نادية محمود

حول الفساد، النهب و-الحصانة القانونية-!

ينطلق نقد الفساد، وخاصة ذلك الموجه الى الحكومة من فرضية مفادها ان الاخيرة لم تقم بعملها كما كان يتوجب عليها، وان الحكومة يجب ان تمثل قيم العدالة، خضوعها للمحاسبة، تمتعها بالشفافية، ان تكون امينة وتمثل ناخبيها، تمثل وتعبر وتجيب على مصالح الناس. وانها ان شذت عن هذه القاعدة، فانها قد اساءت موقعها في الدولة وانها اصبحت فاسدة.
ان النقد الشيوعي لظاهرة "الفساد" لا ينطلق من الانخداع بتلك الصفات التي اسبغتها البرجوازية على نفسها وعلى حكوماتها. فلا هي شفافة، ولا عادلة، ولا هي معنية بالاجابة على حاجات الناس. ان الحكومة في دولة تحكمها طبقة من المتحكمين بالسلطة لاغراض الاثراء والسلطة والقوة، ليست معنية بقيم العدالة وتمثيل الناخبين.
ان ما يسمى بالفساد في العراق هو في الواقع عملية نهب منظم وهو يعكس قدرة وطبيعة الطبقة السياسية الحاكمة والمالكة والمسيطرة على موارد البلاد وممثليها وشخوصها على النهب والنهب وبابعاد هائلة نراها اليوم بفعل وجودها على رأس السلطة، مستعينة بالة العنف والاستبداد.
ان ما يجري في العراق له اكبر من الفساد، انه تنظيم اجتماعي- اقتصادي سياسي جديد، أسسته ورسخته القوى السياسية المتحكمة في العراق، والذي شرعت وبدأت به واسسته سلطة الائتلاف المؤقتة ومنذ عام 2003. لقد بدأ الفساد مع الامريكان الذين اثبتت التقارير تورطهم باعمال نهب لاموال كان مقررا لها "تنمية" العراق. مليارات من الدولارات سرقت عبر اعمال الفساد، مشاريع لم تنفذ، رشاوي، تهريب نفط، شركات وهمية والخ. ولم يجري التحقيق في اكبر عمليات نهب جرت في العراق. حصلت الشركات الاميركية على عقود بقيمة 138 بليون دولار. وعقدت لشركات مثل كي بي ار، هالبيرتن، التي كان يرأسها نائب رئيس الجمهورية ديك جيني، حصلت على عقد 39 مليار دولار، طاردة الشركات الاخرى من التنافس معهم او الحصول على "حصة". لقد وصفت جهات قانونية ودولية ماقامت به سلطة الائتلاف كجرائم حرب اقتصادية.
لقد قامت سلطة الائتلاف المؤقتة منذ عام 2003 وبمسؤولية بول بريمر، باعمال فساد ونهب لا نظير لها. ولحماية اللصوص والمتورطين في هذه الاعمال، شرعت تلك السلطة قانون "الحصانة" لكيلا يتعرض المتورطين في اعمال النهب والفساد لطائلة القانون. الحصانات التي اقرتها سلطة الائتلاف شملت" قوات التحالف، اشخاص التحالف، المتعاقدين مع التحالف، المتعاقدين الفرعيين معهم، مما فتح الباب على مصراعيه للفساد. كل هؤلاء كانوا "محصنين" من اية ملاحقات قانونية، وخاصة في الصناعة النفطية.
استكمالا وتكريسا لهذا ألتقليد والنظام، دأبت الطبقة السياسية "المحلية" على اعمال النهب والسرقة لثروات البلاد. لقد اختفى من صندوق تنمية العراق الذي أنشئ عام 2003، وفي نفس العام 17 مليار دولار. لقد جنى العراق بين 2006 و2014 قرابة 700 مليار دولار بفضل النفط, على الرغم من أن فائض موازنات العراق لتلك ألفترة بلغ 154 مليار دولار إلا أنه لم يبق من هذه الأموال سوى 5 مليارات دولار. فقد تبخرت المليارات الى جيوب الطبقة الحاكمة، تاركة الناس تعيش في بؤس وبطالة وانعدام خدمات. في عهد رئيس الوزراء السابق نوري المالكي اهدر نحو 350 مليار دولار، وفقا لتقارير وزارة التخطيط العراقية. ولم تقدم في عام 2014 الموازنة الاتحادية لأسباب غير معروفة لحد الآن, وقد ضاع في ذلك العام لوحده أكثر من 150 مليار دولار صرفت عن طريق السلف ولم تتم تسوية معظمها حتى اليوم.
ورغم تشكيل هيئات التفتيش والنزاهة الا ان الاخيرة كانت عاجزة تماما عن ان تسيطر على نهب طبقة مستفيدة من مواقعها السياسية للنهب. لقد حققت هيئة النزاهة في زمن القاضي الراضي ب 2600 قضية فساد، فقط 17 حالة منهم احيلت الى المحاكم المركزية العليا. ان هيئة النزاهة لم تتمكن من حماية نفسها، فقد قتل من موظفيها ما يقارب ال20 عضوا، واخرون يتلقون وبشكل منظم تهديدات بالقتل. فاي قضاء ستطبق؟ لقد اجهدت مراكز ابحاث واستشارات الحكومات الغربية نفسها بدراسة وتحليل ظاهرة "الفساد" في العراق بابتداع استراتيجيات جديدة لمحاربة الفساد في العراق الا ان ابحاثهم لم تجدي نفعا. كذلك، مبادرة المليون توقيع من اجل انهاء الفساد، رغم كل نواياها الصادقة والتي تتطلع الى القضاء الى انهاء الفساد، الا انها لا يمكن ان تجعل الحكومة تثيب الى رشدها. فهل يمكن بمليون توقيع، ايقاف هذا الكم الهائل من النهب؟ والان، وبعد انخفاض اسعار النفط، ومع تبخر واختفاء المليارات التي نهبت من الدولة في السنين الاخيرة، يعقد العبادي العزم على توفير 150 مليار دولار لميزانية الدولة من بيع منشات وممتلكات الحكومة لمن يشتري. فكم من هذه ال150 مليار ستتبخر، كما تبخرت اموال النفط، والى اين سيمضي جلها؟ وبعد ان تتم تصفية ممتلكات الدولة، من اين ستمول الدولة نفسها؟ خاصة وان بقيت اسعار النفط في انخفاض؟ ان هذه الدولة اللصوصية هي دولة "اخربها واقعد على تلتها"!
للقضاء الحقيقي على الفساد والنهب يجب القضاء على هذه الطبقة التي ديدنها النهب والسرقة والفساد، ولا يمكن ان تقوم لها قائمة بدون السرقات. انها تتخذ شكل احزابا، ميلشيات، عشائر، رجال دولة، برلمانيون، وزراء، مدراء، موظفين.. والخ. لا يمكن انهاء الفساد مع بقاء هذه الاحزاب التي جربت لاكثر من خمسة عشر عاما.
من المؤكد ان القضاء على الفساد يستدعي ما هو اكبر من جمع مليون توقيع، وما هو اكثر من استراتيجات يضعها باحثون يستلمون رواتبهم من مؤسسات الابحاث الممولة من الحكومات او المؤسسات الغربية.

 

مقالات