شاكر الناصري

الاعترافات المتأخرة للحكومات الأوربية!

التحذيرات التي أطلقها الكثير من متابعي الشأن العام في أوريا، من مخاطر السكوت عن تمدد الأصوليّة الإسلاميّة المتطرفة التي لاتنتج سوى الإرهاب وأفواج من الجهادين والإرهابيين الإنتحاريين، وبما يضع هذه القارة والعالم أجمع أمام مخاطر يصعب حلّها أو تجاوزها. وكذلك التحذيرات من ممارسات السلطات الأوربية وأجهزتها الأمنية والإستخباراتية التي تتعامل مع مواضيع الإرهاب وتهديداته، لم تكن محض خيال وأوهام، فالقضية لاتتعلق بالتعددية والتنوع الثقافيين ولا بعلمانيّة الدولة "الدنمارك، السويد، النروج، فلندة ودول أوربية عديدة، تضع الصليب على أعلام دولها"، وأنّ بعضها يحتفظ بالنظام الملكي ويدافع عنه كهوية ثقافية ووطنيّة مميزة!

من الواضح أنّ تداعيات الأوضاع في سوريا، الهجرة المليونيّة تجاه أوربا، خصوصاً من الدول التي تسبب التدخل الأوربيّ والأمريكيّ في تدميرها وتشرذمها وتشتيت سكانها ونهب ثرواتها، التهديدات التي تطلقها داعش وغيرها من الجماعات الإرهابيّة ضدّ الدول الأوربيّة، وكذلك التدخل الروسي الذي كشف الكثير من الأوراق والممارسات السرية و المخفية لهذه الدول ووضعها أمام مفارقات كثيرة، باتت تفرض وطأتها على الحكومات الأوربية وتدفعها لفتح ملفات حاولت "طمطمتها"، وإبعادها عن القضايا التي يتم تداولها بشكل عام رغم كلّ مخاطرها!.

التمويل الذي تحظى به الجماعات الإسلاميّة الأصوليّة والمتطرفة التي تنتشر في أوربا، مساجد وحسينيات، مراكز ثقافيّة، مدارس تعليم اللغة والدين والعقيدة، مراكز تدريب وتجنيد وغسل أدمغة، الدفاع عن الحجاب والنقاب وعن امتناع المرأة عن العمل وضرورة وجودها الدائم في البيت، من القضايا التي يتم التطرق إليها والتحذير من مخاطرها واثارتها بشكل متواصل، لكن الحكومات الأوربية كانت تتهرب من مواجهة هذه القضايا بشكل لافت ومثير.

عندما بدأ الحديث عن بناء مسجد كبير في كوبنهاكن كانت هناك أصوات كثيرة تطالب بإلغاء المشروع من أساسه، وثمة أصوات طالبت الحكومة بالتدخل في بناء المسجد، إنّ كان وجوده، من أساسه، ضرورياً وهاماً، والتدخل في دوره والنتائج المترتبة على وجوده، حتّى تقطع الطريق أمام تدخلات دول عديدة تتصارع فيما بينها، مذهبيا وطائفيا، وتستعد لتقديم الدعم المالي والفقهي وماشابه، مادام ذلك يحقق ستراتيجياتها في نشر التطرف والأصولية المتشددة.

تحول مسجد كوبنهاكن إلى ساحة صراع بين قطر والسعودية وإيران، وقد فازت به قطر، إفتتح مسجد حمد الكبير في كوبنهاكن وتهربت "هيلة تورنينج شمت، زعيمة الحزب الاشتراكي الديمقراطي ورئيسة الوزراء في حينه من حضور الإفتتاح!. وفي مقابل ذلك كان لابد من بناء مسجد يقابل مسجد حمد" طائفيا"، فتم بناء مسجد الإمام علي، بوجود متواصل لرجل دين إيراني!

التصريحات التي أطلقها زيغمارغابريل، زعيم الحزب الاشتراكي الديمقراطي في المانيا ووزير الأقتصاد في حكومة أنغيلا ميركل في حوار مع الصحيفة الألمانية، بيلد أم سونتاغ وحيث قال: يتم تمويل مساجد وهابية في جميع أنحاء العالم من المملكة العربية السعودية. وهناك الكثير من الإسلاميين الذين يشكلون خطراً ويأتون إلى ألمانيا من هذه المجتمعات. " وقال أيضاً: " أن المذهب الوهابي وفر "الإيديولوجية الكاملة لتنظيم الدولة الإسلامية ويساهم في نشر الأفكار المتطرفة بين مسلمين معتدلين في بلدان أخرى."، داعيا السعودية للتوقف عن تمويل المساجد التي تتبنى الإيديولوجية الأصولية في الخارج المتهمة بتغذية التطرف!، ربّما تكشف عن أوجه الصمت الذي مارسته الدول الأوربيّة عن الدعم السعودي والخليجي والإيراني للمساجد والجوامع والحسينيات والمراكز الثقافيّة الإسلاميّة التي تعد وبحق مراكز لتفريخ الإرهاب والكراهية والتطرف والأعمى. أكثر من ثلاثين ألف إرهابي أوربيّ شاركوا في الحرب القذرة في سوريا وإلتحقوا بالجماعات الإرهابية كالنصرة والدولة الإسلاميّة وغيرهما الكثير!. بلجيكا، على سبيل المثال لا الحصر، سلمت أمر جوامعها ومساجدها بيد السعودية. الإرهابيون الذين فجروا أنفسهم أو أطلقوا الرصاص في باريس قبل عدة ايام، وجعلوها تعيش في رعب متواصل حتّى سنوات قادمة، إنطلق بعضهم من ضواحي، بروكسل عاصمة بلجيكا، التي تتشابه مع العديد من الدول الأوربية في وجود مجمعات سكانية مغلقة، أو خارجة عن سلطة الدولة، لأنّها محكومة من قبل زعماء الأصولية والتطرف الإسلاميّ، ولن تتمكن الأجهزة الأمنية من الدخول إليها، إلاّ بوجود قوى أمنية كبيرة ومدججة بأسلحة ثقيلة!

يبدو أنّ الحكومات الأوربية باتت تستشعر حجم المخاطر التي تنتظرها، مخاطر الإرهاب الذي تربي وتمدد وإنتعش بمدنها وعواصمها، وبما يجعلها عرضة لصراعات خطيرة، طائفيا ودينياً وإثنياً. أحداث مسيرة العاشر من محرم هذا العام في كوبنهاكن قدمت الدليل الملموس لإمكانية التطور الخطير للصراع الطائفي، الشيعي والسنّي، في الدنمارك!. المكتسبات الكبيرة التي يحققها اليمين المتطرف في أوربا، سياساً واجتماعياً، حتّى أن ّ البعض من قوى وأحزاب اليمين الأوربي باتت تتحكم بمصير بلدان عديدة، يكشف الوجه الآخر من الصراع في الدول والمجتمعات الأوربية، الصراع الذي يستمد قوته وديمومته من الذعر والخوف من الأصوليين والإرهابيين الإسلاميين الذين إنطلقوا من هنا، وعاد البعض منهم بصفة إمام مسجد أو خطيب، ومن مخاطر تهديد الهويات الثقافية والوطنية لهذه الدول!

هل تتعظ هذه الدول من أفعالها وممارساتها ودعمها لقوى الإرهاب من أجل مصالحها؟؟ وقائع عالم اليوم تقول: كلا، فمصالح هذه الدول والقوى الحاكمة، والشركات الكبرى فيها، أهم بكثير من حياة ومصير الإنسان الذي يكدح طوال اليوم ليدفع نصف دخله الشهري كضرائب!

 

مقالات