سمير عادل

فذلكات حكومة العبادي الاقتصادية

تبادل الادوار بين رجال الدين الذين يديرون السلطة السياسية في العراق وحكومة العبادي في افضل حالاتها. فمرة تعلن المرجعية بانها تؤيد اصلاحات العبادي واخرى تبدي عتبها وعدم رضاها على ادائه. وهكذا ومنذ ستة اشهر وحكومة العبادي ماضية في شد الاحزمة على بطون العمال والموظفين ومحرومي المجتمع ولا يصلنا غير هواء النفخ في ابواق مثقوبة.
وفي خضم ذلك يدلي وزير المالية هوشيار زيباري في مقابلة تلفزيونية له بأن الحكومة ستكون من المرجح غير قادرة على دفع رواتب العمال والموظفين في شهر نيسان المقبل. والسؤال هل ان هذه التصريحات نابعة من الحماقة في الوقت الذي نجد الاحتجاجات والتظاهرات لم تتوقف ضد سياسة تقشف حكومة العبادي، ام انها تكشف على ان حكومة العبادي ستنتهي من الطبخة التي اعدتها مع البنك الدولي وصندوق النقد الدولي، وخاصة عندما يقول الزيباري في نفس المقابلة بأن القرارات الاقتصادية مؤلمة لكن يقال إن أي "قرار اقتصادي إن لم يكن مؤلما فهو ليس بقرار". اي ان حكومة العبادي ماضية في اتمام مشروعها "الاصلاحي" التي طبلت المرجعية وزمرت له وتحاول اليوم ان تتنصل من مسؤليتها تجاه ما تخطط له حكومة العبادي وحصرها في اطار اقالة بعض المفدسين. فمثلما حولت الولايات المتحدة الامريكية وحلفائها العالم الذي نعيش فيه الى جحيم تحت عنوان "محاربة الارهاب"، حول تحالف المرجعية وحكومة العبادي حياة العمال والموظفين والكاحين الى جحيم الفقر والعوز تحت عنوان "محاربة الفساد".
ان ما وراء تصريحات زيباري هو اعداد المجتمع العراقي للقرارات المؤلمة، كما فعلت نفس المؤسسات المالية مع بولندا وروسيا والارجنتين وتشيلي والصين واندونيسيا وجنوب افريقيا والقائمة تطول. ان سياسة تلك المؤسسات مفادها بأن تتنصل الدولة من كل مسؤولياتها تجاه المجتمع وتجاه مواطنيها، وتعمل على تشديد ظروف العمل وتقليل اجور العمال وموظفيها كما فعلت في البلدان المشارة اليها. وليس عبثا ان يقول العبادي في اخر تصريح له بأن انخفاض اسعار النفط هو بالنسبة لنا ايجابي والكلام للعبادي لانه سيحفز الطاقات الذاتية لدينا. والمقصود هو عرض المؤسسات التي تديرها الدولة من اجل خدمة المواطن الى مؤسسات تدر الربح على الشركات ورجال الاعمال، سواء المرتبطين بالشركات والمؤسسات الاجنبية او الذين مرتبطين بأعضاء حكومة العبادي ولصوص العملية السياسية، مثل شركات الخطوط الجوية على سبيل المثال "فلاي بغداد" او الاتصالات مثل "زين" و"كورك" و"اسيا سيل"، او شركات تسويق النفط او المتعاهدين في شراء مفردات البطاقة التموينية..الخ.
ان الخطة المرسومة بعد غزو العراق هي تصفية قطاع التعليم والصحة والصناعة ورفع سعر المحروقات وخصخصة الكهرباء والماء والغاء مفردات البطاقة التموينية، وتحويل عمال وموظفي القطاع العام الى التقاعد اضافة الى ايقاف تشغيل العاملين الجدد فيه، متزامنا مع سن قوانين تحرم حق التظاهر والاضراب والتنظيم وتقييد الاحتجاجات تحت عناوين مختلفة. وليست مسودة مشاريع قوانيين حرية التعبير والحريات النقابية المعروضة اليوم على البرلمان الا جزء من رزمة متكاملة مع القرارات الاقتصادية لفرضها عنوة على المجتمع .
ان التبريرات التي تقدمها حكومة العبادي لفرض سياسة التقشف بأنخفاض اسعار النفط هي واهية. فقبل انخفاض اسعار النفط بسنوات وفي بداية غزو العراق وعندما تم تعيين في كل وزارة عراقية مستشار امريكي من قبل رئيس الادارة المدنية للاحتلال بول بريمر، كانت هناك محاولات حثيثة وجادة لتنفيذ الخطة المذكورة التي شرعهتا اليوم حكومة العبادي، الا انها اصطدمت باحتجاجات واسعة وكبيرة من قبل المنظمات العمالية والجماهيرية وطيف واسع من الشرائح الاجتماعية المختلفة. ان تنصل الدولة من كل مسؤوليتها تجاه المجتمع هو جزء من سياسة "الليبرالية الجديدة" التي تحدثنا عنها مرارا في اكثر من مناسبة. ولم تكن تلك السياسة مرتبطة بأنخفاض اسعار النفط او ارتفاعها، فلقد فرضت على البلدان التي ذكرتها في العقود الثلاث الاخيرة من القرن الماضي. وتستغل المؤسسات المالية مثل صندوق النقد الدولي والبنك الدولي وصندوق التنمية الامريكي، اوضاع البلدان السياسية والاقتصادية كي تسدد ضربتها القاصمة، وتُحَمْلَ العمال والكادحين تداعيات سياستها وقراراتها الاقتصادية السياسية المجحفة والمؤلمة.
الان اصبح العراق اكثر جاهزية من فترة غزوه واحتلاله، حيث الحرب الداخلية والازمة الاقتصادية بسبب اعمال النهب والسرقة يضاف اليها انخفاض اسعار النفط، فآن الاوان للقرارات الاقتصادية المؤلمة حسب تعبير زيباري، ولكنها مؤلمة لجماهير العمال والموظفين والمحرومين وليس مؤلمة للصوص العملية السياسية.
ان تصريحات وزير المالية التي زامنتها تصريحات رئيس اللجنة المالية في البرلمان حول نفس الموضوع وبنفس المحتوى، تصب في تهيئة الارضية والاجواء والظروف لشن حملة اقتصادية ضد العمال والموظفين. فمن اجل ان يوافق العمال والموظفين على استمرار معاشاتهم ورواتبهم، فعليهم ان يقبلوا باصلاحات العبادي الجائرة والمباركة من المرجعية، والتي هي في الحقيقة هي هيكلة الاقتصاد العراقي بما يتلائم مع سياسة الليبرالية الجديدة والاقتصاد الحر.
ان العراق بأمكانه ان يسدد رواتب العمال والموظفين وفي ظل انخفاض اسعار النفط وتطوير قطاع الخدمات وتوفير فرض العمل والقضاء على داعش، اذا اصبح راتب رئيس الوزراء واعضاء الحكومة والبرلمان والقضاء ما يعادل راتب عامل ماهر، واذا ما الغيت جميع المناصب والمراكز التي اوجدت من اجل المحاصصة مثل الرئاسات الثلاثة وملحقاتها وغيرها، واذا ما شكلت لجنة لمراقبة الاداء المالي والخدمي من قبل ممثلي العمال والموظفين والكادحين.
ان تطوير التظاهرات والاحتجاجات يكون عن طريق الانتقال من خندق الدفاع الى الهجوم بالتسلح بالمطالب المشار اليها.. فبغير ذلك فأن شد الاحزمة على البطون سيصل الى حد قطع البشر في العراق الى نصفين.

 

مقالات