سمير عادل

التغيير الوزاري وصمت المرجعية

قرار التغيير الوزاري، الذي لوح به حيدر العبادي رئيس الوزراء قبل مغادرته الى اجتماعات ميونخ، جاء بعد قرار المرجعية، بالصمت وعدم التحدث بالسياسة في خطب الجمعة. وكلا القراران سواء العازم عليه العبادي او قرار المرجعية، نشر حولهما الكثير من الاوهام، واستنتج منهما العديد من الاحلام والتمنيات، الى حد وصف قرار المرجعية بأنها باتت تدرك أن العلمانية هي الحل عندما قررت الصمت عن السياسة. اما اخرين، فقد توهموا، بأن العبادي قرر انهاء المحاصصة والمضي بإصلاحاته.
ان مبررات العبادي في تغيير حكومته هي عزمه على تشكيل حكومة تكنوقراط. لكن الحقيقة ليست كما يعلنها العبادي، لأنه نسى او استغفل ذاكرة التاريخ، عندما شكل حكومته الحالية، فقد أعلن حينها بأنها من التكنوقراط. ان العبادي عندما يعلن مكتبه بأنه ابلغ الكتل السياسية بعزمه على تغيير حكومته، فأنه اقر بشكل مباشر بأنه لا يمكن ان يتجاوز دائرة المحاصصة، والا لماذا يخبر الكتل السياسية التي تساند حكومته، وهي من القوميين الاقحاح والطائفيين حد النخاع، ولو لا مباركتهم لما وصل العبادي الى سدة الحكم في غفلة من الزمن. والعبادي يدرك دون موافقة تلك الكتل لا يمكن ان يحرك نملة من مكانها، فكيف له العزم على تغيير فطاحل الاسلام السياسي الشيعي مثل صولاغ والجعفري حسب التسريبات الاعلامية، واما الشهرستاني الذي قيل هو الاخر سيطاح به، فليس الا كبش فداء لذر الرماد في العيون.
ان قرار المرجعية بالصمت وقرار العبادي المذكور ناجم عن تنامي مديات الازمة السياسية في العراق واحتدام الصراع في صفوف التحالف الشيعي الحاكم بشكل خاص. فالمرجعية وبعكس المتوهمين بقرارها، فهي متورطة بتأييدها لاحتلال العراق، ومساندة قرار بول بريمر في تشكيل مجلس الحكم وتأسيس العملية السياسية على اسس المحاصصة الطائفية والقومية، وكتابة الدستور بنفس اسلامي وطائفي، وتأييدها المطلق في انتخاب القوى الاسلام السياسي الشيعي التي سميت حينها بقائمة الشمعة، وعزل المالكي، وإطلاق فتوى الجهاد للوقوف بوجه عصابات داعش التي امست تهدد سلطة الاسلام السياسي الشيعي، واخيرا وليس اخرا دعم تشكيل حكومة العبادي، وقراراتها الاصلاحية الاخيرة.
ان المرجعية لم ولن تنحسب من العملية السياسية ولا من الساحة السياسية مهما حصل، وان قرارها تكتيكي ليس الا. اما الذين يوعزون بأن المرجعية خاب املها بإصلاحات العبادي، فهم ما لبثوا لم يستفيقوا من اوهامهم. فالعبادي نجح في تحقيق نسبة كبيرة من اصلاحاته، وهي تمرير سياسة التقشف، وتحميله الازمة المالية والاقتصادية على كاهل عمال وموظفي العراق باستقطاع رواتبهم ومعاشاتهم، وماضي قدما في اعادة هيكلة الاقتصاد العراقي كما اشار قبل ايام قليلة، بأن الازمة الاقتصادية فرصة لإعادة هيكلة الاقتصاد العراقي. وها هو وزير النفط عادل عبد المهدي يعلن بأنه سيشكل شركة النفط الوطنية وتباع اسهمه الى القطاع الخاص. اي ان اصلاحات العبادي تمضي على قدم وساق، وان المؤسسات المالية الدولية راضية على اداء سياسات حكومة العبادي الاقتصادية.
ان المرجعية وائتلاف الاسلام السياسي الشيعي الحاكم كما تحدثا في السابق هما في حلف مقدس ولا ينفصم عراه تحت اية ظروف، وان المرجعية التي تعتبر المصدر الإيديولوجي والروحي والمعنوي لسلطة الاسلام السياسي الشيعي، تعرف كيف تلعب بأوراقها. ففي الوقت التي لم تستطع المرجعية ان تتحول الى قوة مطلقة على غرار ولاية الفقيه في إيران وتحسم الامور السياسية بشكل قاطع، بسبب عدم حسم السلطة السياسية في العراق لصالح الاسلام السياسي الشيعي، وبسبب عدم قدرة الاخير في اعادة بناء الدولة ومؤسساته القمعية وتقضي على صراع الاجنحة المختلفة القومية والطائفية للبرجوازية، تحاول المرجعية ان تلعب دور الدولة في مثل هذه الظروف. فمثلما رأينا عند انهيار الجيش امام عصابات داعش في1حزيران من عام في الموصل، تدخلت بشكل حاسم في إطلاق فتوى "الجهاد الكفائي" للدفاع عن سلطة الاسلام السياسي الشيعي. .2014ان عدم قدرة حكومة العبادي في تجاوز الازمة السياسية التي تعصف بالعراق، وتصاعد حدة الصراع بين القوى القومية والاسلامية وخاصة في صفوف التحالف الشيعي، تراجعت المرجعية خطوة، للحيلولة دون المس بمكانتها وخاصة انها اعلنت منذ البداية في دعم البرنامج الاصلاحي لحكومة العبادي، للالتفاف على الاحتجاجات والتظاهرات الجماهيرية. ان المرجعية تراقب الاوضاع السياسية كي تتدخل عند اي تهديد يتشكل اتجاه سلطة الاسلام السياسي الشيعي، وهذا هو سبب صمتها التكتيكي.
واما العبادي هو الاخر يحاول معالجة الازمة السياسية بالقفز على الازمة، من خلال تغييرات شكلية واهية، وتبغي من ورائها اعطاء دفعة جديدة لسياساته التقشفية ومحاولة لامتصاص نقمة الجماهير المحتجة على سياسته المعادية لمصالحها. ان التناغم بين صمت المرجعية والتغيير الوزراء لحكومة العبادي هو محاولة جديدة لإدارة الازمة الاقتصادية والسياسية وتبادل الادوار حسب ما تمليها الظروف وليس أكثر..

 

مقالات