عادل احمد

تعمق السيناريو الاسود في سوريا

دخلت الاوضاع في سوريا في اخطر مراحلها، بعدما تدخل الجيش الروسي مباشرة وقلب موازين القوى وغير جميع المعادلات السياسية. التدخل الروسي فتح الباب أمام التدخل الغربي ايضا بشكل مباشر من قبل فرنسا وبريطانيا والمانيا الى الساحة السورية بحجة القضاء على تنظيم داعش الارهابي. ان تدخل الدول الغربية في الازمة السورية بشكل مباشر سيعمق السيناريو الاسود في سوريا وسيحرق الأخضر واليابس، ويجر الجماهير المنكوبة والمحرومة في سوريا الى ماساة اكبر. لقد قلت في بداية التدخل الروسي في سوريا وتحشيد الجيش والقوة الجوية الروسية، بأن هذا التدخل قد يعمق الازمة ويتيح الفرصة للغرب ليتدخل ايضا.. وهذا بدوره سيؤدي الى حرب وصراع طويل بين الاقطاب العالمية ولحسم صراعاتهم على الساحة السورية.
الرأي العام في سوريا وفي منطقة الشرق الاوسط منقسم حول البدائل السياسية للاقطاب المتنافسة في المنطقة. فهناك من يرى الحل وأنتهاء الحرب مع التدخل الروسي، وهناك من يرى الحل وأنتهاء الحرب مع التدخل الامريكي والغربي. وحتى الدول الاقليمية والاحزاب السياسية تتعامل او بالاصح تأقلم سياساتها مع طرفي الصراع في الازمة السورية. ان هذا الاستقطاب هو ثمرة المرحلة التي تمر بها الرأسمالية العالمية بتخبطات سياسية نتيجة عاصفة الازمة الاقتصادية والتي ظهرت بوادرها في اواسط من عام 2008. ليس لدى البرجوازية العالمية اي طريق واضح للخروج من ازمتها الاقتصادية. ان كل المحاولات البرجوازية العالمية خلال السبع سنوات المنصرمة في اجتماعاتها ومؤتمراتها من "ج 8" و"ج 20" والمؤتمرات الاقتصادية.. كلها لم تنفع البرجوازية بأن تخرج ببديل واضح للاجابة على ازمتها. وان عدم وضوح الرؤية هذا للرأسمالية العالمية وقادتها، ترافق مع ازمة سياسية كما نرى انعكاساتها في منطقة الشرق الاوسط بشكل واضح ومباشر وخاصة في العراق وسوريا وليبيا واليمن وتونس ومصر. وان الازمة السياسية بين تركيا وروسيا يمكن بحثه ضمن هذا الافق المظلم للبرجوازية العالمية. ان تركيا كانت الشريك القريب لروسيا حتى وقت قريب العلاقة بينهما ترتبط باواصر اقتصادية مهمة، ولكن الاطار العالمي للصراع قد أفسد التعاملات والمنفعة الفردية بين هذه الدول. وحتى روسيا نفسها كانت مكان للدعم الغربي وفتح اسواقه للاستثمارات الروسية واعتمد عليها في بعض الصراعات الاقليمية في مناطق عديدة من العالم. ولكن توسع الازمة يوم بعد يوم يجعل من اصدقاء الامس اعداء اليوم. ان منطق الرأسمالية هو الركض وراء الارباح والمنفعة. وان التحالفات السياسية لا تبني على اساس عاطفي او تأريخي، بل تبنى على اساس الربح والخسارة. وبما ان هذه المعادلة هي التي تحدد الاواصر والتحالفات، فانها تتغير بأستمرار حسب التغيرات في البنية الاقتصادية والسياسية والعسكرية لهذه الدول.
ان عدم وجود رؤية واضحة لدى البرجوازية العالمية للخروج من ازمتها الاقتصادية، ينعكس هذا على كل مسار العلاقات السياسية بين الدول الرأسمالية. وهذا بدوره يعمق الازمة في المجتمعات ايضا. اليس غريبا أن تتحرك مصر نحو روسيا وتكون قريبة من السعودية في ان واحد؟ اليس غريبا ان امريكا تدعم تركيا والعراق في ان واحد؟ اليس غريبا أن تقترب فرنسا اكثر من روسيا؟ اليس غريبا أن امريكا تدعم البارزاني وفي الظهر الطالباني؟.. وان هذه الازمة تدفع ثمنها الطبقة العاملة والجماهير المحرومة في كل مكان وليست الطبقة البرجوازية من يدفع الثمن. وان الغلاء والبطالة والحروب وداعش كلها تضيق الخناق على رقاب الطبقة العاملة والكادحة.
يجب ان يضع حدا لهذا السيناريو الاسود في سوريا، ويجب ان يتوقف القتال والحرب فورا. يجب ان تعزل الجماعات الداعشية وتقطع يد مموليها وداعميها فورا. يجب ان تجبر تركيا على عدم التدخل السياسي والعسكري في سوريا وعدم مساندة الداعشيين.. يجب ان تقطع مصادر التمويل المالي السعودي والقطري لداعش والداعشيين الاخرين.. يجب ان يتوقف تدمير البيوت والمدارس والمستشفيات والمدن والمحافظات عن طريق قصفها جوا وبرا بصواريخ باليستية.. يجب ان يتوقف تجويع الناس وأجبارهم على الرحيل من أماكن سكناهم وسلك طريق المخاطر بحثا عن الامان.. يجب ان تكف الدول والاقطاب العالمية عن حل صراعاتهم السياسية والعسكرية في سوريا.
ان الوضع الاجتماعي والسياسي والاقتصادي في سوريا يخص السوريين انفسهم، ان القضاء على الارهاب والديكتاتورية هي من واجبات الجماهير السورية وليس من حق احد التدخل وتحت اية ذريعة. لا الارهاب الاسلامي الداعشي بامكانه ان يبقى يوم واحدا بدون الدعم الغربي والتركي والخليجي، ولا الديكتاتورية الاسدية بأمكانها ان تبقى يوم واحدا بدون الدعم العسكري والسياسي لروسيا ودول المنطقة. ان كل التدخلات والذرائع تحت المسميات الكاذبة والمظللة يجب ان تتوقف. وان الجهة التي بأمكانها ان توقف كل هذه المأساة هي الجماهير العمالية والقوى التحررية في المنطقة والعالم والوقوف بوجه كل التدخلات الاقليمية والعالمية.
ان الرأسمالية سواء في الحالة الروتينية والاوضاع الاعتيادية لعملية تراكم راس المال او في حالة مرورها بازمة اقتصادية، لا تجلب غير الويلات والمأساة للمجتمعات. ان سلام البرجوازية وحروبها ليس فقط لا يخدم المجتمع بل تزرع بذور الوحشية والانانية والعنصرية في نفوس الجماهير. ان نظام كهذا هو حمل ثقيل على اكتاف البشرية ويجب انهائه.. وانه حقا عار على البشرية تحمله حتى الوقت الحاضر. ان بقاء الراسمالية يوم واحد يعني بقاء المأساة ليوم آخر، ولهذا يخبرنا الوضع في سوريا بانه انذار لتحويل العالم كله الى العالم الداعشي.

 

مقالات