سمير عادل

بين الحملة الايمانية والاسلمة

لماذا تحديدا وفي هذا الوقت توزع الملصقات في انحاء مدينة بغداد تدعو الى منع الغناء والتبرج وعدم خروج المرأة ..الخ؟ حدثين مهمين ارعب الاسلام السياسي وذراعه العسكري المتمثل بالمليشيات المسلحة التي تصوب وتجول في بغداد، حيث تعتقل من تعتقل وتختطف من تخطف وتقتل وترمي جثة من تريد ومن ترغب فيه وفي وضح النهار دون اي تردد او خوف. كان الحدث الاول في ليلة راس السنة حيث خرج سكان بغداد بشكل عفوي للاحتفال مع شعوب العالم، وقد قدرت امانة بغداد عدد المحتفلين بأربعة ملايين شخص. والحدث الثاني هو تجمهر عدد كبير لحضور الامسية الموسيقية للفرقة السمفونية الوطنية قبل اسبوع. وكلا الحدثان اغاض الاسلام السياسي الشيعي الذي يدير السلطة السياسية في العراق بمليشياته المنفلتة العقال، ووضعه في مكان لا يحسد عليه. ان توزيع الملصقات هي محاولة اخرى تجرب قوى الاسلام السياسي حظها اليوم عن طريق المواعظ الاخلاقية التي كتبتها على الملصقات المذكورة في السعي لفرض الاسلمة على المجتمع. فهي لم تفلح، في مشروعها للاسلمة بعد اكثر من اثني عشر عام من تخويف ووعيد للمجتمع والتصفيات الجسدية للمئات من البشر والقتل على الهوية، وسرقة ونهب اموال وثروات المجتمع لافقار الجماهير ووضعها في دائرة العوز، وبموازاة ذلك تم انفاق قسم من تلك الاموال على تنظيم المئات من المناسبات الدينية ونقلها عنوة الى مختلف ميادين المجتمع مثل الجامعات والمعاهد وفي قسم كبير من الدوائر والمؤسسات الحكومية، وتأسيس عشرات القنوات الاعلامية والفضائية لنشر الخرافة والحماقة في المجتمع، والسعي المحموم لانتزاع البشر في العراق من جلدتها الانسانية لطمسه في قاذورات مستنقعاتها الطائفية، وللحيلولة دون النهوض الثوري للجماهير لتغيير حياته المعاشية والاجتماعية والسياسية.
ان قوى الاسلام السياسي وقبل ثلاثة عشر عام اعتقدت ان المجتمع العراقي جاهز لتطويعه، لان الحملة الايمانية لنظام صدام حسين والحصار الاقتصادي الوحشي لمدة اثني عشر عام والحروب الثالثة قد اجهزت عليه، وليس عليها الا بذل القليل من الجهد، كي تعود قهقريا بجماهير العراق الى القرون الوسطى في اسوء التقدير، وتفرض قوانينها واعرافها وتقاليدها. انها مذهولة بفشل كل مواكب الحكيم والمالكي والعامري والصغير.....الخ، التي تنظم في كل مناسبة دينية في طول المدن وعرضها حتى تصل الى مدينة كربلاء وخلال اكثر من عقد من الزمن كي تستغل الجياع من ملايين الشباب العاطلين عن العمل، وتبذخ على تلك المواكب من رواتب ومعاشات العمال والموظفين التي استقطتها حكومة العبادي، واضاف عليها البرلمان العراقي الشرعية. في حين خرج الملايين من سكان بغداد بالاهازيج والغناء والموسيقى والرقص بمناسبة العام الجديد، ودون ان تنفق اي من تلك القوى الاسلامية دينار واحد على وقود المركبات التي كانت تملئ الشوارع بصافراتها الاحتفالية.
بيد ان الاسلام السياسي الشيعي ليس وحده يسعى الى فرض الاسلمة على المجتمع، فأن الاسلام السياسي السني هو الاخر الذي اعتاش بشكل خاص على مائدة الحملة الايمانية لنظام صدام حسين الاصطياد في نفس الماء العكر. ففي الوقت الذي يئن النازحين من قساوة البرد ووطأة الجوع وخيام اغرقتها مياه الامطار، يشييد الوقف السني الجوامع والمساجد في معسكرات النازحين، وكأنه يريد ان يبعث برسالة الى المجتمع بأن الحملة الايمانية لصدام حسين لم تنته بأنتهاء نظامه، الذي كان يشييد الى جانب القصور الرئاسية عشرات الجوامع والمساجد، بينما كان الجوع يطحن بعظام العراقيين في سنوات الحصار الاقتصادي. ان الوقف السني بدل ان ينفق اموال بناء المساجد على النازحين، يفخر باعماله اللاخيرية بأنه يوفر المساجد للنازحين، وكأن النازحين دون مساجد الوقف السني سيكون مصيرهم مجهول وحياتهم اكثر شقاءا في حياة الاخرة مما هي عليه الان في حياة الدنيا. وبمحاذاة ذلك لم تكن ابدا اعمال داعش الاجرامية محض صدفة او رغبة وحشية او مرض كامن في عقول افراده، او عمل عبثي يقومون به، ضد كل ما هو حضاري ومدني وعلمي وانساني، بل ان جميع اعمال داعش التي تتحلى بهمجية مطلقة جاءت ضمن عمل مدروس ومنظم ومخطط له، لاجل قلب المجتمع العراقي برمته وقلع جذور كل التاريخ المدني والعلماني والحضاري وتعبيد الطريق لاجل فرض الاسلمة على المجتمع.
ان المقاومة المستميتة ضد اسلمة المجتمع العراقي وضد نقل السم الطائفي الى الوعي الاجتماعي للمجتمع وراء كل الاعمال والممارسات البربرية للاسلام السياسي بكل اقسامه وطوائفه وتلاوينه ودرجاته. ان الملصقات التي وزعت في انحاء من مناطق بغداد ليس الا تعبير عن فشل كل مساعي الاسلام السياسي في اسلمة المجتمع العراقي، وبنفس القدر تعبير عن تجذر المدنية والتحضر في عمق تاريخ المجتمع العراقي. الا ان ذلك لا يعني ابدا ان الاسلام السياسي لن ينجح ابدا في نقل جماهير العراق الى عصر ما قبل الحضارة، فهو مرهون بعملنا وسعينا ونضالنا في رمي الاسلام السياسي الا ما وراء التاريخ.

 

مقالات