نادية محمود

لمن تصغي الحكومة؟ للمتظاهرين ام لصندوق النقد الدولي؟

الفساد وسياسات صندوق النقد الدولي تشكلان طرفي الهجمة المزدوجة التي تتعرض لها الجماهير في العراق. فساد يعم كل الدولة منذ سقوط النظام ولحد الان، ومحاولات صندوق النقد الدولي لا تعرف اليأس والكلل لـ"تحرير" اقتصاد العراق.
ليس غريبا ولا خارج السياق ان تولي الحكومة وجهها صوب الاردن لتوقع اتفاقيات وقروض مع صندوق النقد الدولي والداعية اولا وقبل كل شيء، وقبل ان تمنح الحكومة العراقية دولارا واحدا على ان تتعهد الحكومة بدور اقل للدولة، وان لا تتدخل في امر البطالة، وتترك امرهم لاقتصاد السوق، وان تقلل التشغيل، وان تبيع مؤسسات الدولة، في الوقت الذي تتظاهر فيه الجماهير ومنذ اربعة اشهر، ووصلت تظاهراتها الى ابواب البرلمان، مطالبة بدور اكبر للدولة في التدخل في الوضع الاقتصادي وايجاد حلول للبطالة، لتوفير الخدمات،. لتامين فرص العمل، لانهاء الفساد ومحاكمة الفاسدين.
واذن بينما الناس في الشارع تتظاهر من اجل دور اكبر للدولة لتتحمل مسؤولياتها،. تتظافر جهود الاحزاب الاسلامية الرأسمالية العراقية مع الرأسمال العالمي من اجل ادامة ذات المسلسل الذي تعيشه الجماهير على ايدي هذه الحكومة ومنذ 10 اعوام. الجماهير تطالب بامر، والحكومة العراقية تمضي لتحقيق امر اخر.
انه الضحك على الذقون الذي تقوم به حكومة العبادي بتحقيق" الاصلاحات".
من المؤكد ان العبادي ليس فوق وخارج منظومة الرأسمال العالمي. فالتيار الحاكم الان في العراق، هو التيار الخاضع لمصالح الرأسمال العالمي، و لا يقع على اجندة الحكومة الحكومة هدف حماية مصالح الناس، بل حماية مصالح الراسمال العالمي. واية حكومة تمثل مصالح الرأسمال العالمي لن يكون بمقدورها تقديم اكثر مما قدمت حكومتي المالكي والعبادي.
ان شروط صندوق النقد الدولي واضحة ومنذ تأسيسه وهو تقليص دور وتدخل الدولة في الاقتصاد، وانهاء دور القطاع العام واحلاله بالقطاع الخاص ليقود الاقتصاد. اي ان هدفه الاول والاخير هو تامين النهب الرأسمالي ودون "رحمة" تدخل الدولة.
وهذه الحكومة، التي تمضي لاخذ المزيد من القروض، لم يعرف عنها شيء بقدر ماهي معروفة بالفساد، يقوم صندوق النقد الدولي بضخ المزيد من المليارات في هذه الماكنة الفاسدة. ان "الفساد" هو علامة مسجلة لها، جزء من هويتها، انه فصيلة دمها،وسمة متجذرة فيها. حيث ان هدف هذه الاحزاب ليست" الامانة" "والائتمان الى الامانة". ان هذه اوصاف اخلاقية. وهذه الحكومة والطبقة الحاكمة بمجملها، لديها شيء واحد تستميت من اجله، ليس "للامانة" مكانة فيه.
ان هذا يعطي دليل قاطع على ان الحكومة واحزابها وخبرائها ومستشاريها لا تملك حلا لاقتصاد العراق. لان الاقتصاد لم ولن يخطط له من قبل الزمرة الحاكمة المحلية وراعيتها الرأسمالية العالمية، ليجيب على مصالح ومطاليب الناس. بل ليجيب على مصالح شخوصها واحزابها وافرادها ومصالح الرأسمال العالمي.
والمشكلة لا تكمن في ان العراق بلد احادي الاقتصاد، وان الحل يكمن في تنويع مصادر الاقتصاد والدخل القومي. المشكلة الحقيقية تكمن في ان النظام الاقتصادي في العراق نظام رأسمالي ريعي، تديره وتدافع عنه ميلشيات دينية.
والقوى التي تقاوم هذه الطبقة الحاكمة الان هي الطبقة الوسطي في المجتمع من مثقفين ونشطاء منظمات المجتمع المدني، واكاديميين وشعراء، ولم تظهر بعد بشكل قوي وملموس الى الساحة، رغم وجودها ونضالاتها، قوة الطبقة العاملة بكامل قيافتها بعد.

ان الطبقة العاملة لديها مصلحة عامة ومباشرة في تغيير هذا الوضع. حيث ان توفير فرص العمل، وتأمين مصادر المعيشة والخدمات هي مطالب معني به كل عامل وموظف. لذا فان انخراط هؤلاء في النضال وفي تنظيم انفسهم امر لا غني عنه. بدونه لا يمكن تغيير اي شيء.
ان بعض الاصوات التي تنطلق ضد صندوق الدولي وشروطه الجائرة والمتدخلة، انما ينطلقون من دفاعهم عن رأسمالية الدولة، تلك الرأسمالية التي أمنت وتؤمن المصالح المادية والسلطة والثروات للطبقة السياسية الحاكمة، لكونها متربعة على عرش السلطة. انها تقول بضرورة لاعتماد على قدرة الدولة في تصريف شؤونها بنفسها بعيدا عن القروض وحفاظا على الاموال ان لا تسرق من قبل صندوق النقد الدولي. هذا التيار الذي يظهر اقوى متحدثيه من التيار الصدري وحزب الفضيلة.
الا ان راسمالية الدولة هزمت تاريخيا امام رأسمالية السوق. فلن تعود تلك الايام التي كان فيها التعليم مجاني والصحة مجانية والضمان الاجتماعي مجاني. ان دولة الرفاه في قلب الدول الاوربية التي لها باع طويل في هذا النمط الاقتصادي تتقهقر يوما بعد يوم امام اقتصاد السوق.
ان ما نحن بحاجة اليه هو دولة بلا رأسمالية. نظام اقتصادي اشتراكي ينطلق اولا واخيرا من استخدام موارده و طاقة البشر فيه للاجابة على حاجات البشر.
كم من التجارب المريرة على البشرية ان تخوض من اجل ان نقرر ان هذا النظام لا يعمل؟ ما الذي نريد تجريبه اكثر في العراق ليتاكد لنا ان هذا النظام غير صالح للبشر. انه ليس مصمم ليحقق الرفاه للانسان، بل مصمم لتغريب الانسان، لتحميقه، لتضييعه، وتدميره. ليست رأسمالية الدولة ولا راسمالية السوق. بل النظام الراسمالي بمجمله يعرض حياة البشر للخطر.
مانحتاجه ليس التظاهر امام البرلمان، بل الهجوم عليه. ان الحكومة العراقية لجأت الى صندوق النقد الدولي بحثا عن حل، رغم احتجاجات الجماهير منذ اربعة شهور مطالبة بدور اكبر للدولة في حل الازمة الاقتصادية.
ان الحكومة تعد بشيء، وتمضي الى العمل لتحقيق نقيضه.
ان هذا يوصلنا الى نتيجة واحدة وهي حين يغيب الدور الفاعل والمؤثر للملايين، يسود صندوق النقد الدولي وسياساته.

 

مقالات