نادية محمود

التغيير من الاعلى والتغيير من الاسفل!

في التظاهرات التي عمت مدن كردستان العراق مؤخرا ردد احد المتظاهرون من رجال الشرطة قائلا "اعطونا السلطة ونحن سنتصرف بها افضل منكم "اي من الحكومة" (اعطونا الدولة ونحن سنديرها بافضل شكل).
هنا تكمن المسألة! من ينادي بالتغيير، ومن هو صاحب المصلحة الحقيقية في التغيير؟..
لقد اظهرت لنا التجارب المرة تلو المرة انه في الوقت الذي يصل فيه الاعتراض الاجتماعي على تدهور الاوضاع الاقتصادية والسياسية الى مدى غير قابل للاحتمال، يظهر طيف من الحكومة ذاتها، ليطالب بالتغيير. وكأن الحكومة ليست هي المسؤولة عن ما يجري في المقام الاول. لقد اعطانا التاريخ القريب مثالين حيين عن هذا المسعى الاول جماعة الخضر في ايران، وحزب كوران (التغيير) في كردستان.
ان الطبقة الحاكمة ذات المصالح الاقتصادية والسياسية الطويلة العريضة عارفة تماما كيف تحرف انظار الجماهير عن المشكل الحقيقي. انها قادرة على التضليل، وهنالك من يشتري اضاليلها، ويتوهم بوعودها ويعلق الامال عليها. لقد عقدت جماهير كردستان الكثير من الامال على حزب كوران، وتمكن الاخير منن ان يركب موجة الاعتراضات وان يحصل على اصوات عديدة في الانتخابات. الا انه وكجزء من ذات الطبقة، لم يحل لا معضل اقتصادي ولا سياسي ولا اجتماعي. وهاهي كردستان يعيش مايقارب مليون و400 الف من موظفيها بدون رواتب منذ عدة شهور. بحيث عادت كردستان الى تلك الايام التي عاشتها الناس في التسعينات حين كانت تعيش تحت حصارين، الحصار الاقتصادي المفروض عالميا وحصار النظام البعثي عليها. القصد من هذا، ان ركوب موجة الاعتراضات، وتظاهر الاحزاب والحكومة ذاتها وكأنها تنقلب ضد نفسها، لامر يجب التوقف عنده وكشف اللثام عن حقيقته. ان هذه الوعود ليس كذبة، او حيلة او خدعة لكسب الوقت أوتحطيم الامال على صخرة الانتظار والتوقع والوعود الكاذبة.
ان المسالة تكمن في ان هذه الطبقة الحاكمة ليست معنية اساسا وفي الاصل وفي المقام الاول بمعيشة الناس. ان هذا هو ليس امرها، ليس موضوعها، وليست مشكلتها. ان مشكلة الجماهير في مكان، وحلول حكومة العبادي وشركاءه من الاحزاب الاسلامية الشيعية والسنية، العربية والكردية في مكان اخر تماما.
ليس هنالك من تغيير يأتي من "الاعلى" وليس لدى الحكومة ولا اطرافها من حلول، لا في الدولة المركزية ولا في اقليم كردستان. والتجارب اعطت دروسا لاولئك الذين كانوا ينتظرون اصلاحات من المالكي التي وعد بها اثر اعتراضات 2011 وطلبه لمهلة المئة يوم، ورأينا اصلاحات المالكي وسياسات حزبه وائتلافاته فتحت الباب على مصراعيها لداعش واخوات داعش. واصلاحات العبادي التي بشر بها بعد تظاهرات تموز، وطالب فيها باعطاءه الصلاحية للتصرف، واعطاه البرلمان الصلاحية للتصرف. والان يغدق الوعود بان بتغيير الوجوه الى "تكنوقراط" سيحل الربيع العراقي!
