سامان كريم

الثورة الصناعية الرابعة هي ثورة تعميم الفقر

سؤال: ذكرت منظمة "أوكسفام" البريطانية، في تقرير لها، أن حجم ثروات 62 شخصا نهاية عام 2015 يعادل ثروات نصف سكان الكرة الأرضية الأكثر فقرا. وقالت المنظمة في تقريرها السنوي إن ثروة 1 % من سكان العالم تفوق ثروات العالم بأكمله.. من جانب أخر ذكرت تقارير حول مشكلة الديون المتفاقمة التي يعاني منها النظام المصرفي والمالي العالمي، إذ بلغت مستويات خطيرة تتجاوز ما وصلت إليه في 2007 قبل الأزمة المالية العالمية الأخيرة. حيث ارتفع حجم الدين العام والخاص في كل دول العالم بنسبة 35 في المئة إضافة لما كان عليه. ووصل حجم إجمالي الديون إلى نسبة 185 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي في الاقتصادات الصاعدة، وإلى نسبة 265 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي في الدول الصناعية الكبرى. هذه التقارير صدرت قبيل انعقاد منتدى دافوس في سويسرا والذي سيناقش هذه المشاكل اضافة الى سبيل أطلاق ثورة صناعية رابعة في العالم.. ثروات العالم أنحصرت بفئة قليلة والديون تحاصر دول العالم والتي تأثيرها المباشر يكون على الغالبية العظمى من سكان هذه الدول.. والأثرياء سيناقشون أطلاق الثورة الصناعية الرابعة في العالم.. الى أي مدى سيستمر العالم باقتصاد لخدمة 1 % من سكان العالم.

