شاكر الناصري

عن سعادة الإمارات وتسامحها!

تابعت ما كتب عن الوزارات الجديدة التي أعلن حاكم دبيّ عن إيجادها قبل عدة أيام، "وزارة السعادة" و "وزارة التسامح". تابعت الإنتفاخ المريع والمتواصل لدى من يمارسون الجلد الذاتيّ والعلنيّ لأنفسهم، وفي كلّ حين، وكأنهم يتحملون كلّ خطايا وإنتهاكات وأزمات العالم الذي نعيش فيه!

بعضهم، تماهى كثيراً مع وقع الخبر ونعومة من أطلقه، فراح يكيل المديح للديمقراطية الإماراتية وللتجربة الفريدة والمعطاء لزايد وأتباعه!. يحترمون شعبهم ويعملون من أجله، هكذا أصبح الأمر وردده من تعجبه فخامة الأبنية وبريق الأبراج العالية، وكأن هذه الدولة واحة الديمقراطية وجنة الحقوق الواعدة، حتّى بتنا نشعر بأن تجارب الدول الأوربية بهذه الخصوص، أقصد الديمقراطية، والانتخابات، والتبادل السلميّ للسلطة ...الخ، باتت عرضة للنقد والمراجعة بفعل فتوحات حكام الإمارات!!

لا أدري عن أية سعادة و تسامح يتحدثون؟؟ من المعني بهما أصلاً؟؟ المواطن الإماراتي الأصلي والأصيل!!، أم الوافد والعامل أو أصحاب الشركات الكبرى والاستثمارات وغسيل الأموال والمتاجرة بالبشر، النساء خصوصا؟؟ هل سيكون العامل الأسيوي الذي يحصل على بضعة دولارات في الشهر، ويحشر في أكواخ مريعة، ضمن حدود السعادة والتسامح التي سيرسمها حاكم دبي عبر وزارته الشابة، أم أنه سيكون، كما المعتاد، عرضة للطرد والتهجير القسري واستلاب الحقوق ما أن يعبر عن شكواه من وضع بشع ولاإنسانيّ؟؟. تقارير المنظمات الدوليّة المعنية بحقوق الإنسان بخصوص الإنتهاكات في دولة الإمارات ليست خافية على أحد وفيها إثباتات كبيرة وكثيرة على مقدار البؤس والدونيّة التي تتعامل بها السلطات مع الوافدين والعمال!

لا نريد أن نبخس حق الإمارات فيما تحقق من تطور عمرانيّ وتكنلوجيّ وماليّ وعلميّ دفعها لأن تكون وجهة لرؤوس الأموال والشركات الكبرى العابرة للحدود والقارات والنموذج العملي للعولمة الاقتصادية، مقرونة برغبة حكام هذه الدولة لتحويل دولتهم إلى وجهة عالميّة ومحطة عبور وصفقات خيالية وتجارة محميّة مهما كانت تجاوزاتها وإختراقاتها للإتفاقيات المعمول بها..!!!. كلّ صاحب ثروة ونفط يمكنه أن يفعل مثل ما فعلوا في الإمارات وربّما أكثر لو انه تصرف بحكمة وعقل وحظي بالموافقة والقبول من أمريكا والغرب عموماً!!

لكنّنا نتحدث عن الأفواه التي فُغرت وإعتادت على ذلك ما أن تسمع عن واقعة وحدث مختلف ومغاير لحالة البؤس والخراب والدمار الذي تعيش وسطه. نسبة كبيرة من العراقيّين وجدوا في اعلان حاكم دبي عن وزاراته الجديدة فرصة لإسقاط الوضع، والحالة، والتمنيات على العراق، وهذا حقهم طبعاً لأنهم يعيشون في مكان يطوقه الجحيم من كلّ جانب ويكتون بنيرانه في كلّ حين، مكان لايصلح للحياة الآدميّة، فما بالك بالكرامة والأمن والحريات والحقوق والمستقبل والرغبة بالعيش الكريم...الخ!!، فما يقدمه نظام المحاصصة الطائفية في العراق وقواه الفاسدة والإجراميّة لن يصلح لأن يكون موضع تفاخر أو قياس وتشبيه مع تجارب دول اخرى، بل هو موضع شعور بالعار وتلمس لحجم الكارثة الهائلة التي حلت بالعراق!

ثمة عُرف ثابت وراسخ في دولة الإمارات، إفعل كلّ شيء، لكن لاتقترب من الخطوط الحمراء التي باتت معلومة لدى الجميع، السياسة، العوائل الحاكمة، الدستور، السلطة، الانتخابات...الخ، فهذه أشياء لاتعنيك لأنها من علم الحكام وحدهم ومن صلاحياتهم التي لايحق لك مناقشتها والسؤال عنها!!. الحكام هنا هم أولي الأمر الذين لايحق لأحد من الرعايا والأتباع مناقشتهم أو حتّى مطالباتهم دون تذلل وشعور كامل بالدونيّة! من يتحدث عن طبيعة النظام السياسي في الإمارات سيكون عرضة للتجريد من الجنسية والسجن والتعذيب والتسقيط السياسيّ والاجتماعيّ، حتّى وإن كان من رعايا الدولة نفسهاّ!

حين نتحدث عن الدستور، وطبيعة النظام السياسي، والانتخابات والتبادل السلميّ للسلطة، المواطنة والحقوق والحريات الفردية والمدنيّة...الخ ، فإننا نتحدث عن مقومات دولة يمكن أن توفر الحد الأدنى من قيم التسامح والإحترام والقبول بالاختلاف والمعارضة السياسية والاجتماعية وإشعار المواطن بأهميته وقدرته على المشاركة الفاعلة، ليس في تكديس الأموال واستعباد العامل الوافد، بل في رسم مصير ومستقبل الدولة التي يعيش فيها!. هل نجد كلّ هذا في دولة الإمارات؟؟

 

مقالات