سمير عادل

ما بين المالكي امس والعبادي اليوم

اذا كان التاريخ يعيد نفسه مرتين كما قال ماركس، مرة بشكل تراجيدي ومرة اخرى بشكل ملهاة او سخرية، فأن التاريخ في "العراق الجديد" يعيد نفسه في اللحظة ذاتها ماساة وسخرية في آن واحد.
المتوهمون بالمالكي والمخدوعون به في بداية توليه لرئاسة الورزاء لم يكونوا اقل عدد من المتوهمين والمخدوعين اليوم بالعبادي. فعندما شن الاول حملته العسكرية على عصابات جيش المهدي في ربيع 2008 تحت عنوان "صولة الفرسان" متزامنا مع حملته على العصابات الطائفية السنية تحت شعار "بشائر الخير"، رفعت القبعات له وهللت الحناجر وصفقت الايادي من لدن نفس التيار الذي يعلق الامال على العبادي في اصلاحاته الجائرة ضد العمال والموظفين والمحرومين في "العراق الجديد". وعندما بدء المالكي عهده وجد نفسه "القائد الضرورة" كما وصفه العبادي قبل ايام ليثير غضب حزبه الدعوة ودولة القانون، شق الطريق اي المالكي كي يقضي على التشرذم السياسي داخل الهيئة الحاكمة واعادة الهيكلة السياسية مرافقا معها الهيكلة الاقتصادية. فبعد انتصاره في "صولة الفرسان"، سربت اخبار بأنه علماني وينوي ترك حزب الدعوة وتشكيل حزب جديد يتلائم مع برنامجه السياسي، ليضرب بعدها بيد من حديد انتفاضة 25 شباط عندما وجدت الجماهير ترفع شعارات ضد الطائفية والمحاصصة والفساد سر قوة المالكي وسطوته، ليتراجع عن برنامجه المذكور، ويتهم من يقف وراء الاحتجاجات البعثيين والقاعدة، ويبدء مرحلة اخرى وهي ملاحقة قادة التحالف العروبي - الطائفي السني والذي دشنه بطارق الهاشمي ولاحقا العيساوي، وبعد فترة قصيرة غير رايته، ليرفع شعارات جديدة وهي "القومية "و"الوطنية" ضد اخوته الاعداء من القوميين الاكراد، ووضع حدا لتطالعتهم في الاستحواذ على الامتيازات والنفوذ التي يرى المالكي وتحالفه الشيعي هم اولى بها، فحشد جيوشه التي سماها قوات دجلة على مشارف حمرين، وقطع الرواتب والمعاشات على عمال وموظفي كردستان، ولينتقل بعدها الى جبهة اخرى ليسحق تظاهرات المنطقة الغربية التي عبدت الطريق لظهور داعش، وليعلن من مدينة الناصرية ويصف حربه مع قادة التظاهرات تلك بأنه حرب بين يزيد والحسين، وليعود الى المربع الطائفي الاول كي يسهل الاطاحة به ويأتي خلفه العبادي.
وهكذا يمضي العبادي في خطاه وعلى خطى المالكي، فلم يحرك ساكنا منذ اكثر من عام من توليه رئاسة الوزراء، فكما خسر المالكي مدينة الموصل، فقد العبادي مدينة الرمادي، وما بناه المالكي بالقضاء على المليشيات، ظهرت العصابات الطائفية في عهد العبادي تحت عنوان محاربة داعش كما ظهر جيش المهدي في محاربة الاحتلال. ان العبادي يسعى كما سعى المالكي باعادة هيكلة السلطة السياسية واعادة البريق الى سلطة المرجعية - والتحالف الشيعي، لكن الفارق هو ان المالكي ساعدته القوات الامريكية بالقضاء على المليشيات ليستغل نصره ويتقدم في رفع سيفه على جميع معارضيه، بينما لم يحقق العبادي الى اليوم اي نصرا مبين كي يحشد الصفوف ويعبئ القوى حوله في حربه مع داعش، بالرغم من وجود الحرس الثوري الايراني الى جانبه ومستشاري القوات الامريكية الذين يراوغون ويرواحون في مكانهم.
ان العبادي مثل المالكي ليس بطل التحرير ولا يمكنه ان يحل محل القائد الضرورة ولا يفيد النفخ به وتصويره كأنه اله المنقذ، ليس لان شخصيته ضعيفة كما يصفه البعض ولا لان القوى الاخرى لا تروق لها "اصلاحات" العبادي لانها ضربت مصالحها كما يروج له المتوهمين به، بل لان العملية السياسية ولدت معاقة ومأزومة، والاسلام السياسي الشيعي الذي يدير السلطة اليوم في العراق في ازمة سياسية عميقة وخاصة بعد بزوغ فجر داعش "دولة الخلافة الاسلامية". ان قرار تحالف المرجعية والقوى السياسية الشيعية بالتخلص من المالكي لم يكن عبثا، بل نتيجة بشعور سلطتها السياسية في خطر محدق ولذلك جاءوا بالعبادي الذي زاد الطين بلة.
ان سحب التفويض من العبادي في البرلمان للحيلوة دون المضي في "اصلاحاته" او تسريب اخبار في سحب الثقه منه لم يأت نتيجة قرارات العبادي في الاقالات الصورية لنواب الرئيس ونواب رئيس الوزراء، بل لانه اي العبادي ساهم في تعميق الازمة السياسية في العراق وخاصة قرار حكومته في سرقة اموال العمال والموظفين تحت عنوان السلم الجديد من الرواتب، مما اشعل موجة احتجاجات كبيرة لم تشهدها مدن العراق منذ عقود من الزمن. وهذه الاحتجاجات، يخشى منها ان تتخذ مسارات خطيرة تهدد هذه المرة سلطة الاسلام السياسي الشيعي برمته وليس بمقدور لا المرجعية ولا القوات الامنية في تحريفها او قمعها. ومن الجانب السياسي يسعى العبادي بالاحتماء تحت المظلة الامريكية لتقوية سلطته اولا وتحقيق انجازات على الصعيد العسكري ضد داعش، وهذا ما يثير غضب واستياء التحالف الشيعي وركيزته دولة القانون. وهكذا يرتهن مصير العبادي بدعم الادارة الامريكية له بتحقيق انتصارات على داعش، كما بزغ شمس المالكي بأنتصاراته على عصابات جيش المهدي.
بيد ان الازمة السياسية في العراق اعمق مما يحلها شخص مثل العبادي او شخص يأتي من تحت عباءة الاسلام السياسي الشيعي. لانه ببساطة ان الاسلام السياسي هو جزء اصلي من المشكلة السياسية والاقتصادية في العراق ولا يمكن ان تكون مفاتيح الحل بيده. واخيرا ان ازاحة الاسلام السياسي هو الخطوة الاولى نحو الانفراج بكل اشكاله.

 

مقالات