نادية محمود

التغيير.. اي تغيير؟

الان الكل ينادي بالتغيير! رئيس الوزراء من حزب الدعوة يعلن عن عزمه بالشروع بالـ "تغيير" وذلك عبر تعيين "تكنوقراط" واكاديميين بدلا من الوزراء الحاليين مؤكدا للكتل السياسية ان ذلك سيتم بموافقتهم متوقعا واملا في تعاونهم معه. داعيا الكتل لطرح اسماء مرشحيها من" التكنوقراط" لكي يتمكن ان يستنقي من بينهم وبمعونة لجنة خبراءه.
المجلس الاعلى يرحب بـ "التغيير"، الا ان ما يريد معرفته فقط هو اسماء "التكنوقراط". فالمحاصصة يجب ان تؤخذ بنظر الاعتبار في حالتي العزل والتعيين والا سينفرط عقد التوازن والمحاصصة مقتدى الصدر من ناحيته، يطرح مشروعا للاصلاح معطيا الحكومة 45 يوما للشروع بالتنفيذ والا سيعاقب الحكومة بسحب اعضاءه (عدا سرايا السلام، باعتبارها ليست سياسية!؟).
المرجعية ايضا "غيرت" اسلوب عملها واعلنت عن عزمها بالكف عن التصريحات السياسية الدينية في خطب الجمع الاسبوعية نظرا لـ"انبحاح صوتها" من مطالبتها الحكومة بالتغيير, والاخيرة لا تصغي اليها، مقررة انها ستقصر خطابها على ما هو ضروري فقط. مستبدلة تلك الخطب باحاديث مقتبسة من تجارب التاريخ حول اصول الحكم الصحيح. حسين الشهرستاني لم يفته اعلان موافقته على "التغيير"، فقد وضع استقالته مقدما على طاولة العبادي في حالة اذا احتاجها الاخير.
هل هذا التعهدات والتصريحات تطمئن ألملايين العاملة والعاطلة بان "التغيير قادم"؟
منذ تموز العام الماضي والناس تتظاهر مطالبة بالتغيير، ولكن لننظر كيف استجابت الحكومة الى تلك المطالب: تخفيض سلم الرواتب، ايقاف التعيينات، عدم صرف اجور العمال للعاملين في البلديات والخدمات والصحة. تحميل الموظفين ضرائب الدفع للحشد الشعبي، والكهرباء لم توفر، ولن توفر للصيف القادم واعتقالات واختطافات.
الحكومة الرشيدة والتي أرتنا نباهتها في جولات التراخيص، حين اكرمت الشركات الاجنبية بدفع 22 دولار لكل برميل نفط، في حين كان لا يكلف اكثر من دولارين في اقصى تقدير من قبل العاملين في شركة النفط العراقية، تتوسل الان الى تلك الشركات تخفيض التكاليف، والاخيرة تماطل وتطالب بتمديد العقود ل50 عام بدلا من 25 عاما كما جرى الاتفاق!
لم تتعظ الحكومة من الدرس، فها هي تعيد "جولات التراخيص" مع وزراة ألكهرباء. الوزارة ضمن خطتها لخصخصة الكهرباء تريد التعاقد مع ألقطاع الخاص ليقوم بتوزيعها للمواطنين، متوقعة انها ستوفر اموالا للدولة باعتبار ان القطاع الخاص سيقوم بوضع عدادات على البيوت مما يضطر المواطن للاقتصاد في استخدامه للكهرباء. والسؤال هو لماذا لا تقوم هي بذلك؟ وهل هذه خصخصة؟ الخصخصخة هي ان يجري التعاقد مع الشركة لتقوم بالعمل كله، لا فقط بتنفيذه جزئيا. ما الحاجة الى الشركات الوسيطة؟ ومن اين ستنزع الشركات الوسيطة ارباحها؟ من جيب المواطن او من ميزانية الدولة. من سيستفيد من هذا "التغيير"؟ المواطن ام القطاع الخاص؟ يصرح وزير النفط، وهو واقفا مكتوفي الايدي ممتنعا عن تسمية اي احد او اية جهة بما نعرفه جميعا: ان النفط يجري تهريبه، وان العدادات ليست على مايرام، وان التهريب يتم عبر الخليج، وان تلك " الجهات" تستفاد من الفروقات في اسعار النفط. وسؤالنا لحكومة " التغيير" ومالذي تنتظروه؟ لماذا لا تتحركوا؟ لماذا لا تقوموا بشيء؟ لماذا لا تتصرفوا؟ انهم خائفون حتى من ذكر الاسماء. انتم لا تحتاجون الى "تغيير" اي شيء، ان القيتم القبض على المهربين! انها مسؤولية اي دولة بكل بساطة.
هذه حكومة يخاف ويرهب بعضها البعض الاخر، ولا يجرؤ احدهم على المس بمصالح الاخر. لان المساس بمصالح الاخر، سيهدم المحاصصة و"العملية السياسية" على روؤسهم. وما لا تحسمه المفاوضات، ستحسمه قوة السلاح او التدخلات الايرانية.
فعن اي تغيير يتحدث العبادي، والحكيم، والصدر والمرجعية. ليس هنالك من تغيير. انها ذات الكتل السياسية والاحزاب التي دفعت المجتمع الى هذا المصير المأساوي، انها لعبة تبديل الكراسي لا غير. انه اعلان حكومة محتارة في امرها نفسها. قبل ان تكون حائرة في امر هذا المجتمع الذي "تحكم"، وعاجزة عن كل شيء، اللهم حماية مصالحها ومداراة معيشتها.
لقد تحدث ماركس ايضا عن "حثالة البروليتاريا" تلك الفئات التي تساقطت من الطبقة العاملة، من مجرمين، وقطاع طرق. الا انه ينبغي لنا ان نتحدث اليوم عن "حثالة الرأسمالية" التي نشهدها في العراق. طبقة تشكلت من طفيلين عاطلين عن العمل تفاوضوا مع قوات الاحتلال ليكون لهم يد على مقدرات الدولة والمجتمع باسم" تمثيلهم الطائفي". جماعات تمكنت من ان تضع ايديها على موارد النفط، وبدأت بالنهب والفساد بشكل لارادع له، بفضل وجودهم في السلطة. جماعات شكلت طبقة لا قانون يوجد لردعهم، ولاقضاء يستطيع الحكم، ولا نزاهة تستطيع تعقب مرتشي. لطالما تحدث الشيوعيون عن ان الدولة هي جهاز لضبط سيطرة الطبقة الحاكمة على المحكومة، فان حالة العراق تبين ان الدولة جهاز لضبط صراعات اطراف الطبقة الحاكمة ذاتها بوجه بعضها البعض، واطراف هذه الطبقة ضد المجتمع بكادحيه وعماله.
ان كان ولا بد ان نتحدث عن التغيير، التغيير الذي يؤتي ثماره للجماهير، انما هو التغيير الذي يجب ان يصوب ويتوجه الى هذه البؤرة الحاكمة بذاتها وبعينها وبرمتها لتغييرها. كل مسعى الى ايهام الناس بان هنالك امل من تلك الاحزاب بان يغيروا شيء، انما هو لتضليل وخداع الجماهير.
الجماهير وحدها هي صاحبة المصلحة الحقيقية في التغيير، وعليها، وعليها فقط تعقد الامال.

 

مقالات