احمد عبد الستار

فنزويلا : -خرج الحزب الحاكم-!!

لقد خسر حزب شافيز ( الحزب الاشتراكي الموحد ) الانتخابات التشريعية التي اجريت في فنزويلا يوم السادس من شهر ديسمبر الجاري، خسر الأغلبية البرلمانية ومن المؤكد سوف يخسر "مادورا" خليفة شافيز الرئاسة بعد أن اصبحت الأغلبية للقوى اليمينية المعارضة داخل البرلمان وستكتسب، كأغلبية، صلاحيات واسعة من ضمنها تعديل الدستور وفرض القوانين المناسبة لتوجهها بما فيها محاسبة الرئيس.

حكم "شافيز" مؤسس الجمهورية الخامسة فنزويلا، منذ فوزه بالانتخابات عام 1998 بعد طرحه برنامج مكافحة الفقر وتأميم ثروات البلاد الطبيعية من سيطرة الشركات العالمية، وفي مقدمتها النفط الذي تتميز به فنزويلا كرابع بلد منتج وثالث مصدر للولايات المتحدة الامريكية، نالت انجازات شافيز على المستوى الاجتماعي والاقتصادي اعجابا وتأييدا واسعا داخل الفئات الجماهيرية الفقيرة الواسعة جدا، كبناء ما يناهز المليون منزل لإسكان المحتاجين للسكن واستفادة ما يقارب ثلاث ملايين طالب من برنامج التعليم المجاني الذي طبق بالبلد وكثير من البرامج الاجتماعية والاقتصادية الاخرى مثل دعم معاشات التقاعد ودعم اسعار السلع الغذائية الرئيسية " لكي لا يبقى فنزويلي يعاني سوء التغذية "، تبنى شافيز مذهب " سيمون بوليفار" منذ البدايات كحركة تسعى للاستقلال الوطني واقتصاد شعبي، الامر الذي اكسبه زخما واسعا بين الاحزاب والحركات السياسية الاخرى المتوافقة مع ميوله السياسية لتوحيد هذه الجبهة ضد التيار اليميني صاحب التوجه الليبرالي المؤيد لأمريكا وسياسات الغرب والمعارض لمنهج البوليفارية وتأسيس ( الحزب الاشتراكي الموحد ) من تجمع كبير للأحزاب والحركات السياسية ذات التطلع البوليفاري بعد فوزه بانتخابات عام 2006 .
طرحت الكثير من التحليلات وكتب الكثير عن هزيمة حزب شافيز بالانتخابات الاخيرة وكانت ابرز الاسباب من وجهة نظر المحللين والمعلقين على هذه الانتخابات، انهيار اسعار النفط في الآونة الاخيرة مما يفوت على الحكومة حسب الرأي السائد، المرونة واليسر في الانفاق على البرامج الاجتماعية والاقتصادية التي اعلنت عنها كالتزام لابد من تنفيذه مبدئيا، ومن وجهة نظر اصدقاء الحكومة الفنزويلية الحاكمة يرى كثيرون منهم، وبعضهم ذات توجه يساري يرى بأن "حرب الاستنزاف الاقتصادية" التي مارستها المعارضة المدعومة من الولايات المتحدة الأمريكية بشكل اساس، كان لها الدور الاكثر فعالية بتدمير الاقتصادي الفنزويلي وتخريب برامج الحزب الحاكم، ومنهم من يرى ايضا ان الحكومة ومؤسساتها لا تتمتع بخبرة كافية لمقاومة الهجوم المتواصل للحرب الشرسة التي تشنها المعارضة بالداخل، هذا وغيرها الكثير من التحليلات والمناقشات التي لم تلامس جوهر الامر الذي ادى الى خسارة " الحزب الاشتراكي الموحد" في الانتخابات الاخيرة في فنزويلا وقائده " مادورا".