ان المسالة اعمق من تغيير وجوه، او المجيء بالتكنوقراط، وكأن عددا من الوزراء لم يكونوا تكنوقراط. هنالك شبكات ومصالح اقتصادية حقيقية هي التي تحكم. ان الحدود ملغاة بين وزارات الدولة، والشركات الخاصة والبزنس الشخصي، والعلاقات والمنافع. الذي يمسك الوزارة يعني فتحت له ابواب السماء، فالعقود والشركات، والكوميشنات من ابرام العقود كلها متوافرة لهذه الطبقة. انها مصالح مادية، يسعون لتدمير كل ما يقف في طريقهم لتأمينها.
ان المسالة لا تكمن بتغيير الوجوه المرتبطة باحزاب كما يقول مقتدى الصدر، وجلب اسماء بدون مرجعيات "حزبية، او اناس لا يملكون جنسيات اجنبية". ان العديد من الوزراء الذي تلاحقهم تهم الفساد، يمتلكون الجنسية العراقية فقط. وهذه ليست حصن واق، ولا وسيلة ردع. كما ان الـ"دين والتدين" و"الخوف من اللـه" ليست بروادع. ولا الذنب، ذنب "الجنسية الاجنبية" وكأنها شيطان يوسوس في رأس صاحبه داعية اياه "للفساد". ولا المسالة تتعلق ايضا بقطع دابر "الاحزاب". فالاحزاب تتشكل بسرعة في العراق. ميلشيات وعصابات تتحول الى احزاب بسهولة، وتطالب بمقاعد في البرلمان وبوزارات.
ان المسالة هي مسالة صراع طبقات. انه صراع طبقات لادامة هيمنتها، وصراعات داخلية داخل الطبقة الواحدة حول القوة والمال والثروة. انه صراع جدي وقاسي ومرير. لا تحله اصلاحات العبادي ولا مشروع الصدر، ولا تظاهرات التنسيقية الجارية الان رغم صدق نية المنخرطين فيها لاحداث اصلاحات وللقضاء على الفساد.
ان مطالب الجماهير الحقيقية لهي اعمق بكثير مما ستتمخض عنه اية "اصلاحات"، ان كانت هنالك اية اصلاحات! ان الحكومة ليست معنية بطرح اية حلول اقتصادية للملايين، انها معنية بنفسها، وان التفتت الى تلك الجماهير، فقط لانها تخاف ان يقلبوا الطاولة عليها، فتعطيهم جرعات من وعود "الاصلاحات". ان مطالب الجماهير تحتاج الى تنظيم وعمل طبقة بأكملها، طبقة مليونية من العمال والعاطلين عن العمل والبطالة المقنعة من نساء ورجال وشباب برؤية للتغيير.
ان هذا بحاجة الى عمل طبقي سياسي منظم هائل، يغدو امامه التظاهر في ساحات التحرير مجرد نزهة اسبوعية. فالطبقة الحاكمة تمكنت بالفعل من نشر اوهامها، وقادت الناس الى التصديق بدعاياتها، فليس بين الطبقات، كما يقول لينين، سور الصين. فالعمل على تنظيم الجماهير لاحداث ولقيادة التغيير الحقيقي هو ما يجب التعويل عليه. وكلنا شهود على ان الجماهير بامكانها اسقاط حكومات، كما ارتنا ثورات المنطقة، بغض النظر عن ما اسفرت عليها لاحقا. ان هذا يتطلب العمل والتنظيم في المعامل، وفي المحلات، وفي الجامعات، وفي برنامج عمل واضح، لقيادة وفرض التغيير من الاسفل. التغيير الذي سيقود الى تحقق مطلب رجل الشرطة المتظاهر في احد مدن كردستان، والذي بدون شك يشاركه الملايين بهذا التوقع والتطلع الى "اعطونا السلطة وسندير امور الدولة افضل منكم"!. الا ان كنه المسألة يكمن بان السلطة لا تعطى، السلطة تؤخذ!

مقالات