نادية محمود

الى كل الغاضبين على الذين وضعوا العلم الفرنسي على بروفايلاتهم..

ايقولون لماذا رفعتم العلم الفرنسي على قتلى باريس، والعراق وسوريا وفلسطين ولبنان لم تضعوا صور اعلام تلك الدول على بروفايلاتكم رغم كل ما تتعرض له هذه البلدان من سنين. هل دماءهم اغلى من دمائنا؟ ان كنا لا زلنا نمر بالقرون الوسطى التي عاشتها اوربا وكان فيها يجري قطع الرؤوس وحرق النساء بتهمة انهن ساحرات، لماذا على شعوب هذا البلدان ان تمر به؟ هذه المجتمعات عبرت هذه المراحل باشواط قبلنا، تجاوزت مرحلة البربرية والهمجية، تجاوزت قتل النساء، تجاوزت عقوبات الاعدام، وفي العديد من البلدان الاوربية وضعت صورة اخر شخص حكم بالاعدام في متاحفها، فما بالك بالقتل الجماعي. لقد عبرت هذه المراحل التي لازلنا نحن في الشرق الاوسط وافريقيا نعيشها عذاباتها كل يوم وكل ساعة، لماذا يتوجب عليها ان تنال شرار قروننا الوسطى؟ لقد حاربت هذا البلدان ودفعت دما غاليا من اجل حقوقها وعيشها بأمان، ولا اقول انها تعيش بأمان الان، فالامان الاقتصادي مفقود بحكم هيمنة النظام الرأسمالي. لكنهم ناضلوا من اجل حقوقهم، ناضلوا من اجل ان لا يعدم انسان، ناضلوا من اجل ان ينالوا حق التصويت. هذه الايام عرض فيلم السفرجيت، الذي يوضح كيف وضعت امرأة نفسها امام احد الخيول في سباق الخيل امام وسائل الاعلام وبحضور الملك البريطاني فقط لتوصل رسالة بان يجب للنساء ان يكون حق التصويت. ورسالتها وحركتها تلك ادت الى موتها على الفور.

لماذا يجب ان يتعرضوا لما نتعرض له؟ وقد طلب الملايين، بما فيهم الاسلاميون انفسهم، حق اللجوء في هذه البلدان لانها تضمن لهم الامان، والمعيشة كحق من حقوق الانسان، وكواجب من واجب الدولة على من يعيش على ارضها.

لقد خرج الالاف منهم في تظاهرات من اجل يعطى اللاجئين حق الدخول الى الدول الاروبية. لقد تبرعوا بالطعام والملابس وفتحوا ابوابهم من اجل ايواء اللاجئين. لقد خرجت من هذه الشعوب الملايين متظاهرة من اجل منع الحرب على العراق.

فلماذا نلوم احدا اذا عبر عن تضامنه وتعاطفه مع الضحايا بعمل رمزي وهو وضع صورة علم الدولة على بروفايله؟ لماذا يؤدي رفع العلم الى التشكيك بنوايا الناس وكأنه انتقاص من احساسهم، وكأنهم لم يشعروا ويتضامنوا مع ما يجري في العراق ولكنهم شعروا وتضامنوا مع ما يجري في فرنسا؟ لماذا هذا يعني ذاك؟ ان النقد لاولئك الذي رفعوا اعلام فرنسا على بروفايلاتهم، ولم لم يرفعوا علم العراق او سوريا انما يضع البشر في خانتين: "هم" و "نحن". ليس هنالك " هم" و " نحن". اننا كل واحد، بشرية واحدة، عدا عن التقسيم الطبقي، ليس هنالك تقسم اخر بيننا. كلنا نعيش الارهاب الاسلامي في كل مكان في العالم. وهذا التمييز هو تمييز قومي، على اساس البلد، ويفتقد للانسانية.

الذين رفعوا الاعلام الفرنسية، كانوا قد عبروا بالاف الاشكال عن تضامنهم مع ما يجري في العراق وفي سوريا وفي المنطقة كلها.العديدين منهم لديهم نضالاتهم في بلدانهم، ويحاربون الاسلام السياسي بكل ما لديهم من قدرة.