كيف يمكن للعمال وغالبية الكادحين من الجماهير الفقيرة أن تشيح بوجهها عن حزب اشتراكي وتتجه الى انتخاب احزاب برجوازية ؟. إذا كان الحزب الأول اشتراكيا حقا ومن اولوياته الاشتراكية مصادرة رأس المال والقضاء عليه، وهو الامر الذي لا يقدم عليه هذا الحزب إلا بخطوة يتيمة بتأميم شركة النفط الوطنية الفنزويلية ((PDVSA ) الكبيرة من هيمنة شركات النفط العالمية ، وهذه الخطوة غير كافية بتاتا لإرساء القاعدة المادية لاقتصاد اشتراكي يقوم بالأساس على الاعتماد على تأميم وسائل الانتاج الاجتماعي الصناعي والزراعي وتحويل ملكيتها من الرأس مال الخاص الى ملكية المنتجين من العمال الصناعيين والزراعيين، وتأميم البنوك وباقي المؤسسات الاجتماعية المتصلة بحياة الجماهير ومعيشتها، وتطويع التجارة الخارجية والداخلية لبرنامج موحد مهمته الأولى ولا غير اعادة المنتجات الى ايدي اصحابها المنتجين المباشرين.

لكن حزب شافيز ومن بعده مادورا تركوا حبل الرأسمالية الفنزويلية على غاربها، ولم يتقدموا بخطوات جادة باتجاه تطبيق البرنامج الاشتراكي المزعوم في برنامجهم الحزبي الذي نادوا به كثيرا، حتى ومن خلال اعلان الرئيس شافيز قبل رحيلة بفترة وجيزة، في خطابه الشائع ( تغيير الاتجاه ) " بضرورة بناء اقتصاد اشتراكي بدل الاقتصاد الرأسمالي وارساءه على أساس المجالس الشعبية" فإن الخطاب هذا قد جاء بشكل مؤكد تحت ضغط الجماهير العمالية المتطلعة للتحرر من عبودية رأس المال، وما حققته على الواقع من انجازات تبشر ببناء لبناة مجتمع اشتراكي مثل المجالس العمالية الواسعة وضرب مثال متقدم للتكافل والمساواة الاجتماعية داخل الاحياء السكانية الفقيرة، وتدخلهم في الكثيرمن المصانع من اجل ادارتها ذاتيا من قبل العمال انفسهم، لكن من حارب ذلك وسعى الى تدميره بشكل مستمر ومنظم هي السلطة نفسها وبيروقراطيتها الحزبية البرجوازية، المؤتلفة تحت الشعار الاشتراكي.

لقد صبرت الجماهير العمالية وملايين الفقراء كثيرا على بوليفارية الحزب الحاكم، لأكثر من عقد ونصف، وانهكتها البرامج الاقتصادية غير المجدية، وغير المستقرة، بين برامج لبرجوازية وطنية ناشئة، لما تجهز بعد لمواجهة برجوازية اخرى اكثر رسوخ وخبرة ذات صلة بالرأسمالية العالمية وتأخذ مددها منها حتى نجاحها في الانتخابات الاخيرة، تاركة الحزب الحاكم يلعق جراح هزيمته.

هذه الهزيمة هي هزيمة لجماعات برجوازية لم تكن بالمستوى الذي يؤهلها لمواجهة الرأسمالية العالمية ورأس حربتها المعارضة الداخلية، وليس هزيمة للاشتراكية او الشيوعية، كما هتف احد قادة المعارضة "ليس في جعبة الشيوعية أي خير تقدمه".

هذا درس اخر من دروس التاريخ المعاصر ( لغير المهزومين) العمال والبشر المتطلعين لعالم خالي من عبودية العمل المأجور، وكما رضخت حكومة "أليكسيس تسيبراس"، اليونانية لشروط الرأسمالية الاوربية، تاركة الملايين العريضة من العمال وفقراء اليونان تحت رحمة شروط صندوق النقد الدولي التي لا ترحم، تنهزم بشكل حتمي حكومة فنزويلا تحت ضربات الرأسمالية العالمية، لأنها بعيدة عن العمال وكما نفهم من شرح ماركس بأن أي ثورة غير عمالية يكون فشلها مسألة وقت، إن اجبار الناس على شد بطونهم من الجوع وارغامهم على التقشف لا يمكن ان يكون ابديا، فالجماهير العمالية وملايين البشر الكادحين تتعلم خبرات نضالها من الواقع وما يفرزه من جدل، فطريق خلاصها الابدي ليس الاحزاب البرجوازية وان تعددت شعاراتها، بل تهتدي مع حزب عمالي راسمة طريقها نحو مجتمع خالي الطبقات.

 

مقالات