سمير عادل

اللاجئون، سياسة الغرب والاخلاق الحميدة

منذ التحرش الجنسي الجماعي اذا صحت العبارة في ليلة راس السنة في مدينة كولن الالمانية، فأن مسالة تصرفات اللاجئين وممارساتهم اليومية تتصدر الصحف الغربية.
لقد امسى التحرش الجنسي اليوم، ظاهرة عالمية، وليس هناك بلد في العالم يخلو من التحرش الجنسي وبدرجات مختلفة. ان قضية التحرش الجنسي اي كانت مبرراتها والخلفيات الاجتماعية والدينية وحتى السياسية التي تقف ورائها فهي مدانة، ويجب سن قوانين في اي مكان في العالم تحاسب المتحرشين جنسيا وتوجه عقوبات صارمة ضدهم.
الا ان ابراز مسالة التحرش الجنسي الجماعي بهذا الحجم، التي حدثت في مدينة كولن، تقف ورائها سياسات يمينية وعنصرية معادية للاجئين. وقد نجحت تلك السياسة في سن قرارات معادية للاجئين، مثل قرار الحكومة السويدية في ابعاد 80 الف لاجئ، وقرار الحكومة الفنلندية 20 الف لاجئ، وقرار الحكومة الالمانية التي فتحت في البداية ذراعيها للاجئين في ابعادهم تدريجيا الى بلدانهم الاصلية. ان تلك القرارات كانت ستواجه معارضة كبيرة، لو لم يستغل اليمين العنصري مسألة التحرش الجنسي، وتعبئة المجتمع والراي المحلي لتسديد ضربته في طرد اللاجئين.
ان اليمين العنصري، الذي تحتمي اليوم جميع الحكومات الغربية في ظله، لمعاداة اللاجئين، استطاع طمس كل المعاناة الانسانية واخراس كل الاصوات المناصرة للاجئين وحصرها فقط بالتحرش الجنسي. بيد ان هذا النفاق الغربي بجميع تلاوينه اليمينية واليسارية في الهيئات الحاكمة لا يمكن له طمس حقيقة تنصل الانظمة الغربية الحاكمة من مسؤليتها في تزيين عالمنا بالملايين من اللاجئين والمشردين، عالم لا يمكن ان يخلو اي يوم منه من ارتكاب الاف من جرائم التحرش الجنسي والاغتصاب الجنسي، عالم يولد في كل دقيقة الفقر ويرمي الملايين من البشر في حافة العوز.
ان الدول الغربية التي شرعت في قبول اللاجئين منذ منتصف القرن الماضي، لم تكن مَنَّةٍ منها ولا تعبير عن انسانيتها المفقودة والتي لا تجدها الا في المصالح الاقتصادية والسياسية، بل فتحت ابوابها للاجئين وهي جزء من سياستها الدعائية ضد الكتلة الشرقية في الحرب الباردة من جهة، ومن جهة اخرى لاحتياجها الى العمالة الرخيصة.
ان اغراق الصحف كل يوم بمسألة التحرش الجنسي التي حدثت في مدينة كولن، هي محاولة من قبل الحكومات الغربية، في اخفاء حقيقة قوانينها التي حولت المهاجرين في بلدانها الى مناطق مغلقة "غيتوات" تحت عنوان "التعددية الثقافية". ففي بريطانيا غضت كل الهيئات السياسية الحاكمة الطرف عن القضاء الاسلامي والمحاكم الاسلامية التي تحكم لما صنفت بالجالية المسلمة. ان نشر الثقافة المعادية للمرأة هو عمل متواصل من قبل المنظمات الاسلامية في عدد كبير من المدارس البريطانية الى درجة نشرت صحيفة "تايمز" قبل اسبوعين مقال تحدث عن لسان رئيس الوزراء ديفيد كاميرون بتصريح، أنه آن الاوان ليقف ضد المواقف الرجعية للرجال من الجالية المسلمة ضد النساء. وفي الولايات المتحدة الامريكية يجري ختان الآلاف من البنات ولا تحرك السلطات اي ساكن تجاهه، وهكذا الحال في بقية البلدان الاوربية. ومن جهة اخرى ان الهيئة الحاكمة في الغرب ومن اجل مصالحها قدمت وتقدم الدعم المادي والسياسي المتواصل للانظمة الرجعية الاستبدادية في الشرق الاوسط، وتغض النظر عن كل الانتهاكات التي تجري ضد النساء بشكل خاص، بذريعة عدم التدخل في الشؤون الداخلية، وانه من الخصائص المحلية للمجتمعات، طالما لا تتعارض مع مصالحها الاقتصادية والسياسية. ولا تمحى من الذاكرة، كيف ان ادارة اوباما قدمت 300 مليون دولار دعم للاخوان المسلمين في الانتخابات المصرية، لايصال محمد مرسي الى سدة السلطة. ان الولايات المتحدة الامريكة وبريطانيا وجميع الدول الغربية دون استثناء وراء تحويل العراق الى بلد اسلامي وطائفي بأمتياز، تديره المليشيات وتحوله الى حديقة خلفية للجمهورية الاسلامية في ايران والعصابات الممولة من اسلام النفط السعودي. وهي وراء الفوضى الامنية والسياسية سواء في العراق او سورية كي تتحولا الى اكبر بلدان العالم في تصدير اللاجئين الى اوربا.
اليوم، وبعد تخريب العراق وسوريا واليمن وليبيا، من قبل الولايات المتحدة الامريكية وبريطانيا وحلفائهم الغربيين والاقليميين، مما ادى الىتحويل اكثر من نصف سكانها الى لاجئين، تستجدي العطف والامن والامان والخبز على ابواب بلدان الغرب، لا يكتفون بغلق تلك الابواب فحسب، بل يعملون على تشويه صورتهم، وتسميم اجواء المجتمعات التي هربوا لها بحثا عن ملاذ آمن، وتحويلهم الى فرائس سهلة، لانقضاض العصابات العنصرية عليهم، او في افضل الاحوال اعادتهم الى جهنم التي هربوا منها.
ان الذين يحتقرون المرأة وكارهي النساء ليسوا اللاجئين، بل هم الميليشيات الشيعية وداعش واحرار الشام وجبهة النصرة وجيش فتح وحزب الدعوة والمجلس الاسلامي الاعلى والفضيلة والحزب الاسلامي العراقي والاخوان المسلمين وطالبان والجمهورية الاسلامية في ايران والمملكة السعودية الوهابية، اولئك نشروا ثقافة التحقير والاهانة والتقليل من شأن المرأة في المجتمعات التي هرب منها اللاجئين، ولاقت دعما دوليا واقليميا من الانظمة الغربية الحاكمة. اي بعبارة اخرى ان اللاجئين هم ضحايا لسياسات الغرب.
ان المسؤولية تقع عى القوى التحررية في فضح هذه الصورة وفضح السياسات الغربية والدفاع عن اللاجئين وحقوقهم الانسانية، وعدم الرضوخ او القبول لدعايات اليمين العنصري في تشويه صورة اللاجئين من اجل طردهم واعادتهم الى بلدانهم التي ليس فيها الحد الادنى للبقاء احياء..

 

مقالات