سمير عادل

في العراق، ماذا وراء ازمة اسعار النفط

كل اكاذيب حكومة العبادي والبرلمان حول الازمة المالية، تختبئ وراء عنوان، وضع له رتوش، وخط باللون الاحمر، وسمي "بانخفاض اسعار النفط". الا ان انخفاض اسعار النفط ليس الا وصفا باهتا ومخادعا للازمة السياسية العميقة التي يمر بها العراق.
ان الازمة المالية هي في حقيقتها ازمة اقتصادية ملازمة للنظام الرأسمالي وهي دورية تحدث كل فترة زمنية بين ٨-;--١-;-٠-;- سنوات، كما حددها كارل ماركس، وربما تطول أكثر او اقل، ولكنها تبقى حتمية لهذا النظام الاقتصادي. وأقرب ازمة مالية مرت هي ازمة ٢-;-٠-;-٠-;-٨-;- والتي لم تستفيق منها العالم الى هذا اليوم. وحين ضربت تلك الازمة الولايات المتحدة الامريكية ثم تبعتها بلدان اوربا، خرج علينا فطاحل الاقتصاد العراقي امثال حسين الشهرستاني ونوري المالكي وعباس البياتي ليقولوا لنا، بأن الاقتصاد العراقي محكم ومحصن ولا تصل اليه الازمة، متناسين بغباء مطلق، بأن العراق ملحق بالاقتصاد الرأسمالي العالمي وان اقتصاده احادي، ولا يشغل موقعه في التقسيم الرأسمالي العالمي للإنتاج غير صناعة النفط، وان الازمة ستجتاحه بشكل أعنف من بقية بلدان العالم، ولكن هي مسألة وقت.
لنعود الى العنوان الذي تختبئ ورائه حكومة العبادي وكل فاسدي العملية السياسية، وهو انخفاض اسعار النفط، فهو أفضل وسيلة للتستر على كل سرقات السنوات العجاف وانعدام الامن والامان وتعويم حياة الاحياء من الذين حالفهم الحظ في البقاء على قيد الحياة في "العراق الجديد".
كان فائض الميزانية العراقية في عام ٢-;-٠-;-٠-;-٩-;- هو ٥-;-٠-;- مليار دولار كما ذكره في حينه مكتب المحاسبة الامريكي واشار اليه المسؤولين في الحكومة العراقية "ولا ندري اين ذهب الفائض المشار اليه"، بينما لم يطرا اي تحسن على الوضع الخدمي ولا المعيشي للمواطن. فظلت مشكلة الكهرباء واحدة من ألغاز القرن الواحد والعشرين، واصبحت معضلة مياه الصرف الصحي وتراكم النفايات والأزبال في الازقة والاحياء السكنية والعامة وعدم تحديث الشوارع أكبر معضلات البلدان النامية، وامست قضية اتساع رقعة البطالة والمراوغة بين الحين والاخر في عدم دفع رواتب العاملين في مصانع ومعامل وزارة الصناعة واحدة من تكهنات الابراج التي تتغير كل يوم حسب مزاج المنجم الفلكي، وظل منحني التدهور الصحي وانتشار الامراض السرطانية والاوبئة بالتصاعد، الى حد اصبح العراق ينافس البلدان الافريقية على الصدارة، وتفشي الامية والجهل عاد، ليصطاد في مستنقعه القوى الاسلامية وتستثمر فيه رأسمالها السياسي والاجتماعي بسخاء. واليوم وبعد ان بلغ العجز في ميزانية ٢-;-٠-;-١-;-٦-;- أكثر من ٢-;-٠-;- مليار دولار او كما هو معلن ٢-;-٣-;- ترليون دينار بسبب انخفاض اسعار النفط، فمن الحماقة ان يحلم المرء بأن هناك امل في حل تلك القضايا وان يلحق العراق بركب الحدود الدنيا بالمدنية والحضارة في العالم في ظل نفس النظام السياسي-الاجتماعي القائم.
بيد ان المشكلة الحقيقية لا تكمن في مسألة انخفاض اسعار النفط، فهي ظاهر المشكلة، اما المحتوى الاصلي هو الصراع السياسي المحتدم بين القوى القومية والطائفية على السلطة والنفوذ والامتيازات. وان اسس ذلك الصراع هو المنافسة بين تلك القوى وتبوء مركز مرموق في نظام المحاصصة. وان تلك المحاصصة-الصراع هو الذي اوصل جماهير العراق الى فقر مدقع. ولذلك نجد ان سياسة التقشف في احدى اوجهها عدم المساس بحصة وامتيازات كل حزب وطرف سياسي في العملية السياسية المبنية على اسس المحاصصة. فاستقطاع رواتب ومعاشات العمال والموظفين وصولا الى المتقاعدين هو طريقة ملتوية لعدم المساس بالامتيازات التي تستحوذ عليها تلك القوى السياسية الفاسدة في العملية السياسية.
ان بلد يختفي فيه عشرات المليارات من الدولارات منذ عام ٢-;-٠-;-٠-;-٣-;- وفي ظل حكومات متعاقبة ببريمرها وعلاويها وجعفريها ومالكيها واخرها العبادي، لا يمكن تبرير الازمة الاقتصادية والمالية وحصرها بانخفاض اسعار النفط. ان انخفاض اسعار النفط في الحقيقة قلل من حجم السرقة وضيق من دائرة الفساد، وهذا ما دفع حكومة العبادي ودون اية رحمة، بالاستقطاع من المعاشات والرواتب للعاملين في العراق، لسد ليس عجز الميزانية بقدر سد عجز السرقات والفساد.
ان الازمة الاقتصادية والسياسية التي يعانيها العراق هي في باطنها ازمة سياسية عميقة تعيشها السلطة السياسية في العراق، او بالأحرى سلطة الاسلام السياسي. وان القوى العالمية مثل الولايات المتحدة الامريكية ومؤسساتها المالية مثل صندوق النقد الدولي والبنك الدولي وصندوق التنمية الامريكي، تحاول انقاذ تلك السلطة الفاسدة، بتحميل الازمة المذكورة على كاهل جماهير العراق وعلى حساب امنها، عن طريق مشاريعها السياسية والاقتصادية. فالسياسية هي تقسيم العراق الى فيدراليات قومية وطائفية لحل مشكلة المحاصصة - المنافسة بشكل نهائي، واقتصادية عن طريق فرض السياسة الليبرالية التي تحدثنا عنها مرار على سطور هذا العمود.
ان الطريق لفرض التراجع على حكومة العبادي وسياستها التقشفية، هو في التحول من الخندق الدفاعي الى الخندق الهجومي على سياسات حكومة العبادي وتشريعات البرلمان الاقتصادية، وطرح بديل لسياستها التقشفية، وهي الغاء جميع المراكز والمناصب الشكلية التي اوجدت بفعل نظام المحاصصة مثل المدراء العامين ووكلاء الوزراء، والغاء جميع امتيازات الوزراء واعضاء البرلمان والرئاسات الثلاثة، وتحديد رواتب جميع المسؤولين في الحكومة من وزراء واعضاء برلمان براتب لا يعدو راتب عامل ماهر في العراق، وانشاء صندوق تذهب اليها عائدات النفط وبقية الموارد الاخرى يشرف عليها ممثلي العمال والموظفين والمتقاعدين لتحدد نفقات الدولة ونفقات حربها للقضاء على عصابات داعش. ان حكومة لا تتمكن في ادارة معيشة مواطنيها وتوفير الامن والامان لهم، وبرلمان يعتاش على كد وعرق العمال والموظفين يفقد شرعيته ولا مكان له في المجتمع.

 

مقالات