سامان كريم: العالم الرأسمالي المعاصر سيستمر هكذا دون اي عار او خجل من وجهة نظر قادته سواء كانوا في السلطة السياسية او أصحاب شركات وأدارييها او مفكريها... هذه هو الواقع. النظام الانتاجي الاجتماعي الموجود مبني على ابشع طرق الاستغلال للطبقة العاملة. ان تراكم ومن ثم تراكم هذا الكم الهائل من الاموال وتركيزها وتمركزها في أيدي قلة قليلة من الرأسماليين الكبار في العالم.. يدل بما لايقبل الشك على الجوهر والمحتوى الاستغلالي لهذا النظام.
ان التركيز والتمركز من طبيعة وصيرورة وقانون للبنية الرئيسة لنظام الرأسمالي وبالتالي احتكار في هذا القطاع ضمن اطار دولة قومية.. او في هذه المرحلة في اطار عولمتها ويبدأ منافسة شريسة وشديدة ربما تصل الى الحروب بين الدول. الاحتكار الاول ينفي الثاني وهكذا في اطار عملية تنافسية متواصلة سواء في قطاع صناعي واحد او قطاعات مختلفة. خرجت او طردت نوكيا كشركة تقنية عالمية الاولي من المنافسة، بعد ان تربعت على مركزها الاول لمدة خمسة سنوات متتالية او اكثر. المنافسة السابقة طردت او افلست نوكيا من احتكارها العالمي وحلت محلها ليس ايركسون السويدية، بل اصبحت المنافسة الشديدة بين شركة التقنيات العالمية سامسونع وشركة ايفون في هذا القطاع الانتاجي التقني والرقمي, حيث دخلت معهما الشركة الصينية العالمية هاواي في هذه المنافسة الشرسة في هذه المرحلة. يضاف الى ذلك ان شركات عالمية الكبرى تستثمر في قطاعات انتاجية مختلفة في الوقت الراهن وتتعدى طابع منتج واحد واطار قومي واحد... هذه هي سمة متلاصقة للراسمال منذ نشؤه وتم ظهور تجلياته في اسطع صورها في ظل العولمة الراهنة. ان علمية التركيز والتمركز واحتكار ومنافسة واعادة هذه العملية برمتها كأنها في دورانها تنفي مراحل طفولتها وهي طبيعة ذاتية للنظام الراسمالي الكلاسيكي والحالي.
في اطار هذه العملية العالمية المتواصلة وفي ظل العملية الانتاجية الراسمالية نحصل على هذا "التمركز" للاموال والنقد والوصولات في ايدي قلة قليلة من الراسمالين الكبار, العملية التي ذكرت في سؤالك وفي تقرير اوكسفام وغيرها من التقارير حول موضوعنا. بمعنى اخر ان هذه العملية متواصلة منذ نشؤء الراسمالية وادت هذه السنة الى هذا التمركز الجديد، وهو تمركز الثروة العالمية في ايدي قلة قليلة من الرأسماليين الكبار، واشك في النسبة التي ادرجتها منظمة اوكسفام البريطانية اي نسبة الـ %1, اراها نسبة كبيرة. هذه النسبة تعني اكثر من سبعين مليون شخص, عليه اشك بدقتها.
تصوروا ان قائمة اثرياء العالم لسنة 2015 بلغت 1826 مليارديراً باجمالي الثروة بلغت 7.05 تريليون دولار. هذا المبلغ يزيد عن مبلغ السنة الماضية بمقدار 650 مليار دولار 2014. واذ نقارن مثلا مع سنة 2010 نرى هناك 1011 مليارديرا لديهم 3,6 تريلون دولار.. بوضوح نرى تمركز الثروة على ايدي قلة قليلة على رغم زيادة عدد المليارديرات بنسبة قليلة مقارنة بالزيادة في نسبة الثروة. المبلغ الحالي لسنة 2015 اي 7.05 تريليون يساوي تقريبا الناتج المحلي الاجمالي لدولة مثل اليابان ويساوي نصف حجم الاقتصاد الامريكي تقريبا.. بمعنى ان نسبة ضئيلة جدا جدا تقرر مصير العالم نسبة ربما تصل الى 0,001%. بمعنى تصل الى سبعين الف شخص على الصعيد العالمي.. وهذا الرقم ايضا رقم كبير وليس صغيرا خصوصا, هناك وثائق كثيرة من البنك الدولي ومجلة فوربس للاعمال والمال والمنظمة التي ذكرتموها يؤكدون ان مليارديرات العالم لم تصل عددهم الى الفين شخص لحد الان.. طبعا هذا بدون مليارديرات الحواسم في العراق وكردستان العراق والبلدان الاخرى الذي شملتهم "الربيع العربي".
كما ذكرت هذه عملية طبيعية متواصلة في بطن المنظومة الرأسمالية العالمية الراهنة. في صفوف هذه المنظومة الاقتصادية السياسية والفكرية والحزبية البرجوازية بيسارها ويمينها, ليس هناك من يضع حواجز على تطورها وتمركزها وصيرورتها وبالتالي الى وقف هذا الخطر على المجتمع البشري برمته. الثروة تمركزت وستتمركز بشكل اسرع خلال السنوات القادمة نتيجة للتطور الهائل للتكنولوجيا الحديثة وتجاوزها تقنيات المرحلة الرقيمة وتتعداها الى المرحلة الجديدة القادمة التي سميت بالثورة الصناعية الرابعة وهي قادمة ونحن على عتبتها.. هذه الثورة يعني استخدام اجهزة ذكية او في غاية الذكاء في كل المجالات تقريبا بما فيها قيادة الطائرات المدنية والقطارات والمترو وهي اجهزة تشابة الانسان على شكل الروبوتات الالية.. ناهيك عن اعادة برمجة التكنولوجيا الرقمية الحالية وتطوير استخداماتها في كافة المجالات..
