ومنفصلة عن بعضها البعض، تطالب كل جهة بعدد من المطاليب.
ليس هنالك شيء اسمه فصل السلطات في العراق، ليس في العراق فحسب بل حتى في الدول ذات الديمقراطيات العريقة. الحزب الفائز في الانتخابات البرلمانية يشكل حكومته التنفيذية او السلطة التنفيذية. هذا امر بديهي. البرلمان ليس ممثل "الشعب"، البرلمان يمثل الاحزاب التي فازت في الانتخابات، وليسوا "نواب شعب"، ولا ممثلين عن الشعب.
والحال بان البرلمان والحكومة والسلطة القضائية هم اوجه لسلطة طبقة واحدة. لذلك فان مخاطبة البرلمان او الضغط على البرلمان، من اجل ان لا يسد الطريق على الحكومة لاجراء اصلاحاتها، وكأن البرلمان جهة معارضة للحكومة، او يعمل على النقيض منها، امرا لا اراه صحيحا. والدليل ان العبادي الذي اطلق في 10 ايلول حزمة الاصلاحات المتمثلة بترشيق الوزارات وتقليص أعداد حمايات المسؤولين والغاء المخصصات الاستثنائية للرئاسات والهيئات ومؤسسات الدولة والمسؤولين المتقاعدين، نالت موافقة البرلمان بشكل تام بعد 24 ساعة فقط من اطلاقها، اي في يوم 11 ايلول، وللسبب نفسه اي ضغط الجماهير المتظاهرة.
هنالك مسالتين تمسكان بخناق الجماهير اقتصاديا: الاولى ان هذه الحكومة وبرلمانها وقضائها يغطيها الفساد، من الرأس الى اخمص الاقدام. وليس بامكان احزاب برلمان وحكومة ان يكون لديهم الحل لقضية الفساد. لا يمكن ان يكونوا المتهم والقاضي. لا يمكن ان يكونوا هم المشكلة وهم الحل. وقد قيل الكثير بهذا الخصوص مما لا يستوجب الافاضة فيه اكثر.
الثانية: تكمن في ان العراق يقف ومنذ الحرب على اعتاب مرحلة جديدة مرحلة الانتقال من اقتصاد الدولة الى اقتصاد السوق الحر، هذا يعني تقليص دور الدولة في تقديم الخدمات، انهاء البطاقة التموينية، خصخصة مؤسسات قطاع الدولة، تقليص رواتب الموظفين، تقليص المخصصات، اي السياسات التي يعبر عنها بالتقشف. ضمن هذا التحول الدولة غير مسؤولية، ووظيفتها فقط توفير الامن والحماية، اما الخدمات، فرص العمل، ضمان البطالة، يجب ان تدفع وتدبر من قبل المواطنين انفسهم. عدد من الاحزاب في البرلمان وفي الحكومة يرفعون لواء الاقتصاد الحر، وعلى رأسهم العبادي. وما سياسات التقشف وتقليص الرواتب الا خطوات في هذا الطريق. الاحزاب التي تدافع عن اقتصاد السوق الحر، تفعل ذلك خدمة لمصالحها، فالقطاع الخاص ليس مستقلا عن الدولة، بل اشخاص الدولة انفسهم هم الذين اما يديرون شركات القطاع الخاص او لديهم حصص منها. اما المدافعين عن اقتصاد الدولة فلديهم مصالح مالية وسياسية، حيث انهم حولوا منشات الدولة الى مصادر للاثراء وللكسب السياسي.
في ظل هذا الصراع بين القطبين، تتأرجح حقوق ومطاليب الجماهير. وتتحول المعركة الى شد وجذب بين تلك الاحزاب في البرلمان وفي الحكومة. فمن جهة الفساد ينهب خزينة الدولة، ومن جهة اخرى الصراع نحو التحول لاقتصاد السوق، الذي يمر بمخاضات. ورغم الاختلاف بين هذين القطبين، الا ان محصلة الجماهير منه، شيء واحد، انعدام الخدمات، قلة فرص العمل، الابتزاز السياسي بعرض الوظائف كثمن للولاءات السياسية.
لذلك هذه الحكومة وبرلمانها وسلطتها التشريعية غير قادرة على ان تقدم حلا للجماهير. والحال ان ما تمكننا منه لحد الان هو التظاهرات في ايام الجمع. الا انه كما هو واضح ان سياسة الحكومة لم تتعدى التسويف والكذب، وهو امر متوقع. الا ان ما يجب ان ان لانتوقعه هو اننا بتوجهنا صوب الحكومة او البرلمان، وتوجيه اسئلة لهم سيقدموا لنا حلا وان نسالهم، على سبيل المثال، ان يقوموا بحملة من اين لك هذا؟ يجب ان نبدأ من مكان اخر. ليس من مكان الحكومة ولا البرلمان، ولا السلطة التشريعية، ولا المرجعية، ولا سلطاتهم العسكرية، سواء كانت عمليات بغداد او الميلشيات. فكل هذه الجهات هي اطراف لطبقة واحدة، التي تهيمن عليها احزاب الاسلام السياسي الشيعي.
واذا كانت التظاهرات لم تتمكن لحد الان من الحصول على اية مطاليب ايجابية، بل بالعكس، العبادي شرع بسلم الرواتب وسلم المخصصات، الامر الذي شكل هجمة جديدة على معيشة أربعة ملايين موظف حكومي، فان التوجه يجب ان لا يكون صوب الخضراء، بل صوب مكان اخر، صوب المواقع الاقتصادية التي هي اساس ثراء هذه الاحزاب، يجب التوجه الى المكان حيث تولد ثروة هذه الاحزاب، والتظاهر هناك، ووضع اليد عليها الى ان تتم الاستجابة الى مطاليبها. اي امساكهم من اليد التي توجعهم: النفط. ان العاملين في قطاعات النفط يتظاهرون ومنذ سنين من اجل الحصول على حقوقهم، ارى، ضرورة ان يمد المتظاهرون في ساحة التحرير وفي ساحات العراق جسرا من العمل والنضال المشترك مع عمال النفط، وتوثيق وربط نضالهم مع نضالات عمال النفط، سيكون له اثرا اخرا غير ذلك التوجه الى الخضراء، والذي مع سلميته، قطعت عمليات بغداد الطريق عليه. ان انطلاقة التظاهرات والتوجه الى حقول النفط بدلا من الخضراء، سيجعل البرلمان والحكومة والسلطة التشريعية والمرجعية يستمعوا وبشكل واضح الى المطاليب. حين تصبح خسارتهم اكبر من ربحهم، سيصغون.

http://randakassis.eu/ar/

 

 

مقالات