نادية محمود

عمال الصناعات النسيجية في العراق وسياسة التمويل الذاتي

عمال الصناعات النسيجية كشركات تابعة الى وزارة الصناعة والمعادن، حالهم حال الصناعات الجلدية لم يحصدوا من الصراعات بين الاحزاب الشيعية، غير فقدان الامان الاقتصادي وتعطيل دفع رواتبهم، والغاء انظمة الحوافز والمكافات التشجيعية، الامر الذي يعرض حياة العمال وحياة اسرهم الى حالة الضنك الشديد. ومع سياسة التقشف كان العمال اول من دفع الثمن لتلك الصراعات وهذه السياسة.
ليس معلوما وبشكل دقيق عدد العمال في هذه المصانع الا ان بعض التقارير تشير الى وجود 22 الف عامل في هذا القطاع. حيث تشغل الصناعات النسيجية نسبة 15% من العمال في القطاع الصناعي. يتوزعون في عدة معامل: شركة الغزل والنسيج في الكاظمية والنسيج الصوفي (فتاح باشا) ومعامل النسيج في الموصل والنسيج والحياكة في الكوت والنسيج الناعم في الحلة والحرير الصناعي في سدة الهندية والخياطة في الوزيرية والنسيج الصوفي في الناصرية والنسيج القطني في الديوانية والنسيج الصوفي في اربيل ومعامل السجاد الميكانيكي واليدوي في بغداد واربيل. هنالك ألشركة العامة للصناعات الصوفية ومعاملها السبعة،السجاد الميكانيكي المنقوش في الداوودي والبطانيات في الكاظمية والبطانيات المنسوجة والاقمشة في الكاظمية والغزول والسجاد النافل في منطقة حي السلام، ومعمل الألبسة الجاهزة في النجف. يبلغ عدد المنتسبين في معامل النسيج في الناصرية على سبيل المثال 1300 بين موظف وعامل وفي الكوت 5000، وفي بابل 2500 عامل وموظف، وفي معمل الألبسة الجاهزة في النجف 1670.
تنخرط في هذه المعامل ايضا النساء العاملات خاصة المعيلات الوحيدات للاسر وقد ازدادت اعدادهن عقب اوضاع الحرب والحصار والحرب الداخلية، واعمال العنف. من جهة اخرى، جرى تعيين اعداد اخرى من المفصولين السياسيين السابقين. لافتقار الدولة الى برامج الضمان الاجتماعي فانها تسعى الى زج الناس وتعيينهم في المعامل كوسيلة لتأمين معيشتهم. على سبيل المثال قامت الدولة باعادة حوال 2200 موظف كانوا من المفصولين السياسيين ورجعوا للخدمة في معامل النسيج. الا ان تشغيل هذه الاعداد من العمال، مما يسميه البعض "البطالة المقنعة". يقتضي تأمين حقيقي لمعيشتهم وعدم زج مصائرهم الى المجهول عبر اعادتهم الى "الخدمة" مع تهديد حياتهم ومصيرهم بعدم دفع رواتبهم.
تنتج هذه الشركات والمعامل الملابس بمختلف انواعها والمواد القطنية والبطانيات لوزارة الصحة والدفاع والداخلية، وايضا لمنتوجات هذه المعامل القدرة على الاسهام ولحد كبير في سد الحاجة المحلية من الالبسة المحاكة والمنسوجة.
الا انه وكما تطرقنا في مقالة سابقة حول الصناعات الجلدية تدفع رواتب العمال والموظفين للعمال وفق برنامج التمويل الذاتي. هذا النهج اتبعه نظام الحكم السابق حيث تسهم الحكومة بـ 60% من تمويل الشركات وتساهم الشركة ب40 % من مبيعاتها لتغطية نفقاتها. حاليا تمول اغلب شركات وزارة الصناعة المنتشرة في عموم العراق، بنظام التمويل الذاتي، باخذ سلف من المصارف لتغطية رواتب عمالها وموظفيها.
الا ان هذه السياسة قد اثبتت ومنذ عام 2003 ولحد نهاية عام 2015 فشلها الذريع من حيث تعريض حياة العاملين والموظفين الى حالة الضنك والعوز، بسبب انقطاع تسديد رواتب الالاف من العمال والموظفين وعدم دفع مخصصات الخطورة، والحوافز والمكافات التشجيعية التي كانت تشكل كلها راتب الموظف والعامل. ان اسباب فشل هذه السياسة يعود اولا وقبل كل شيء الى الصراعات السياسية وصراع المصالح الاقتصادية بين تلك الاحزاب من ناحية، والى عدم قدرة منافسة البضائع العراقية للبضائع الاجنبية التي تتسم بتدني اسعارها بالنسبة للمستهلك من ناحية ثانية.

