عادل احمد

الدروس والتجربة العمالية في الثورة التونسية والمصرية

عندما اندلعت شرارة الثورة التونسية في ديسمبر من عام 2010 وكذلك الثورة المصرية في يناير من عام 2011، كان الفقر والبطالة والجوع هو العامل الرئيسي لاندلاع الثورتين بالاضافة الى السلطة الاستبدادية والتي كانت تقمع الجياع بأستمرار. ان العامل الرئيسي والدوافع الرئيسية كانت الوضع المأساوي لاقتصاد البلد ومعيشة الجماهير المحرومة من وراء هذا الاقتصاد، حيث تتجمع الثروة الهائلة عند سلاطين المال والاغنياء ومقربي السلطة الحاكمة من جهة، والفقر المدقع والبطالة المليونية وصعوبة العيش وانخفاض الاجور لعامة الجماهير من جهة اخرى. عندما نزلت الجماهير الى الساحة كانت بدافع الجيوب الخالية والبطون الفارغة وفتحوا صدورهم لرصاصات السلطة الحاكمة من اجل القضاء على الجوع والحصول على الخبز للاطفالهم. كان هذا الدافع الرئيسي في ثورتي تونس ومصر.
لكن وعندما اندلعت الثورة ونزلت الجماهير الى ساحة المواجهة من اجل حياة افضل، ياتي موضوع حسم السلطة كنتاج لهذه الثورة العناوين الرئيسية في كل لحظة من عمر الثورة. وكانت اللعبة بين الفريقين الخصمين والمتضادين الرئيسية، الاول الجماهير المحرومة أي الطبقة العاملة والكادحين والثاني الاغنياء والطبقة الرأسمالية والحاكمة الفعلية. ان كل عمر هاتين الثورتين كان الصراع بين هذين الفريقين. والقوة دائما تكون بجانب الفريق المنظم والمستعد اكثر للمنازلة، بما ان فريق الاغنياء يمتاز بقوة رأسماله وجيوشه وقوة بنوكه ومساندة الاغنياء من الدول الاقليمية والعالمية له، تمكن من جر الصراع لصالحه ولافقه السياسي. وان تأريخ السنتين بعد هذه الثورات كانت تأريخ ترسيخ افق طبقة الاغنياء واصحاب المال والاقتصاد. وان تأريخ هاتين السنتين كان ايضا تجريد الجماهير الثورية من حماستها وارادتها وقمع محاولاتها لتحسين معيشتها وبناء عالم افضل. وقد خسرالفريق الاول جميع المباريات على الرغم من ابداء الموقف البطولي والتضحية بدمائهم واموالهم.. وذهب مع الريح. ليس هذا وحسب بل وازداد الفقر والبطالة اكثر ووأشتد وأنتشر الجوع اكثر، بالاضافة الى قمع واستبداد اكثر عقابا لما فعلوا بسلطة المال وحاولوا توزيعها بين الفقراء.
ان تجربة هاتين الثورتين التونسية والمصرية تثبت شيئا مهما في يومنا هذا، وهي النزول الى ساحة المباريات تحتاج الى الفريق المنظم والمستعد لجميع المواجهات، والاكثر حزما من الفريق الأخر لاحراز النصر والتمسك بلقب البطولة كما في اللعبة الرياضية. ان نزول الطبقة العاملة والجماهير الكادحة والثورية بدون صف منظم وبدون اداة تنظيمية ونضالية، وبدون قيادة موحدة وحازمة من الصعب جدا وحتى شبه مستحيل ان تحرز النصر في مباراتها مع الطبقة المنظمة اقتصاديا وسياسيا اكثر منها. ونحن الشيوعيين العماليين في العراق قلنا في بداية الثورة للعمال التونسيين والمصريين، بأن قبل كل شئ وقبل اي تحالف ابدؤا بتنظيم قواكم الطبقية، وقلنا ان العناصر المضادة ليس الاسلاميين فقط وانما الجيش والقوى الامنية هي القوة الفعلية والمضادة لثورتكم، ولا تتوهموا بأية قوة غير قوة ارادتكم المليونية. وبالفعل جاءت تنبؤاتنا وتحذيراتنا من مسير الثورة في محلها. والان ازداد الوضع الاقتصادي والمعيشي سوءا اكثر من قبل وازداد القمع والاستبداد اكثر من قبل، وقد ربح فريق الاغنياء مرة اخرى امام فريق الفقراء.
ان هذه التجربة ضرورية جدا للطبقة العاملة في المنطقة والعراق بشكل خاص. ان في الوضع الحالي لعموم العراق وكردستان والذي تفاقم فيه الجوع والفقر والبطالة وتفشى الفساد، بالاضافة الى السلطة القمعية للمليشات الاسلامية والطائفية والقومية المتنوعة، كلا في مناطق نفوذهم، يحتاج التمعن اكثر بتجربة الثورة التونسية والمصرية واستخلاص التجارب والدروس منهما. ان في العراق وكردستان تمتاز الطبقة العاملة بوجود حزب طبقي وشيوعي وعمالي والذي لم يكن موجودا في تونس ومصر، ولكن نحن نفتقر الى الوضع الثوري والذي كان موجودا في حالتي تونس ومصر. وان الحلقة المفقودة في وضعنا الحالي في العراق هي كيفية المواجهة بحربنا الطبقية مع هذه الوضعية الماساوية والغير ثورية. وان استراجيتنا في العراق تختلف مع استراتيجية بقية البلدان الموجودة حولنا. نحن لا نواجه حكومة معينة في العراق ولا نواجه انظمة سياسية وفكرية معينة كي يكون "الاسقاط" استراتيجية مرحلتنا، بل نواجه سلطة الميليشيات الاسلامية بشقيها السني والشيعي والميليشيات القومية بشقيها العربي والكردي وكل حسب مناطق نفوذه وسلطته. ان استراتيجيتنا يجب ان تكون ضربة لكل البدائل والافق السياسي والاجتماعي للاسلام السياسي والقومي. ان هذا المشروع ليس سهلا ولكن لا يوجد خيار اخر.
ان نهوض الجماهير الى الوضع الثوري يحتاج الى انهاء سيطرة الافق السياسي الحالي للاسلام السياسي والقومي من مصادره. وان هذا العمل الجبار لا يمكن الا بوجود التنظيم الجماهيري الواسع النطاق وبوجود حزب سياسي وطبقي مقتدر ذو افق سياسي وانساني، وذو قيادة موحدة ومنظم لاكثر القادة العماليين والميدانيين، والقادة الاجتماعيين في ميدان الصراع الاجتماعي والسياسي في المجتمع. ان التأريخ لا يرحم احدا، ولا يرحم اخطاء الاحزاب والفرق السياسية ولا ترحم ضياع الفرص المتتالية.. يحتاج المجتمع ان نلعب بالحديد وهو حار والتاريخ لايغفر لأحد. حان الوقت ان نفكر بجدية لمصير ملايين العمال والكادحين في الوضع الراهن.. يوم بعد يوم تزداد المعانات وانفلات المجتمع نحو الهاوية ولا مجال للانتظار وتسليم مصير الملايين الى القدر المحتوم، بل نحتاج الى استراتيجية واضحة المعالم من قبل حزب طبقي مثل الحزب الشيوعي العمالي العراقي والكردستاني، لاخراج المجتمع من المستنقع البرجوازي والنهوض بالمد الثوري والجماهيري واحراز النصر لجماهير العمال والكادحين في المباراة المصيرية.

 

مقالات