نادية محمود

هل هو -فساد- ام -نهب- منظم لطبقة رأسمالية حاكمة؟

أعلن جمع من العراقيين حملة المليون توقيع ضد الفساد في الايام المنصرمة، وقد وقعت على تلك الحملة. يمكن طرح سؤالين هنا: الاول: هل ما يجري في العراق هو " فساد" فقط؟ ام عملية نهب وسرقة منظمة تعم كل وزراة وكل مؤسسة وفي كل مكان، وعلى مختلف المستويات؟ السؤال الثاني هو اية قوة بمقدورها ايقاف " الفساد" او النهب؟ لقد درب المئات من المحققين وصرفت الملايين على هيئات النزاهة، ودوائر المفتش العام، والمحاكم التي كانت وظيفتها تعقب ومواجهة "الفساد"، والفساد لما يزل يعم اجهزة الدولة من الاعلى الى الاسفل.

ان الطبقات الرأسمالية الحاكمة في عدد من دول العالم، مثل الدول الغربية، الدول الاسكندنافية على سبيل المثال تضع قوانينا، واطرا للشفافية، والمحاسبة والتحقيق. بينما طبقات رأسمالية في بلدان اخرى مثل الدول العربية، او العراق على سبيل المثال، لا تجد ضرورة الى "تهذيب" وقنونة نظامها الرأسمالي نفسه. فتماديها بالنهب يتجاوز مسالة وجود " الفساد". ان الفساد بابسط تعريف له هو سوء استخدام السلطة لاهداف شخصية. ان ما يجري في العراق هو نهب منظم وعلى مختلف المستويات و بمختلف الاشكال، وبدون رادع.

اصبح الفساد، او النهب، بكلمة اصح، جزء من التركيبة التي أنشأتها الدولة في العراق. لقد تحول الى نمط ونظام لادارة المجتمع، اصبح مؤسساتيا، راسخا ومزمنا.

ان الطبقة الحاكمة، بما لديها من قدرة سياسية وعسكرية وفكرية للسيطرة على الاقتصاد والدولة والمجتمع. تمكنت من نهب والاستحواذ على الامكانيات المالية الهائلة، وخاصة تلك التي يوفرها استخراج وبيع النفط. فالسيطرة على موارد النفط، التي يستخرجها عمال النفط في 10 حقوق نفطية في العراق، وتوزيعه، يخضع وبشكل مطلق الى ارادة فئة سياسية محددة، او طبقة محددة تتمتع بالسلطة السياسية والقوة الاقتصادية، للتصرف بالموارد المالية كما تشاء. على سبيل المثال قيام وزير النفط السابق، حسين الشهرستاني، بالتعاقد مع الشركان الاجنبية فيما يسمى بعقود جولات التراخيص، دون ان يعود حتى شكليا الى البرلمان العراقي، الذي من المفروض ان يقرر على كيفية استخدام هذا المصدر الرئيسي من مصادر العراق. وترك الامر للشهرستاني و للمحيطين به.
في هذا النظام، لاحد يعلم، كيف تستخدم هذه الامكانيات، كيف يجري البت في امر توزيعها؟ يجري التستر على المعلومات,والميزانيات، والاحصائيات والارقام، ولا يمتلك المواطن حق الدخول الى المعلومات. لذلك وبناء عليه، ليس هنالك دور للمواطن في مراقبة ومحاسبة صراع القرار حول الكيفية ولا وطرق المحاسبة على صرفها. ولاجل اقصاء المواطن من التدخل، ومن محاسبة الدولة تتبع الدولة استراتيجية الجزرة والعصا تجاه مريديها او معارضيها.

"
الجزرة" تتمثل في قيام الطبقة الحاكمة بخلق شبكة من الزبائنية والمحسوبيات،والاتباع والموالين المستفيدين من مزايا ومنافع الاقتراب منها. توزع المنافع المادية على رعاياها وحسب الولاءات. كل ما كان المرء اكثر ولاء للنظام، سينال حظا اكبر في الحصول على المنافع المادية. وهنا تغدو استخدام سياسة الجزرة، كاستراتيجية لتقوية حكم تلك الطبقة وشبكة من مريديها والملتفين حولها.

أما خارج تلك الدائرة من المستفيدين مباشرة من تلك الطبقة، وبمواجهة اي مطاليب للتصدي للفساد يجري استخدام الاستراتيجية الثانية، وهي سياسة العصا، والضرب بايدي من حديد، اذا ما رأت ان هنالك تهديدا لسلطتها. لقد بلغ عدد الصحافيين الذين قتلوا في عام 2013 لوحدها 9 صحفيين.

فكيف يمكن اذن، وهنا اطرح سؤالي الثاني، قلب الطاولة على المستفيدين منها، عبر مطالبة هذه الدولة ذاتها، وهذه الطبقة ذاتها، وهذه الحكومة ذاتها باصلاح حالها؟ او نصحها بالكف عن الفساد؟ وكأنها ستقوم بذلك من تلقاء نفسها. ان هذه الطبقة لا يمكن لها الا ان تكون فاسدة، لا يمكن لها، كطبقة رأسمالية تعتاش على عوائد النفط، الا ان تنهب تلك الموارد، تاركة الملايين، يعانون من سياسات التقشف والبطالة؟ ان اعمال النهب والفساد والسرقات، يكررونها، ويذكرونها هم انفسهم، وبعضهم ضد بعض وعلى شاشات التلفزة. لا يمكن لهذه الطبقة ان تكف عن القيام بعمل رئيسي من اعمالها، لانها لن تعيش بدونه، لن تعيش بدون النهب، الفساد، رشوة مريديها ومعاقبة معارضيها، مهما تحدثت عن " الديمقراطية"، او حتى ادعائها بمحاربة الفساد، كما فعل العبادي.

من اجل انهاء النهب، ومن اجل القضاء على الفساد ، يجب ان تكون هنالك قوة قادرة على ازاحة هذه الطبقة اللصوصية والنهابة والفاسدة من الحكم. قوة قادرة على ان تكون رقيب وحسيب ورادع للدولة. قوة قادرة على فرض القوانين، ومعاقبة المخالفين، ومعاقبة السراق والفاسدين.

للقضاء على النهب والفساد لا بد من نظام سياسي اخر ومختلف تماما عن هذه السلطة الحالية، والطريقة التي تنظم فيها علاقة الدولة بالمجتمع. ان السبيل الوحيد هو تمكين وتقوية الجماهير لنفسها وبنفسها ولاجل نفسها، بوجه الطبقة الحاكمة، التي تتمتع بسيطرتها على المليارات من موارد النفط، مقابل عدم حصول الجماهير الا على ما يبقيها على قيد الحياة. جماهير قادرة على تعيين وعزل الحكام وخلع كل من تبدر منه بادرة الفساد والنهب وعلى الفور، وليس انتظار 4 سنوات،حتى تنتهي فترة انابته في البرلمان. اننا بحاجة الى نظام سياسي اخر قائم على قدرة الجماهير لان تنتخب ممثليها وان تعزل ممثليها اذا ما افسدوا او نهبوا. بحاجة الى ايجاد نظام سياسي يقر بشرعية الجماهير على التعيين و العزل. وهذا لن يكون بدون عمل الجماهير نفسها بذاتها ولذاتها. اذا لم تتمتع الجماهير بهذه القدرة، فان ستراتيجية الجزرة والعصا ستكون هي الحاكمة.

 

مقالات