احمد عبد الستار

لأجل من دموعك يا اوباما؟

في خطاب للرئيس اوباما من البيت الابيض أعلن عن عزمه لتطبيق سلسلة من الاجراءات لتقييد حيازة السلاح في امريكا، منطلقا من حدود صلاحياته التنفيذية، وهذا المسعى جاء كإجابة للقلق المتنامي من هذه القضية التي باتت مهيمنة على الرأي العام، كما أشار هو في خطابه هذا "بأن الغالبية العظمى من الامريكيين تؤيده"، ورافق ذلك حملة من الاعلام العالمي المجامل مصوراً إياه تصويرا عاطفيا، عندما ذرف الدموع امام الكاميرات، معلقين باهتمام "بأنه لم يستطع منع دموعه حزنا على الاطفال الذين قتلهم مختل عقليا في مدرسة ساندي هوك قبل ثلاث سنوات، وهو قد سبق له وان بكى بتأثر عندما فاز بالانتخابات لولاية ثانية، وفي عديدة مناسبات غيرها".
إن هذه الاصلاحات التي يريد اطلاقها اوباما لا تتعدى نقطتين اثنتين، تعدان في غاية البساطة إن لن تكونا تافهتين، تنص إجراءاته الجديدة عن ضرورة تبيان الحالة النفسية للمشتري وإن لم يكن من اصحاب السوابق، تعدان اصلاحا جزئيا مقابل حزمة القوانين والتشريعات في الدستور الامريكي، ولاسيما التعديل الثاني لهذا الدستور لعام 1791 التي تبيح للمواطنين في امريكا حمل واستخدام السلاح كحق شخصي لا يمس، وباتت عادة حيازة السلاح ظاهرة مألوفة ضمن ثقافة المجتمع وتشير بعض الدراسات لوجود ما يقارب 250 مليون قطعة سلاح شخصي، وربما يكون الرقم مبالغ فيه إلا إن نسبة كمية السلاح لعدد المواطنين مرتفعة جدا، روج من البداية للحق بحيازة السلاح بحجة كي يشعر المواطن بالأمان، إلا إن هذا المبدأ قد غدى ليس أكثر من اعلان تكمن خلفه أشياء اخرى، فللشركات المنتجة للسلاح غاية غير ذلك، هذه الشركات قد شكلت تكتلا صناعيا وسياسيا واسع السطوة والسيطرة من اجل انتاج وترويج السلاح خارج امريكا وداخلها، ولصناعة السلاح نصيب كبير في الدخل القومي الامريكي، يجني ما يزيد على اكثر من ترليون دولار من اصل اربعة عشر ترليون دولار من مجمل الدخل القومي الامريكي، إن لهذه الشركات دورا لا يخفى على الجميع بتوجيه سياسة امريكا الخارجية بدفعها لإشعال الحروب والازمات السياسية، من اجل تصريف منتوجها من السلاح للأطراف المتقاتلة حتى لو ادى ذلك الى إبادة شعوب بالكامل ومحو بلدانها من الوجود، والحرائق التي اشعلتها امريكا في العراق وسوريا وفي أماكن اخرى من العالم لازال دخانها بتصاعد مستمر حتى اللحظة، ولنفس الاسباب جهدت هذه الشركات بدأب كبير لترويج السلاح داخل المجتمع الامريكي، فمن المعروف عن امريكا عن سائر بلدان العالم، بوفرة المعروض من السلاح الخفيف وحتى المتوسط حتى إن أي سوق تجاري لم يخل منه، وكأنه كأي بضاعة أخرى مطروحة بالاسواق كالخضار والخبز، هل كل هذا من أجل ان يحمي المواطن نفسه كحق شخصي بالدفاع عن النفس أم من أجل ان تجني شركات السلاح الارباح؟.
