سمير عادل

من مطرودين الى -قادة- احتجاجات!

كل شيء مثير للسخرية في المشهد السياسي العراقي، التضارب في الانباء والتصريحات عن اجتياح عدد من عناصر القوات التركية للحدود العراقية حتى الوصول الى حدود مدينة الموصل. فمنهم من يقول التوغل التركي تم بعلم العبادي واخر يدلي بدلوه ويؤكد أنها كانت موجودة في السابق، واخر يتمم مع نفسه على انه تنسيق بين الحكومتين الامريكية والتركية في اطار الحرب ضد داعش. وهناك من يهدد بضربة عسكرية واخر يدرك بأن لا حول ولا قوة لا للجيش العراقي ولا لحكومة العبادي، فأعلن عن مقاطعة البضاعة التركية. اما الميليشيات وبخلاف ادعاءاتها وادعاءات الحكومة بأنها تأتمر بأوامر مكتب لقائد العام للقوات المسلحة، اعلنت وتحت اسم المقاومة الاسلامية في بيان لها بأعطاء مهلة للقنصل التركي في البصرة لشد الرحال من العراق..الخ من تلك التصريحات وكأنهم نسوا او بالاحرى تناسوا وجود داعش والوجود الامريكي الذي يعزز نفسه في العراق اضافة الى علنية تنقل الحرس الثوري الايراني وقادته في العراق.
الا ان المشهد الاكثر سخرية في هذه الايام الذي يحاول ان يفرض نفسه على المشهد السياسي العراقي لاسباب سنذكرها هو ظهور موظفين مقالين او بالاحرى مطرودين من مناصبهم الحكومية، سواء من قبل حكومة العبادي او من قبل الادارة الامريكية عشية تشكيل الحكومة المذكورة احدهم نوري المالكي وهو القائد الفعلي لمليشيا الحشد الشعبي وهادي العامري رئيس منظمة بدر الذي شغل منصب وزير النقل سابقا، لينظموا الى صفوف المتظاهرين ويهتفوا "الموت لتركيا" محل "الموت لامريكا"، وليختموا الاحتجاجات التي خرجت ضدهم وضد فسادهم ونهبهم منذ 31 تموز من هذا العام بنهاية كوميدية اقرب من ان تكون تراجيدية.
المالكي الذي كان احد مطالب المحتجين في ساحة التحرير هو محاكمته على فساده الاداري والمالي والسياسي وارتكاب جرائم طائفية في سنوات حكمه الثمان، يتحول الى احد قادة المحتجين رغما على انف المتظاهرين ويرفع شعارات منددة بالحكومة التركية. اما العامري يلوح في شن عمليات عسكرية ضد القوات التركية. وكلاهما يحاولان اعطاء درس في حب الوطن والوطنية، لانهم بهذا الحب ولوحده يستطيعان التملص والافلات من قبضة الجماهير التي تطالب بالنيل من رؤوس الفساد والجريمة المنظمة في العراق. فلا صوت اعلى من صوت الدفاع عن الوطن في اوقات الازمات الاقتصادية والسياسية، فأنه افضل سلاح لحرف انظار العمال والكادحين والمحرومين في المجتمع عن لصوصية الطبقة الحاكمة، وفي العراق عن لصوصية الاسلام السياسي. فنجد الجميع يعزفون على وتر واحد لمواجهة اطماع العدو العثماني الجديد كما يصفه عدد من شخصيات التحالف الشيعي العراقي، من المرجعية وحكومة العبادي ومليشيات الحشد الشعبي. وعندما تجد كل اولئك في خندق واحد للدفاع عن عراق لا ناقة ولا جمل لأحد فيه سوى للاسلام السياسي، في حين ان "العراق الجديد" لا يجد فيه العمال والموظفين غير الجوع والتشرد والنزوح والافقار وانعدام الامان واغراق بيوتهم بمياه الامطار، فستدرك فورا هناك خطر محدق على امتيازات ونفوذ لصوص الاسلام السياسي الشيعي من توغل القوات التركية، التي تحاول اعادة صياغة المعادلة السياسية الاقليمية والمحلية تحت عنوان محاربة داعش.
وعندما يتحول المالكي والعامري ومن لف لفهما الى قادة في ساحة التحرير، تلك الساحة التي كانت رمزا لاحتجاجات 25 شباط 2011 وهددت عرش المالكي، الذي سرعان ما اغلق الطرق اليها بقواته القمعية واتهم المتظاهرين بأن القاعدة والبعثيين يقفان ورائهم، وفي 31 تموز من هذا العام 2015 تجدد الاحتجاجات مطالبها في محاكمة المالكي وزمرته الحكومية، يطل المالكي برأسه في نفس الساحة كي يبعث برسالة بأنه رغم اقالته من منصبه الحكومي كنائب الرئيس الجمهورية وبالرغم ايضا من انه لم يعد "مختار العصر" كما وصفوه متملقيه عندما كان رئيسا للوزراء، فما زال لديه القدرة على احتكار ساحة التحرير سواء بقمع المتظاهرين فيها او في ان يكون احد قادتها.
وعليه ان تعرف الجماهير من العمال والموظفين ومحرومي المجتمع الذي تحاول حكومة العبادي في سرقة معاشاتهم بنسبة 40% وفرض السياسة الداعشية على المجتمع، التي هي سياسة الاسلام السياسي وبغض النظر عن محتواه الطائفي سواء كان شيعيا او سنيا، بأن لا تنطلي عليها لعبة العزف على وتر الوطن والوطنية. فالوطن ليس وطنها، بل وطن العبادي والمالكي والعامري والمرجعية، وطن النجيفي وعلاوي والجبوري، وهم اول من سمحوا بأنتهاك سيادته. وساحة الاحتجاجات الحقيقية اليوم هي في المصانع والمعامل والدوائر والجامعات ومناطق معيشتهم وسكنهم. فاذا المالكي والعامري نجحوا في اختطاف الاضواء من ساحة التحرير، فعلينا ان نشعل الاضواء، ونزيد من وهجها في كل مكان باصوات احتجاجاتنا ضد فساد وجرائم الاسلام السياسي وحكمه المتعفن، فسيكون حينئد اعلان بأن المقالين من مناصبهم لا يمكن ان يكونوا الا اصوات نشاز ويلفظهم المجتمع، وقادة كاريكتوريين يثيرون الشفقة والسخرية معا.

مقالات