سمير عادل

السيادة المفقودة والسيادة المفضوحة

لقد قلنا من قبل، كل شيء جديد في "العراق الجديد". والمفاهيم السياسية واحدة من تلك الاشياء فأصبحت نسبية ويصاغ تعريفها حسب المصالح الحزبية والسياسية. فعندما وافقت المعارضة العراقية التي تدير الحكم الان في العراق باسلاميها وقوميها على شرعية الحرب واحتلال العراق بحجة التخلص من النظام الدكتاتوري، لزمت الصمت تجاه احتلال دولة عضو في الامم المتحدة ودون تفويض من مجلس الامن، واطبقت فاهها كأن الخرس اصابها، فلم تكن تلك الجريمة خرق لسيادة العراق. وعندما تأذن الحكومة العراقية باستقدام الحرس الثوري الايراني ويتجول قائد فيلق القدس قاسم سليماني في شوارع مدن العراق وكـأنه واحد من قادة عمليات بغداد او نينوى او الانبار.. فلم يكن خرق لسيادة العراق. وعندما تتوسل نفس الحكومة بالادارة الامريكية والتباكي امام ابواب سفارتها مطالبة بالنجدة لارسال قوات المارينز من جديد لايقاف زحف صراصير داعش الى بغداد فلم يكن خرق لسيادة العراق. وعندما تفتح اجواء العراق وتسمح لمن هب ودب من دول العالم في اختبار طائراتها العسكرية والحمولة والتدريب والاستكشاف والسياحية بحجة محاربة داعش والارهاب، فلم يكن خرق لسيادة العراق. وعندما يعلن رئيس لجنة الامن والدفاع البرلمانية حاكم الزاملي بأن عدد القوات الامريكية في العراق يصل الى 16 الف جندي امريكي وليس كما يقول الاعلام لنا بأنه 3600 جندي، ودخل الجميع بأذن الحكومة العراقية وبموافقة رئيس الوزارء وحسب الاتفاقية الاستراتيجة الموقعة بين المالكي وبوش عام 2008 فليس فيه اي خرق للسيادة. وعندما تسمح وايضا الحكومة العراقية لصندوق النقد الدولي بمراقبة أدائها الاقتصادي وتفرض عليها سياسة التقشف، والتي وصلت بعد تخفيض رواتب الموظفين والعمال الى 40% والذين يصل عددهم الى 4 ملايين شخص، نقول وصلت الى تقليل رواتب المتقاعدين فليس فيه اي خرق للسيادة العراق.
اليوم وبعد ان نفذت جميع قطع غيار اعلام الاسلاميين ودعاياتهم الفارغة ووصول رائحة جيفة فضائحهم في السرقة والنهب وكل اشكال الفساد السياسي والاداري والمالي الى ابعد كوكب من الارض، يحاولون شحذ اسلحتهم الصدئة بالتباكي على الوطن والسيادة المفقودة.
ان ادعاءات التحالف الشيعي في رفض قرار البنتاغون بأرسال قوات خاصة الى العراق الى حد تصريح ممثل عن منظمة بدر، بأنها اي بدر على استعداد لترك قتال داعش والالتفاف لقتال الجيش الامريكي لو دخلت تلك القوات الى العراق، ليست مرتبطة لا بسيادة العراق ولا بشرف الوطن. انما هو جزء من الصراع والحرب بالوكالة بين الاقطاب الدولية والاقليمية التي يمثل التحالف الشيعي وكيل الجمهورية الاسلامية الأيرانية وروسيا في العراق. كما ان تصريحات حكومة العبادي بأنها ليست بحاجة الى قوات اجنبية فهي قادرة على محاربة الارهاب وهزيمة داعش، هي اقرب الى فقاعة اعلامية من ان تكون كذبة يريد تسويقها على نفسها وعلى المجتمع العراقي. حكومة العبادي بين نارين، نار حلفاء الجمهورية الاسلامية التي تستند حكومتها وكرسيها عليها وبين نار داعش التي يلوح الامريكان به لتخويفها، حتى تمرر اجندتها السياسية في المنطقة. والعبادي وبعد سنة ونصف من تمدد داعش في العراق بات اكثر الناس على يقين، لا يمكن له ان يدير ظهره للادارة الامريكية في الوقت الذي فقد الامل بتحرير الموصل واسترداد الرمادي التي خسرها في عهده بالحرس الثوري الايراني وحشده الشعبي. ولذلك ان مسألة السيادة وخرقها مؤجلة وبيان مكتبه الاخير بالدعوة لانسحاب القوات التركية التي عبرت الحدود ووصلت بعشيقة، ليس اكثر من رفع العتب والحيلولة دون دخول معارضيه من اخوته في التحالف الشعي في سوق المزايدة السياسية.
اما التحالف الشيعي فليس المهم عنده ولا من اولوياته طرد داعش من العراق. وبالعكس تماما فأن داعش كان بمثابة بطاقة اليانصيب التي ربحها الكل، بدءا من الاقطاب الدولية ومرورا بالدول الاقليمية ووصولا الى القوى العراقية المحلية وتقاسموا ريعها فيما بينهم. فلو لا داعش لما استطاع التحالف الشيعي ان يسرح ويمرح بمليشياته ويقتل ويصفي كل من يعارضه دون حساب او رقيب، ويقوي مكانته في المعادلات السياسية الجديدة التي تتشكل. ولو لا داعش لما استطاع من ترسيخ وتقوية نفوذ الجمهورية الاسلامية الايرانية في العراق والسماح لاجهزتها المخابراتية والامنية والعسكرية ان تعمل بشكل شرعي وعلني في العراق. ولو لا داعش لما تمكن من التخلص من سجلات فساده ونهبه للمجتمع طوال هذه السنوات.
وهكذا ان السيادة وخاصة في العراق، ليس اكثر من ذر الرماد في عيون الذين ما زالوا متوهمين بالقومية والوطنية التي هي اكسير الطبقة البرجوازية الحاكمة. فالسيادة في العراق مفقودة والتحالف الشيعي وحكومة العبادي يدركون هذا ولكنهما يفضلان سيادة مفضوحة، يدوس عليها من كل حدب وصوب ولكن بعلمها وبموافقتها، فلا شيء يخسروه سوى بعض التصريحات بالتباكي والعويل على السيادة وحفنة من الدولارات لعدد من الاقلام المأجورة لرفع صوت ذلك العويل والتباكي.

 

مقالات