نادية محمود

-قواريرهم- ونساءنا؟

قامت طالبات معهد الفنون الجميلة في بغداد في يوم 27 تشرين الثاني الجاري بتظاهرة احتجاجية ضد قرار منع تدريس الاساتذة من الرجال للطالبات الاناث. من المعلوم ان الكلية هي للبنات فقط، بعد ان جرى الفصل بين الجنسين فيها ابتداءا. الا ان الحكومة لم تحتمل ان يدرس رجلا طالبات تحت شعار الفصل بين الجنسين، فبدأت حملة لمنع تدريس الاساتذة من الذكور للطالبات.
هذه السياسة شرعت في الوقت الذي تتظاهر فيه الناس منذ ما يقارب خمسة اشهر مطالبة بانهاء الفساد، والحصول على كهرباء وخدمات، فرص العمل وغيرها، الا ان الحكومة تشيح بوجهها عن هذه المطاليب لتصدر سياسات وقوانين وتتخذ اجراءات لم يطالب بها احد اساسا. وتلتفت وبشكل جدي الى مسالة الفصل بين الجنسين في الجامعات التي لم تخطر ببال احد سواهم هم الناطقين الرسميين باسم الاسلام السياسي. انها سياسة التخبيل واشغال اذهان الناس بمسائل لم تخطر على بالهم، ليجعلوا منها هموما للمجتمع.
الفصل بين الجنسين شعار اسلامي صرف. لقد دشنت هذه السياسة في ايران حين اسس الاسلام السياسي الشيعي جمهوريته "الاسلامية" وفصلت الذكور عن الاناث في الجامعات والمدارس منذ عام 1979. انها نفس سياسة السعودية التي تعمل محاضرات مسجلة للاساتذة من الذكور على الفيديو لتلقى على الطالبات، منعا للاختلاط بين الجنسين. لم يشأ الاسلام السياسي الشيعي في العراق ان يتخلف عن السعودية وايران، فشرع بقوانين الفصل بين الجنسين في التعليم.
انها تتمة لفرض الحجاب على النساء، وقتل النساء، واشاعة الدعارة باسم "زواج المنعة"، اصدار قوانين الشريعة الاسلامية، وتشييع الاخلاق الاسلامية، الى حد وصلت حتى مصافحة اليدين بين الرجال والنساء الى حد الاختفاء في العراق.
هذه السياسة هي جزء من ايديولوجية دولة الاسلام السياسي الشيعي لما بعد حرب 2003. انه تطبيق لقوانين الشريعة الاسلامية. الايديولوجية التي بدئها صدام حسين في حملته الايمانية، والتي ادامها وكرسها بعمق الاسلام السياسي الشيعي. هذه السياسة هي حلقة من استراتيجية سياسية لاسلمة الدولة المجتمع. انه مسعى لحذف نمط الحياة المدنية، واحلاله بنمط ديني اسلامي.
انهم يدعون انهم يعبرون عن "تقاليد المجتمع". ان هذا كذب. ليس فصل النساء عن الرجال في الجامعات جزء من تقاليد المجتمع. منذ الثلاثينات في العراق والتعليم مختلط في الجامعات، وفي عدد ليس بقليل من المدارس الابتدائية. ولم يعترض المجتمع، ولم ينبرى احد يوما من المجتمع ليطالب بالفصل بين الجنسين.
ان التمييز بين البشر على اساس الجنس تشكل ركنا اساسيا ومحوريا من ايديولوجية الاسلام السياسي، انها هويته السياسية، الثقافة والتقاليد التي يريد ترسيخها في المجتمع. والتمييز في التعليم بين الذكور والاناث هي فكرة اسلامية بامتياز. ان الهدف من هذه السياسة واضحة، لتشييع وهم بان العراق "دولة اسلامية"، والمجتمع "اسلامي"، وانه يحق لهم، بناء على هذا، حكم المجتمع، كاحزاب اسلامية. ليتذرعوا لاحقا بان شيوع الحجاب والفصل الجنسي هو امر يريده المجتمع.
انها سياسة لصرف الانظار عن المستنقع الاسن الذي تغط به هذا الحكومة من فساد ونهب وارهاب. لصرف الجهود والتركيز عن الصراع الدائر اليوم، صراع الجماهير الساعية للخلاص من سياسة الحكومة اللصوصية، لتحولها الى صراع حول "تدريس المدرسين الذكور للطالبات الاناث". لصرف الاذهان عن الصراع الطبقي، الصراع الحقيقي بين الملايين التي تعاني الحرمان الاقتصادي والعنف والارهاب وعدم الامان، ليحل محله صراع حول "الاخلاق" والدين.

بينما العالم يتجه نحو الوقوف ضد كل اشكال التمييز والعنصرية على اساس اللون، والجنس، والدين، والانتماء السياسي، والحالة الجنسانية، يقوم الاسلام السياسي في هذا القرن بتأسيس وترسيخ التمييز على اساس الجنس. والدماء لازالت تهدر كل يوم وكل ساعة بسبب سياسيتهم التمييزية على اساس الدين والمذهب، والطئفة والقومية.
ان للحركات الاسلامية مصلحة قصوى في هذه القوانين، لفرض ايديولوجيتها الرجعية العنصرية والتمييزية على المجتمع، ولاجل ان تنفرد بفرض اخلاقها وتقاليدها وثقافتها، كاشكال مختلفة لجوهر سياستها تجاه المجتمع. ان الاخلاق والثقافة ترتبط بالف وشيجة بالسياسة. فتعاليمهم واخلاقهم تبيح للرجل ممارسة العنف وحتى اغتصاب "قواريرهم".
وماذا ستفعل الحكومة بعدها، تفصل النساء عن الرجال في العمل؟ في المستشفيات، في الاسواق، في الشوارع، في المطاعم. منع النساء من التحدث في الشوارع وخارج المنازل لان اصوات النساء "غاوية للرجال" و"فتنة للامة". ان تعاليم الاسلام السياسي تجاه المرأة لا نهاية لها. فباب الاجتهاد مفتوحا لهم لابتداع كل يوم شيء جديد.
الا انه، في الوقت الذي يرى المرء السياسة التمييزية على اساس الجنس الذي تقوم به احزاب الاسلام السياسي الشيعي، يرى على الجهة الاخرى، تظاهرة الطالبات وهن يحملن شعاراتهن ضد الاسلام السياسي. ان هذا يملأ الانسان بالامل، ويملأ القلب فرحا. ان هؤلاء هن نساءنا اللواتي يتصدين للاسلام السياسي. ان النفس لتمتلأ غبطة بان يرى الطالبات يتظاهرن في الشوارع، رافعات أصواتهن لينسجم مع الصوت العالمي الداعي للمساواة بين البشر والغاء التمييز على اساس الجنس. انهن جزء من هذا النضال المحلي، وتظاهراتهن هي جزء من نضال وسعي عالمي ضد الاسلام السياسي، الذي لم ير العالم باجمعه غير الويلات منه.
عاشت طالبات كلية الفنون الجميلة في بغداد. وعاش نضال نساءنا ورجالنا ضد سياسات التمييز على اساس الجنس الاسلامية.

 

مقالات