نادية محمود

عمال شركات التمويل الذاتي بين تأمين مستوى المعيشة والمحاصصة السياسية- عمال الصناعات الجلدية نموذجا!

تسعى هذه المقالة الى توضيح كيف ان المحاصصة السياسية والصراع بين الاحزاب الاسلامية الشيعية على الثروات والقوة والسلطة، ادت وتؤدي الى تدهور اوضاع الطبقة العاملة في العراق. فالصراع بين حزب الدعوة والتيار الصدري بالتحديد حركة الاحرار، هو مثال حي على هذه السياسة واثارها الضارة على اوضاع الطبقة العاملة.
لذلك من الضروري بمكان اماطة اللثام عن هذا الصراع بين هذه الاحزاب، وجعله مكشوفا وسافرا. من اجل توضيح حقيقة بعض الشعارات التي ترفع من قبل التيار الصدري وعصائب اهل الحق، وتبيان اية مصالح اقتصادية طبقية تكمن ورائها.ان هذا لامر ضروري لمعرفة من هم وماهي الاهداف الحقيقية خلف حملة "صنع في العراق".
من المعلوم انه وضمن المحاصصة السياسية الطائفية لتوزيع وزارات الدولة، كانت وزارة الصناعة والمعادن من حصة كتلة الاحرار التابعة لمقتدى الصدر. هذه الوزارة كانت تدير 73 شركة، جرى اعادة هيكلتها مؤخرا لتصبح 37 شركة يشتغل فيها 250 ألف عامل.
فيما يتعلق بالصناعات الجلدية، كاحدى الشركات التابعة لوزارة الصناعة والمعادن، يشتغل فيها قرابة ال 5000 عامل. وهم موزعين على 8 معامل و3 ورش في مواقع بغداد (الكرادة) والزعفرانية، والكوفة في مدينة النجف. كل قسم من هذه المعامل مختص بنوع من الانتاج. من دباغة الجلود، صناعة الحقائب، والالبسة الجلدية، الملابس العسكرية، الاحذية العسكرية (البساطيل) الخوذ، الصدريات المضادة للرصاص، الاحذية الرياضية والمطاطية، القماصل النسائية والرجالية.
من المقرر ان تكون السوق المحلية ووزارات الدولة من القطاع العام هي منافذ التسويق لهذه الشركات. الا انه وبقدر تعلق الامر بالسوق المحلية ادت المنافسة مع البضاعة الاجنبية، الى تكدس السلع المنتجة من قبل هذه المعامل في المخازن واقبال المستهلكين على شراء البضائع المستوردة نظرا لانخفاض اسعارها.
اما ما يتعلق بشركات القطاع العام، ووزارات الدولة فهنالك عزوف عن شراء مشتريات تلك الشركات من وزارة الصناعة والمعادن، رغم استيراد اجهزة تلك المعامل من دول مثل المانيا بالمليارات من الدنانير، والسلع المنتجة في تلك المصانع تشتغل ضمن مقاييس دول حلف شمال الاطلسي. لذا تقوم وزارتي الداخلية والدفاع، تحت حكم حزب الدعوة حتى اوائل عام 2015 الى استيراد ما يحتاجوه من تلك المنتوجات من دول اسيا مثل الصين، ويديرون ظهرهم لمنتجات وزارة الصناعة والمعادن. الامر الذي سبب تكدس لمنتجات شركة الصناعات الجلدية والتي تقدر قيمتها ب18 مليار دينار في المخازن من الاحذية العسكرية "البساطيل" الخوذ العسكرية، صدريات ضد الرصاص والخ.
