نادية محمود

تنويع الاقتصاد العراقي، ام ازالة هذا النظام الاقتصادي؟

من المعلوم ان اعتماد اقتصاد اية دولة على سلعة واحدة، وخضوع قيمة هذه السلعة لقوانين السوق العالمي من العرض والطلب، يعني ان حياة المجتمع تصبح على كف عفريت، حيث ترتهن معيشة وأمان الملايين على اسعار تلك السلعة في السوق انخفاضا او ارتفاعا.
لطالما نسمع بان مشكلة العراق هي اعتماده على النفط وعدم تنويعه لمصادر الدخل، اي انه اهمل الزراعة والصناعة، كموارد للدخل. في هذه المقالة القصيرة اريد ان اوضح بان المشكلة هي اكبر بكثير من ان العراق لا يقوم "بتنويع مصادر دخله". ان المشكلة تكمن في التحاق العراق بالسوق العالمي، وان طبقته السياسية الحاكمة هي جزء من الرأسمالية العالمية، وان مطالب الجماهير وتطلعاتها بالامان الاقتصادي، ضمان المعيشة، لا يشكل لها اية قضية، وليس مسالة "تجاهل" الحكومة للصناعة والزراعة".
نظرا لامتلاك العراق سلعة النفط الان وفي المستقبل ايضا، فان دوره في السوق العالمي هو تزويد السوق بهذه المادة. فالعراق، وفقا للتقارير الاقتصادية، لم يكتشف غير 10% من ما هو كامن تحت ارضه. فالعراق يجلس على بحر من النفط. بامتلاكه هذه السلعة، العراق هو جزء ملحق بالرأسمال العالمي وخاضع لقوانينه.
من جهة ثانية، وضمن وفي اطار عالم رأسمالي معولم وتحول العالم الى سوق واحدة لا تعرف الحدود، العراق تحول الى مستهلك للبضاعة الاجنبية. هذا هو التقسيم لمكانة العراق في السوق العالمي. من هنا، وامام المنادين بتنويع اقتصاد العراق، وخاصة البنك الدولي الذي يذرف دموع التماسيح لكون العراق يمتلك "بيئة معادية" للاستثمار والبزنس والقطاع الخاص، يمكن طرح السؤال: كيف ستنجح اية بضاعة عراقية بالمنافسة مع بضاعة الاجنبية، سواء كانت زراعية او صناعية؟ والحدود مفتوحة، والبضاعة الاجنبية تصل الى المستهلك المحلي باسعار اقل، وهي اقدر على المنافسة من البضاعة العراقية، من قناني الماء الى السيارات؟ ونحن نعرف ان بعض الصناعات العراقية تستورد بعضا من موادها الاولية من الخارج مما يجعل كلفة انتاجها اغلى. لذلك فان امر تطوير الصناعة في العراق او الزراعة وجعلها تنافس البضاعة الاجنبية، امرا بحاجة الى التحقق من امكانية حدوثه في ظل عالم تبذل فيه البضائع وباسعار رخيصة.
من جهة اخرى، وهي الاهم، اكتفاء وقناعة الطبقة السياسية الرأسمالية الحاكمة في العراق بهذا الدورين للعراق. لماذا تلتفت هذه الطبقة اساسا الى "تنمية" الصناعة او الزراعة؟ وهي التي تحتكر السيطرة على موارد النفط، وتجني المليارات من الدولارات سنويا باسرع واقصر الطرق وهو متوفر ومضمون؟ ان الطبقة الرأسمالية ليست غبية على الاطلاق حين يتعلق الامر بتأمين الارباح وملأ جيوبها. فاذا ماكانت محظوظة ان تجلس على بحر من النفط، وتغرف المليارات من خياراته، لماذا تذهب الى الانشغال بقطاعات اخرى، مثل انتظار مواسم الزراعة وتطوير الزراعة ؟ انها ليست غافلة وبحاجة الى التنبيه والى النصح.
ان نتائج اندماج العراق بالسوق الرأسمالي العالمي، من اعتماده على انتاج وبيع النفط، وعدم قدرته على المنافسة مع البضاعة الاجنبية ادت الى ان تنال الجماهير والمجتمع، بالضرورة، باكملة "ثمار" هذا النظام. فالبطالة مليونية، ومعدلات الفقر تطال ربع سكان المجتمع، والتعليم، حدث ولا حرج، وانعدام الخدمات والصحة والضمان الاجتماعي والخ.