الثورة الصناعية الرابعة ستؤدي لا محالة الى توسيع رقعة البطالة والى تقنين في الموارد والاموال والنفقات لرأسماليين مستثمرين في قطاعات مختلفة وبالتالي تؤدي الى زيادة في انتاحية العمل حيث تحل الآلات محل الانسان. خصوصا اذا نرى مقدار التطور التكنولوجي الهائل الذي حصل خلال العشرة سنوات الماضية, حينذاك نرى ان قدرة هذه الالات على التحكم والاداء والدقة والانضباك كبيرة جدا مقارنة بدور الانسان. عليه سميت هذه الثورة الصناعية التي نتحدث عنها "بثورة تعميم الفقر" بمعنى تؤدي الى تمركز الثراء في ايادي نسبة قليلة اقل من السنة الماضية او السنوات الماضية.. حيث المنافسة تشدد وجراء هذه المنافسة الحرة الشريفة البرجوازية بين الراسماليين الكبار ستؤدي الى درجة اعلى من الاحتكار.. والى طرد ملايين العمال من عملهم.
في مرحلتنا هذا تطورت الراسمالية الى مديات غير مسبوقة, الراسمالية معولمة منذ نشؤئها, اما اليوم تعولم نمط من انماطها وهو اقتصاد السوق وتعولمت معه افكار وتقاليد وثقافة هذه النوعية من العولمة والاقتصاد... واصبحت عالميا بالكامل ليس الاقتصاد فحسب بل الافكار والسياسة ايضا لا بل السيادة الرأسمالية العالمية وهي امريكية لحد الان تهدف الى سيادة سياسية عالمية وهي امامها معوقات وفشلت طبعا، ولكن كان لديها ولحد الان هذا الهدف" مانقوله يمشي" كما اكده جورج بوش.. على اية حال تطور انماط ادارة الراسمال في كل بلد تقريبا حيث اصبحت الادارة الراسمالية او البلدان الراسمالية ادارة تشاركية او بالمشاركة، وهذا يعني اخراج الدولة من المشاركة في ادارة الاقتصاد والسوق ويحل محلها اي محل الدولة قيادة سياسية لهذا البلد او ذاك في عملية ادارة الدولة والسوق والاقتصاد، بحيث يشارك الاقتصاد السياسة بصورة مباشرة وليس غير مباشرة. حيث ان الدولة كانت تدير هذه العملية بصورة غير مباشرة عبر رأسمالية الدولة التي كانت تدار في روسيا والعراق ومصر والمانيا وحتى في امريكا في فترة الحرب العالمية الثانية.. كانت الدولة في تلك المرحلة موظف وحارس امين للدفاع عن قدسية الراسمال, اما اليوم فان البرجوازية وصلت الى نقطة حرجة وهي مشاركة مباشرة عبر ذاتها في ادارة السياسية وفي الاقتصاد.. حيث نرى في امريكا من رامسفيلد الى ديك تشيني وبريمر وبوش اصحاب لشركات كبرى.. ونرى في العراق المالكي والحكيم والزبيدي وعلاوي والكربولي والبرزاني..
اليوم اصبحت الدولة بصورة سافرة ودون اية حجب او ستائر دولة لاصحاب المليارديرات وعبر هؤلاء دولة للطبقة البرجوازية. ان البرجوازية اليوم لا تدعى ان الدولة هي مؤسسة فوق الطبقات بل تدعي ان الدولة دولتي واستفيد منها اقتصاديا وسياسيا وماليا، واقمع بها كل الاحتجاجات والثورات التي تنادي بسقوطي او بعزلي. هذه هي حقيقة اليوم ومرحلتنا..
اخيرا وكما قلت تغير هذه الاحوال وهذا الوضع هو بتغير ارادة العمال, بمعنى نحن هذا الجيل نصنع تأريخنا ونصنعه وفق اهدافنا ووعينا وافكارنا واهم من كل ذلك وفق ارادتنا التنظيمية والسياسية. بدون هذا التغير في ارادتنا العمالية, بدون تفجير طاقتنا الفكرية في البداية حيث فكرنا الماركسي غائب تماما على الساحة الفكرية والاعلامية عالميا او محليا.. براي علينا ان نعطي للمجتمع البشري ولطبقتنا اجواءً او فضاءً فكريا ماركسيا معاصرا مرموقا, يستجيب لمعوقات العصر الراهن. فكرا ماركسيا معاصرا يحاكي مرحلة ماركس بكل تفاصيلها يحاكيها وليس استنساخا لها. بمعنى ان ماركس دخل الى حلبة الصراع الفكري وبالتالي السياسي والتنظيمي مع كبار مفكري عصرهم مع هيغل وفيورباخ وادم سمث وريكاردو والاخرون.. هل نحن لدينا هذا الاستعداد؟ سؤال صعب بقدر صعوبة المرحلة. ولكن هذه هي البداية, معها مع هذه العملية علينا ان ننظم ونقود حركتنا هي عملية متماسكة ومتداخلة ولكن لها اولويتها. اقول واؤكد ان عملية النهوض الثوري والمنظم واوكد على المنظم والواعي في هذه المرحلة لجزء او لقادة العمال، هو الكفيل بوقف هذه المحنة وبوقف تعميم الفقر والجوع وبوقف الحروب والارهاب.. هذه البداية ايضا ربما تبدأ في مدينة او بلد ما.. ولكن علمية اليوم وفي هذه المرحلة هي عملية متشابكة وغير قطرية ابدا... التجارب الاخيرة في سوريا واليمن والعراق وليبيا واوكرانيا.. تؤكد هذه التغيرات..

 

مقالات