تتضح خطورة هذا الامر بسبب حقيقة ان هذه الشركات هي شركات تعتمد سياسة التمويل الذاتي. التمويل الذاتي يعني ان ادارات الشركات تسدد رواتب العمال والموظفين من مبيعات منتجاتها. فاذا ما فشلت هذه الشركات في البيع، فان الوزارة وشركاتها ستخسر اقتصاديا وسياسيا. ان الشركات التابعة للوزارات والموزعة حسب الاحزاب السياسية توفر لاحزابها فائدتين: الاولى فائدة اقتصادية، والثانية فائدة سياسية. الفائدة الاقتصادية تكمن في جني والحصول على رواتب العديد من الموظفين الوهميين، او الفضائيين كما اسماهم العبادي، لان لا أحد لا يعلم كم هو عدد الموظفين او العمال في المؤسسات التابعة لوزارات الدولة والتي تستلم رواتبها من الدولة. فالفساد يضرب جذوره في كل مؤسسة من مؤسسات الدولة. والفائدة الثانية: هي الحصول على الولاء السياسي والذي تجنيه تلك الاحزاب من تعيين اتباعها. هذا الولاء يعبر عن نفسه في فترة الانتخابات. فاولئك المحملون بـ"جميل التعيين" يردون هذا الجميل بالتصويت للحزب الذي قام بتعيينهم.
لذلك فان افشال الاحزاب لمؤسسات بعضهم البعض، وعدم شراء منتجات بعضهم البعض، وتفضيل السلع الاجنبية عليها، هو لاجل تحقيق اهداف سياسية، وايضا لوجود امكانية الحصول على منافع جراء توفر فرص الفساد والنهب المرافقة لعقد صفقات المشتريات.
لذلك يظهر التيار الصدر وحركة الاحرار وعصائب اهل الحق، كمدافعين عن الصناعة الوطنية. ويبدأون باطلاق حملة دعم الصناعة الوطنية باسم "صنع في العراق". هذه الحملة هي اساسا من اجل الترويج لبضاعتها ومنتوجاتها والتي تتنافس ليس مع البضاعة الاجنبية المستوردة، بل تتنافس مع الاحزاب السياسية المنافسة لها في المقام الاول. اي يظهر هذا الطيف كمدافع عن اقتصاد الدولة، والقطاع العام، امام الداعين الى اقتصاد السوق الحر والذين لديهم مصالح مادية حقيقية في الحصول على الـ"كوميشنات" عبر الصفقات التجارية. فلا يلتفتوا الى حملة "صنع في العراق" ليتوجهوا الى شراء ما يحتاجوه للداخلية والدفاع من الخارج. وهنا يظهر حزب الدعوة والمجلس الاعلى كممثلين لهذا التيار.
لذلك وبغض النظر عن "الرؤية" التي يضعها وزير الصناعة على وبسايت وزارته، والتي تقول بانهم منفتحين على اقتصاد السوق الحر، الا انهم في الحقيقة يعملون لتثبيت رأسمالية الدولة. بهذا السياق يظهر التيار الصدري كاحد الناطقين باسمه. بل الاكثر من هذا، ان استماتة التيار الصدري بالترويج لصناعاته الجلدية ذهبت الى حد الاستعانة بالدين ليسوق منتوجاته على ان الجلود التي يستخدموها هي لحيوانات مذبوحة على الطريقة الاسلامية، وهي جلود شرعية، اما تلك المستوردة، فهي غير شرعية، لذلك فان استخدامها حرام.
ان هذا الصراع يدور بين طرفين في حكومة واحدة، كل يستخدم الاقتصاد خدمة لمصالحه السياسية، وبالعكس ايضا يستخدمون السياسة لتحقيق مصالحهم الاقتصادية. من هنا يتضح الى حد يصعب فصل السياسة عن الاقتصاد كما ينادي به ويطالب به بعض "الخبراء الاقتصاديين" العراقيين.