حيث تتبع الاحزاب سياسة المقاطعة وعدم شراء الوزارات منتوجات الوزارات الاخرى لاسباب سياسية وللمنافع المادية المترتبة على عقد صفقات شراء مع شركات اجنبية. فالاحزاب الاسلامية الشيعية الحاكمة تمتلك شركات أهلية وهي التي تسيطر على السوق، لذلك تمتلك هذه الاحزاب مصلحة مباشرة بمقاطعة منتوجات الجهات التابعة الى القطاع العام. خاصة وان الأحزاب السياسيّة تفرض ما يقارب الـ 15% كحصص لها من كلّ عقد تبرمه مع الشركات لشراء سلع لحساب الحكومة.
اعاقة بيع المنتوجات ومقاطعة المؤسسات الحكومية يتم من قبل مؤسسات الحكومة ذاتها. اي ان منتوجات الشركات التابعة لوزارة الصناعة التي يقف على رأسها وزير من كتلة الاحرار من قبل احزاب شيعية مثل حزب الدعوة، تقاطع من قبل احزاب اخرى في الحكومة في سياق صراع سياسي - اقتصادي بين احزاب الحكومة الواحدة ذاتها، فالكل "يحوش النار لخبزته". لذلك ليس بامكان احد فرض منتوجات احد الوزارات على وزارات اخرى على الرغم من الملايين من الدولارات التي خصصت لشراء ولتجديد الخطوط الانتاجية لهذه المعامل من خزينة الدولة ومن الميزانية الاستثمارية والتي بلا شك رافقتها اعمال فساد ونهب للخزينة.
ان إفشال الصناعات ومقاطعة المنتوجات المحلية لصالح صفقات استيراد المنتجات من الخارج، يأتي في سياق عدم قدرة الاحزاب على الحصول على حصصها من صفقات التجهيزمع مؤسسات عراقية، حيث ان البضائع والصناعات العراقية محددة الأسعار ويتم تسديد أقيامها عبر الحسابات المصرفية من الجهة الشارية الى الجهة البائعة، لذلك امكانية النهب والفساد تتدنى مقارنة مع التجارة من شركات اجنبية.
من ناحية اخرى وبسبب عدم قدرة المنتوجات النسيجية العراقية على المنافسة مع الشركات الاجنبية في السوق، فالاسعار متدنية وتصل إلى المستهلك بأقل من أسعار المنشأ، أدى كل ذلك الى تكدس المنتوجات في المخازن. ومن ثم عدم قدرتها على بيع منتوجاتها وتأمين دخل لتمويل نفسها بنفسها. وبالتحديد تأمين الـ 40 % من كلفة الانتاج، من ضمنها اجور العمال ورواتبهم.
هذين العاملين اديا الى عدم قدرة هذه الشركات على ان تمول نفسها بنفسها الامر الذي ادى الى تهديد معيشة العمال بعدم دفع رواتبهم، او الحوافز، او المكافات التشجيعية التي كانوا يحصلوا عليها سابقا. مما يعني الفشل المطلق لسياسة ونهج التمويل الذاتي الذي تتبعه الحكومة في العراق.