تلعب هذه الشركات أيضا دورا مهما كباقي الكارتلات والتروستات الضخمة بالدعم المالي للانتخابات التشريعية والرئاسية في امريكا، وهذه المجموعات الصناعية والتجارية والعقارية والمالية تكون بالعادة صاحبة الكلمة بتوجيه السياسة واختيار السياسيين، كي يكونوا ممثلين لتوجهاتها بالهيمنة وفرض سلطة رأس المال، وهم اصلا ممثليها الحقيقيين الذين لا يتسرب الشك الى وفائهم الطبقي، والرئيس اوباما حاله حال أي رئيس للولايات المتحدة الامريكية قد حظي بشكل لا لبس فيه بنصيب كبير من دعم هذه الكارتلات لحملاته الانتخابية، ومن هذه المجاميع شركات تصنيع السلاح بشكل مؤكد، وهو الذي قام بدور المضيف لزعماء الخليج العربي في منتجع كامب ديفيد، كي يقنعهم بالتزود بالسلاح الامريكي لمواجهة خطر السلاح النووي الايراني العام الماضي قبل اتفاقية فينا.
إن لتجارة السلاح داخل امريكا وخارجها مردودات مالية ضخمة، ولابد أن ينتعش رأسمالها وينمو بإنتاج المزيد من السلاح وتصريفه، وكي تستخدم هذه البضاعة (السلاح) لابد أن يستمر القتل وينتشر هاجس الخوف في كل مكان، ومعادلات الربح والخسارة لهذه الشركات لا تعنيها خسارة الارواح ودمار اللبدان والاثار والفتن، بقدر ما يعنيها كم ربحت وكدست من مال، وكيف يستمر وجودها وتوثق عملها بمنظومة سياسية وحقوقية صلبة مفرغة من كل قيم إنسانية، تشكل دائما معسكر مستعد للدفاع عن مصالحها في كل المؤسسات السياسية والقانونية في امريكا، وسواء شكى اوباما بخطبته بأن"اللوبي المعارض لتقنين السلاح يسيطر على الكونغرس" او لا فأن شكواه لا تجدي فتيلا، لأن الرأسمالية الامريكية تمثل اعتى مرحلة من مراحل رأس المال المعاصر واكثرها وحشية وضراوة، من الصعب الوقوف بوجهها في حالة مثل حالة استبدادها المفرط داخل امريكا، وما شكواه وذرفه للدموع من اجل الاطفال الامريكيين الابرياء، إلا تمثيلية مفبركة لذر الرماد بالعيون وامتصاص نقمة الجماهير الامريكية الناقمة، ولو كانت دموعه صادقة حقا لكنا قد شاهدنا دموعا له من اجل الاطفال السوريين المهاجرين الغرقى، الذين ابكت صورهم الحزينة العالم برمته، ولم نر منه او من ادارته اي عمل انساني يعمل لوقف الموت اليومي لهم ولغيرهم من اطفال العالم، المبتلى بوحشية النظام الامريكي الجهنمي.
ويتأسف في خطابة على الحجم الكبير لإعداد الضحايا حيث يقتل اكثر من 30 الف مواطن نتيجة اطلاق النار سنويا، ويعلن بمزيد من النفاق العلني "بأننا لسنا الامة الوحيدة العنيفة" اشارة الى العنف والاقتتال في مناطق عديدة من العالم متجاهلا الدور الامريكي في افتعال العنف العالمي وادارته، ويتجاهل ايضا اسباب العنف الاجتماعي مضيفا "لكننا الامة الوحيدة التي يتصاعد فيها العنف الجماعي" ودواعي هذا العنف الجماعي جاء مثل ما هو معروف نتيجة للتفاوت الطبقي الحاد والبطالة والضياع والتشرد، التي خلفت امراض اجتماعية يصعب على الافراد تحملها، تمارسها بوعي وعناد كامل الطبقة الرأسمالية الامريكية وادارتها السياسية ضد العمال ومجمل الجماهير البائسة، ليس الامة الامريكية هي العنيفة بل الطبقة الرأسمالية هي التي تجرد العالم من انسانيته، وتلقي لوم عنفها التي سببته على الاخرين، ومثلما تتصاعد عنجهية طبقة الرأسمال تنتظم بالمقابل المعارضة لهذه الطبقة في طبقة آخذة بالنمو والوعي المعاصر لأخذ زمام المبادرة في بناء عالم خالي من العنف وبيع السلاح.. الطبقة العمالية ولا غير.

 

مقالات