في خضم هذا الصراع، لا ينبري اي من الطرفين للدفاع عن العمال ومصالحهم. ان رفع شعار "صنع في العراق" ليس من اجل مصالح العمال، بل من اجل "تمكين" التيار الصدري وعصائب اهل الحق، وحركة الاحرار اقتصاديا وسياسيا. اما العمال فلم يصبهم من سياسة التمويل الذاتي في ظل الصراعات بين الاحزاب الشيعية - الشيعية، الا مزيدا من انعدام الامن الاقتصادي، عدم حصولهم على رواتبهم لعدة شهور، ومخصصاتهم وبدلات الخطورة عنهم، بسبب سياسة التمويل الذاتي. والاكثر من هذا، تذهب الشركات الى الاقتراض من وزارة المالية لسد اجور الموظفين، ووزارة المالية لا تترد في وضع شروط وفوائد على تلك القروض لشركات غير قادرة على تمويل نفسها بنفسها.
ان مطالب العمال بدفع اجورهم وباعادتهم الى التمويل المركزي، حيث ان التمويل الذاتي هو عبارة عن لعب بحياة وبمعيشة الجماهير بين احزاب سياسية لا تنظر لابعد من مصالحها الذاتية، هو مطلب شرعي وحقاني من اجل تامين رواتب الموظفين، وهم يحملون الدولة، وهم على حق، مسؤوليتها تجاه حياة ومعيشة العمال.
عمال الصناعات الجلدية، جنبا الى جنب العديد من شركات التمويل الذاتي، يتظاهرون في بغداد وفي مدن اخرى، لقد خرجوا متظاهرين، قطعوا الطرق، سدوا الشوارع، وواصلوا اعتراضاتهم. ولا يمتلكوا غير قوة اعتراضهم وقوتهم كاجزاء من طبقة عمالية واحدة، وليس لديهم غير قوتهم بانفسهم ولانفسهم. اما شعارات "صنع في العراق" ما هي الا لتحقيق غلبة لحزب على حزب اخر.
ان الدولة مسؤولة عن حياة العمال وعن تأمين لقمة عيشهم سواء كانت المنتوجات صنعت ومصنوعة في العراق ام لم تكن. بغض النظر فيما اذا كان هنالك انتاج او لا يوجد، هنالك منافسة بين الاحزاب او لا توجد، هنالك منافسة مع بضاعة اجنبية او لاتوجد. يجب ان تتحمل الدولة مسؤوليتها بتأمين فرص عمل للطالبين عمل، او تأمين معيشتهم بتوفير ضمان البطالة اسوة بالعالم الرأسمالي الحر، ان كانت الحكومة قد قررت الانضمام الى ركب السوق الرأسمالي الحر. اما اذا قررت ان تبقى معتنقة لرأسمالية الدولة، فعليها ايضا توفير فرص عمل للجميع.
ومهما تذرعت الدول بعدم مسؤوليتها عن معيشة المواطنين، او عدم تدخلها في الاقتصاد، فان تلك ماهي الا اكذوبة فضحتها مرات ومرات سياسات الدول ذات الاقتصاد الحر. لم ننسى كيف تدخلت الدول ذات اقتصاد السوق الحر لانقاذ الشركات التي اعلنت افلاسها في عام 2008 لتحول لها دخول الضرائب المدفوعة من قبل مختلف القوى العاملة والتي تقدر بمليارات الدولارات لتنقذ الشركات.
لا يمكن ترك مصير ومعيشة الناس الى مايسمى بشركات التمويل الذاتي في حكومة منقسمة على نفسها عدة اقسام، ويعمل كل قسم لهزيمة القسم الاخر.
لا يجب ان يدفع العمال ضريبة صراعات الاحزاب الحاكمة، المؤتلفة في سلطة واحدة، وتتصارع فيما بينها كل لاجل مصالحها. ان هذا منوط بقدرة العمال على الدفاع عن انفسهم بانفسهم، التي اوضحت السنوات الاخيرة قوتهم وارادتهم. ان المدافع الحقيقي عن مصالح العمال هم العمال انفسهم. ومهمة الشيوعيين هي العمل جنبا الى جنب ومع العمال من اجل ان ينعتقوا من ربقة هذا الاستغلال من قبل الاحزاب الحاكمة في السلطة في العراق.

 

مقالات