سمير عادل

رسالة ضد داعش السني وداعش الشيعي

ان حصيلة الثلاث العقود الاخيرة من حياة جماهير العراق هو السعي الحثيث لقلع جذور المدنية والتحضر من المجتمع العراقي. فمنذ الهزيمة العسكرية لنظام صدام حسين القومي العروبي في حرب الخليج الثانية عام 1991، وجميع القوى المحلية والاقليمية والدولية تدفع المنطقة وجماهير العراق بشكل خاص قهقريا الى الوراء، بدءا من الحصار الاقتصادي الوحشي الذي اسدل الستار عليه عنوة وعلى تداعياته ونتائجه الاجتماعية والسياسية والفكرية والصحية والبيئية، ومرورا بالحملة الايمانية لصدام حسين عام 1996، ثم حرب وغزو العراق عام 2003، وتنصيب قوى الاسلام السياسي الشيعي في السلطة تحت عنوان "العراق الجديد" وشعار "الديمقراطية"، لتفتح سدادة القاذورات والاوساخ الطائفية على المجتمع، وشن حملة التصفيات الجسدية على الهويات الطائفية ضد الالاف من الابرياء ليكونوا ضحايا حرب لتقسيم النفوذ والامتيازات ومصالح لا علاقة للاغلبية المطلقة من جماهير العراق بها، ومرورا بتأسيس عشرات القنوات الفضائية بالاموال المسروقة من قوت الجماهير لتجويع بطونها وتفريغ ادمغتها الا من الافكار الدينية والغيبية والخرافات، وانتهاءا لما وصلنا اليه اليوم من حرب بين داعش السني والميليشيات الشيعية.
ولا شيء يبعث سخرية في المشهد السياسي العراقي مثلما يظهر بان قوى الاسلام السياسي الشيعي هي اكثر مدنية من داعش السني، او هي منقذ لجماهير العراق من وحشية داعش. فأذا كان داعش يمنع الموسيقى والغناء ويقتل الادباء والفنانيين ويدمر المتاحف والاثار، ويحول النساء الى بغايا في مؤسسات الزواج الاسلامي ويجيز تعدد الزوجات وفرض النقاب والزام المرأة في البيت، فأن الاسلام السياسي الشيعي لا يقل داعشية من داعش نفسه، فها هو يعمل على فصل الطالبات عن الطلاب في المدارس والمعاهد وحاول قبل عامين تمرير القانون الجعفري الذي يجيز اغتصاب الاطفال البنات، وقبل اشهر قليلة مرر برلمانه غير الموقر قانون "البطاقة الوطنية"، التي وصفناها حينها ببطاقة عنصرية ضد من لا يتخذ من الاسلام دين له ويسلب البشر في العراق من هوية المواطنة والانسانية معا. وكما منع داعش اي نوع من الاحتفالات وفرض الجزية على المسيحيين وحول الايزديين الرجال الى عبيد والنساء الى سبايا وجواري في بيوت دولة الخلافة الاسلامية، نظم داعش الشيعي عمليات تهجير الصابئة والمسيحيين من المدن الجنوبية منذ غزو العراق، ودمر عشرات الكنائس ومنع باشكال مختلفة الاحتفال بمناسباتهم الدينية سواء عن طريق التخويف او الاختطاف او القتل، كما منع الاسلام السياسي الشيعي العام الفائت الاحتفال بأعياد السنة الجديدة في العديد من المحافظات التي تحت سلطتها المليشياوية، وما يزال يعمل على فرض الاسلمة على المجتمع العراقي بأشكال مختلفة، وتنصيب رجال دين في المحكمة الأتحادية لا فهم ولا معرفة لهم في اي شيء سوى اصدار الفتوى ضد حياة البشر، ليكون لهم اليد طولى في الصغيرة والكبيرة في تسيير امور الدولة الاسلامية الجديدة ولكن ليس بأمير يدعى البغدادي بل بولي من ولاية الفقيه.
بيد ان كل مافعله الداعشي الشيعي والداعشي السني من جرائم وقتل على الهوية او على العقيدة او الفكر او الجنس وتنظيم عمليات تحميق منظمة للمجتمع، لم يفلحا من قلع جذور المدنية والتحضر من المجتمع العراقي. فجماهير العراق وبشكل عفوي بعثت برسالة واضحة وصريحة لداعش السني وداعش الشيعي في اعياد راس السنة الجديدة، بأنها لن تتخلى عن مدنيتها وتحضرها عبر تنظيم مهرجانات ونزهات واحتفالات باشكال متنوعة ومختلفة وخاصة في مدينة بغداد.
وجاء بيان مديرية العلاقات العامة في امانة بغداد التي يديرها الاسلام السياسي الشيعي كأعتراف صريح وواضح بتلك الاحتفلات الواسعة في مدينة بغداد من جهة ولا يمكن غض الطرف عنها، ومن جهة اخرى حاولت تجيير تلك الاحتفلات لصالح الحكومة وطمس ماهيتها، تحت عنوان "االعراقيين ضد الارهاب والتطرف". ولكن الصحيح ان العراقيين قالوا في يوم رأس السنة الجديدة، بأنهم ضد الاسلام السياسي، ضد داعش السني وداعش الشيعي، ضد اسلمة المجتمع، ضد فصل النساء عن الرجال، ضد منع الموسيقى والرقص والغناء، ضد التجسس على الانترنيت، ضد منع الحريات الشخصية والفردية، ضد تهجير المسيحيين او من لا يؤمن او لا يتخذ من الاسلام عقيدة له، ضد من يريدون سلب الحياة منهم واحتكار الحياة لحفنة من لصوص وحرامية الاسلام السياسي سواء كان داعش سنيا او داعش شيعيا. اي بعبارة اخرى ان جماهير العراق تلفظ الاسلام السياسي اذا كان معتدلا او متطرفا، شيعيا او سنيا، داعشيا مستورد من السعودية ودول الخليج الغارق بالرجعية، او شيعيا استورد خصيصا من الجمهورية الاسلامية في ايران. ومرة اخرى يثبت بأن المجتمع العراقي يضرب جذوره في تأريخ التحضر والمدنية بالرغم من كل ما يظهره الاسلام السياسي بشقيه الداعشي السني والشيعي، بأن المجتمع العراقي اسلامي عن طريق التهويل من المناسبات الدينية وتسويقه الاعلامي والدعائي. وهنا نقول ان الارضية لتقوية المدنية والعلمانية واليسارية والشيوعية ما زالت موجودة وراسخة وكما يقول ماركس هنا الوردة فلنرقص هنا.

 

مقالات