الا ان العلة لا تكمن في "خطأ" الحكومة في الاعتماد على النفط، وعدم "تنويعها" مصادر الاقتصاد. ان بيع النفط يوفر اقصر الطرق لها لتامين ارباحها وهذا هو الهدف الاساسي من حربها للوصول الى سدة الحكم. ان العلة تكمن في النظام الرأسمالي الذي تحكمه هذه الطبقة اليوم. لاالعراق قادر على ان يطور قطاعاته الاقتصادية الاخرى، نظرا لاندماجه بالسوق العالمي، ولا معنية اصلا الحكومة بهذا الجانب. ان الحكومة ليست جمعية خيرية تستهدف العناية باحوال الناس، ولا هي وسيط بين او فوق الطبقات، ولا هي جهة ادارية، وظيفتها توزيع الثروات بالقسطاط. انها طبقة تستهدف الحصول على الارباح. وهي موجودة على قمة السلطة بقوة الحديد والنار، لتامين هذا الهدف.
لقد اصدرت "ادارة معلومات الطاقة" وهي المعنية بالتنبؤ لاسعار النفط للعقود القادمة منذ حزيران 2012، تقريرها مؤكدة بانه نظرا لانخفاض الطلب على النفط بسبب الازمات الاقتصادية في العديد من دول العالم، وزيادة العرض عن الطلب، فسيكون هنالك انخفاض لاسعار النفط. الا ان الحكومة العراقية ورجالها كانوا مبتهجين بتوقيع عقود جولات التراخيص، ويعلن الشهرستاني متباهيا بان العراق سيزيد انتاجه الى 10 ملايين برميل باليوم بحلول عام 2017. دون ان يذكر، وهو وزير نفط، بان اغراق السوق بسلعة ما، سيؤدي الى خفض سعرها بالضرورة، وان السوق العالمي ليست رهن لاشارة الشهرستاني لااستقبال ملايينه العشرة من براميل النفط، دون ان يؤدي ذلك الى احتمالية انهيار اسعار النفط. الزيادة في الانتاج والضخ، وفق قوانين ذلك السوق، لن يؤدي بالضرورة الى تراكم الخيرات، بل قد يؤدي الى الكساد، والى انخفاض الاسعار. ذلك هو قانون السوق. خاصة وان زيادة انتاج العراق من النفط وضخه للاسواق لا يخضع لمقررات الاوبك. الا ان الحكومة واحزابها ليست معنية بهذه القراءات المستقبلية في دولة هي في عداد الدول الاكثر "فسادا" في العالم، مادام ذلك يدر عليها ارباحا.
ان النظام الرأسمالي، الذي تشكل الطبقة الحاكمة في العراق جزء منه، قائم على مبدأ اساسي وجوهري هو سرقة جهد البشر، وبالتاكيد سرقة المواد الطبيعية. فلا التنبؤات والاحصائيات تعنيها بشيء، وهي تعالج امر كل يوم بيومه. فقانون الربح هو اولا، هو الطاغي على هذه الطبقة. يطلق البعض على البلدان الغنية بالنفط على انها مصابة بما يسموه "لعنة النفط". انها في الحقيقة، "لعنة الرأسمالية" التي ابتليت بها البشرية.
ان هذا هو امرنا في العراق، موضوعنا، جبهة الحرب الحقيقية مع النظام الرأسمالي في العراق. في العراق يعيش الملايين تحت خط الفقر والبطالة، الشباب لا يجدون وسيلة لتأمين معيشتهم غير الالتحاق بالميلشيات، او حتى الانتحار، وازدياد الفقر وغيره يضع حياة الملايين في خطر حقيقي.
وبدون تدخل الطبقة العاملة والعاطلة عن العمل المنظم والسياسي لازالة هذه الطبقة من سدة الحكم، واحلال نظام حكم بديل اخر معني ومنتخب من الجماهير ولاجل الجماهير ذاتها، سيكون المستقبل اكثر كارثية.

 

مقالات