لقد ادى عدم دفع الرواتب، وايضا الغاء نظام الحوافز والمكافأة التشجيعية، ولعدة اشهر في الاعوام المنصرمة وكان اخرها في اوائل هذا العام الى قيام العمال بتنظيمهم اشكال مختلفة من الاعتراضات في مختلف المحافظات التي تتواجد فيها هذه المؤسسات. فلم يجد العمال وسيلة للضغط على الحكومة لتأمين رواتبهم غير اللجوء الى التظاهرات والاعتصام، وقطع الطرق، كأشكال نضالية متعددة للعمال للحصول على اجورهم. ففي اعوام 2011 و2014 و2015 لجأ العمال الى قطع طريق السيارات ذهابا وايابا على الطريق بين بابل وكربلاء، اضافة الى التظاهرات والاعتراضات في معامل النسيج الاخرى في العراق.
من الضروري لفت الانتباه الى ان العمال لم يلجأوا الى الاضراب عن العمل الا فيما ندر كعامل ضغط من اجل تأمين الحصول على اجورهم او حقوقهم الاخرى. حيث ان الانتاج مكدس في المخازن بالدرجة الاساس، والمنتوجات لا تصرف. هذا يعني ان الاضراب كوسيلة نضالية لتحقيق العمال لمطاليبهم قد افرغت من مفعولها بسبب تكدس البضائع. لذلك لا يجد العمال من اجل تأمين لقمة عيشهم في مؤسسات "التمويل الذاتي" خيارا اخر، غير قيامهم بالتظاهر والاعتصام والخروج الى الطرق الخارجية لقطع الطرق ولتعريف الرأي العام بمطاليبهم، وتحدثهم الى وسائل الاعلام.
ان كل اللغط الذي يدور حول تشريع "قوانين حماية المستهلك حماية المنتج المحلي، وقانون التعرفة الجمركية، وقانون الاحتكار"، لا تساوي ثمن الورق الذي يكتب عليها. فليست هنالك حقوق للعمال في وضع من الفوضى والصراعات السياسية بين احزاب الاسلام السياسي مهما تعددت تلك القوانين. ففي ظل وجود المحاصصة السياسية - الاقتصادية لاحزاب الاسلام السياسي الشيعي وفي اوضاع انتقالية من اقتصاد كان يحكمه القطاع العام الى اقتصاد حر ومفتوح، وفي وضع تستفيد فيه احزاب السلطة من الانفتاح على السوق العالمي لاغراض اثرائها الذاتي ووجودها على سدة الحكم، لا سبيل للعمال للدفاع عن حياتهم غير انفسهم هم، وبانفسهم هم.
ان العمال اولا وقبل غيرهم، يدركون حقيقة هذه الاحزاب الاسلامية الرأسمالية. لن تحمي حقوق ومعيشة العمال.. القوانين مهما كثرت حزمتها ورزمتها. ان ما يجعل الحكومة تستجيب لمطاليب العمال هو وحدة واصرار وتنظيم العمال، ليس في قطاع الصناعات النسيجية فحسب بل كل القطاعات الصناعية التي تتبع التمويل الذاتي، من اجل فرض تمويل مركزي للعمال او ضمان بطالة لغير القادرين على ايجاد عمل. خاصة وان استمرار سياسة التمويل الذاتي في ظل الصراعات السياسية بين الاحزاب الحاكمة ذاتها، مع منافسة اجنبية للبضائع، ستعد العمال باوضاع اكثر سوء، ان لم يمارسوا دورهم في الضغط على الحكومة. ليس من اجل "انجاح الصناعة الوطنية" وليس من اجل التفاخر بـ"صنع في العراق" بل من اجل تأمين لقمة العيش لهم ولاسرهم.

 

مقالات