حين تم الهجوم على شواطيء تونس، وقتل العديد من الفرنسيين، رفع الفرنسيون وغيرهم من الاجانب اعلام تونس، وتظاهروا في شوارع تونس، تعبيرا عن تضامنهم مع البلد الذي يمضون اليه ليقضوه فيه اجازتهم. هل هنالك من انبرى لهم من بلدانهم و قال لهم كيف ترفعون علم الدولة التي قتل فيها اصدقاءكم او افراد من اسرتكم على الشاطي؟ لا اعتقد. لان ثقافة هذه البلدان هي ان لا تأخذ البريء بجريرة القاتل.

ان رفع العلم كان امرا رمزيا، يعبر عن الشعور بالتضامن وبالاحساس لما جرى لاولئك الناس في فرنسا. لا اكثر.

ان القضية الكبرى التي تواجهنا في اوربا هي ان هنالك جبن حقيقي عن التصدي للاسلام السياسي، وكل تصدي لهذه الحركة، يوصف وكأنه عداء للمسلمين. وهذا عار عن الصحة. كلما يهب احد لنقد الارهاب الاسلامي: يرفع الاسلام السياسي في اروبا صوته: انها الاسلامفوبيا. ليس هنالك اسلام "فوبيا", بل هنالك رعب حقيقي من الاسلام. لما يروه الناس، للاهوال التي رأوها في الشرق الاوسط وفي اسيا وفي افريقيا.

ان هذه الشعوب نكبت مثل شعوبنا بخطر الاسلام السياسي. حيث الحكومات الاوربية وضعت يدها بايدي الحركات الاسلامية منذ خمسينات القرن الماضي مع حركة الاخوان المسلمين في مصر. وهم باعترافهم الذين اسسوا حركة طالبان، وانهم رتبوا امور داعش في العراق وسوريا، وهم الذين يمولون الجبهة الاسلامية في سوريا و يمولونها بالاموال عبر الجيش السوري الحر بملايين الدولارات.

اما الناس، يخافون ان يفتحوا افواههم بكلمة ضد الاسلام او الاسلام السياسي، مع انهم يمسحون المسيح كل يوم بالارض. ويسخرون منه على شاشات التلفزيون في برامجهم الكوميدية. ولكنهم لا ينبرون بكلمة عن الاسلام، لانهم يعرفون اي ارهاب سياتي لهم من هذا الدين، ولانه جرى تثقيفهم بان اي نقد للاسلام او الاسلام السياسي، هو هجوم على المسلمين، وهو امر يخافوا ان يتهموا فيه بالعنصرية ضد المسلمين. فيتجنبوه.

يجب ان نفصل بين شعوب هذه البلدان وحكوماتها، لذلك حين وضع البعض صور اعلام فرنسا على بروفايلاتهم، لانه يعز على المرء ان يفكر، لماذا على هذه الشعوب التي عبرت مراحل الهمجية من قرون، ان تعيش مأساتها من جديد،وهي شعوب لا تحتفي بتعذيب النفس كما نرى كل يوم في الطقوس الدينية الاسلامية، بل تحتفي بالفرح.

كم عزيز مساء الجمعة على كل اوربي؟ بعد اسبوع من العمل المنهك. انهم ينتظروه طوال الاسبوع ليتحرروا من العمل. عمل الاسبوع في اوربا ليس هو عمل اسبوع في العراق. العمل مكثف، من الثامنة صباحا حين يمضي الانسان الى العمل وحتى المساء يعود الى بيته او بيتها، في انهاك تام. ينتظر يوم الجمعة ليتنفس،وليعود الى ادميته. التي استكثرها عليه البرابرة الاسلاميون.

يجب ان يدان كل عمل اجرامي وفي كل مكان ويجب ان نعمل بجد لنوقفه هذا الارهاب الاسلامي.

وبحزن اعبر عن مواساتي لكل الاسر والاصدقاء الذين فقدوا اهاليهم ومحبيهم في باريس.

 

مقالات