سمير عادل

الانحطاط الطائفي

نستميح عذرا من الكاتب المسرحي الانكليزي والايرلندي الاصلي جورج برنادشو، اذا غيرنا مقولته الشهيرة "اذا سقط الرجل اصبح شرطيا"، لنحل محلها "اذا سقط الانسان وتحديدا في العراق اصبح طائفيا". وعلى الرغم من ان جميع شخصيات وممثلي الاحزاب في التحالفين الشيعي والسني اظهروا بأنهم غير طائفيين وبعيدين عن الطائفية ويوجهون سياط نقدهم ضد الطائفية، الا ان الجميع يسعون لترسيخ الطائفية ليس على الصعيد السياسي فحسب بل في ترسيخها ونقلها الى الوعي الاجتماعي في المجتمع.
ان العديد من الكتاب والنقاد والمحللين السياسيين وحتى الاجتماعيين منهم يرجعون سبب تفشي ظاهرة التخلف والعودة قهقريا للمجتمع العراقي الى الوراء مثل انتشار وتوسع العديد من الظواهر: التطبير والسحر والشعوذة وظهور السيد المبرقع والجنود الموالين للامام الرضا الذين قتلهم هارون الرشيد، والمشي ايام وليال حتى الوصول الى كربلاء..الخ في الوقت الذي تغرق مياه الأمطار بيوت وازقة وشوارع نفس اولئك الذين يمارسون تلك الظواهر، او في الحقيقة ضحايا تلك الظواهر، حيث تسود البطالة في صفوفهم والعوز الذي يقتنص منهم، نقول يعزون السبب بأنها ردة ذاتية تعود الى عملية ارادية مرتبطة بالبشر عازلين المسألة برمتها عن النظام السياسي الذي ينتج ويعيد انتاج الظواهر المشار اليها. وهكذا بدل من توجيه سياط نقدهم وحربهم ضد النظام السياسي لقلعه من جذوره، يذهبون بالتغني الى الماضي التليد الذي كان عليه المجتمع العراقي من مدنية وحضارة، والتي تؤكد الحالة الاخيرة ان المجتمع البشري في حالة تقدم الى الامام شرط تأمين ضمان تقدمه والذي هو مرتبط بالسلطة السياسية.
انها السياسة، وبالسياسة، وبالسلطة السياسية تستطيع تحميق البشر او رفع وعيهم الاجتماعي والسياسي والمعرفي. وكل هذه المقدمة التي سطرتها كي ادخل الى عملية الصيرورة الطائفية في العملية السياسية. فحماة "العروبة" وحماة "الوطنية" وحماة "العراق الواحد" يتكتلون ويتحولون الى مسخ طائفي جديد. فبعد ان وجد امثال اسامة النجيفي وجمال الكربولي وسليم الجبوري وسليمان الجميلي ومن لف لفهم، بان "العراق الجديد" لا مكان لهم في السلطة ولا حصة في الامتيازات ولا قسمة في النفوذ الا بالطائفية، فلما لا فآن الاون لم يفت لتأسيس تحالف سني مقابل التحالف الشيعي. فالمذكورين يعتزمون لتشكيل تكتل تحت عنوان "التكتل السني" يمثلون المحافظات الستة التي يصنفونها بمرتعهم الطائفي وهي ديالى وصلاح الدين والموصل والانبار وكركوك اضافة الى بغداد. وان كل الفضل يعود الى دولة الخلافة الاسلامية، فلو لاها لما استطاع النجيفي الجبوري التخطيط في تدويل الاقليم السني والحصول على مباركة واشنطن صاحب قرار مشروع تقسيم العراق غير الالزامي عام 2005، والمعروف بمشروع بايدن النائب الحالي للرئيس اوباما. انه داعش وحسنات داعش التي توحد "السنة" المعتدلين الموالين للولايات المتحدة الامريكية من اجل تقاسم النفوذ مع الموالين للجمهورية الاسلامية الايرانية في العراق. والحق يقال فلو لا دعم واشنطن لما تجرء النجيفي - الجبوري من التفكير في توحيد صفوف ما يسمى بالسنة لمجابهة النفوذ الايراني المتمثل بالتحالف الشيعي.
وهكذا يشيد على انقاذ دولة داعش لو سحقت، الاقليم السني وليحل محل البغدادي والانباري والشيشاني، النجيفي والجبوري والجميلي والكربولي، وفي الطرف المقابل هناك العبادي والمالكي والعامري، وكلهم يجلسون على خراب العراق. ولا يمكن لكل اولئك الذين سقطوا ليصبحوا طائفيين، الاستمرار في السلطة والنفوذ وقضم الامتيازات دون السعي المحموم في تحويل كل القاذورات والمياه الاسنة والجيفة الطائفية الى الوعي الاجتماعي في المجتمع. وعليه ان العراق الواحد، عراق يعيش فيه الانسان خارج الهويات الطائفية هو في تحطيم صنم الاسلام السياسي الذي يصطاد الانسان ويسممه طائفيا بكل امكاناته المهولة ليسقطه اخيرا في مستنقعه. وهكذا يصح عندما نقول اذا سقط الانسان في العراق فيصبح طائفيا.

 

مقالات