ريبوار احمد

الاتحاد الوطني: مع النهابين نهاب ومع الشعب متذمر

خرج علينا المكتب السياسي للاتحاد الوطني الكوردستاني بعد اجتماع عقده يوم ١١ من شهر شباط الحالي، ضم جميع اجنحة الحزب وشخصياته الاساسية سواء كانوا من دعاة الاصلاح او على الضد منه، ببيان حول كيفية الاصلاح وسبل الخروج من الاوضاع الحالية التى تمر بها كوردستان والازمة الخانقة التي تضربها. وقد تضمن البيان اربعة مقررات هي بمثابة تقييم للاسباب الشاملة للوضع الحالي وسبل الخروج منها، ان القاء نظرة على تلك المقررات اللاواقعية ومقارنتها بالمعضلات الحالية، تتكرر امام اعيننا الحقيقة ذاتها وهي ان جعبة البرجوازية القومية الكوردية واحزاب الكوردايتي خالية ولاتملك اي حل للمشاكل التي تواججها الجماهير، ولاينتظر منها ان تقدم شيئا سوى مزيد من الاوهام التي لاتلد سوى الكوارث. فثلاث من هذه المقررات لاتستحق المرور عليها لانها ليست سوى تلك الاسطوانة المشروخة التى طالما كانت وماتزال الاحزاب البرجوازية تعزفها وبشكل يومى، وباتت لاتطرب ولاتنطلي لا على عازفيها ولا على سامعيها. واحدة من هذه المقررات الاربعة والتي هي بخصوص "ادخار الرواتب" تستوجب الحديث عنها وابداء الرأي حولها.

 

فالاتحاد الوطني الكوردستاني باعتباره طرفا رئيسيا في حكومة التعددية الحزبية المنهارة ويملك منصب نائب رئيس الوزراء فيها، له دور رئيسي جنبا الى جنب مع الحزب الديمقراطي الكوردستاني في اصدار قرار "ادخار الرواتب" المجحف بحق جماهير كوردستان. فهو اي الاتحاد الوطني يحاول ان يلعب دور الحكم النزيه بين السلطة الفاسدة والجماهير المظلومة والجائعة، مدعيا ان في اجتماع مكتبه السياسي يصر على ان تعيد الحكومة النظر في مشروع "ادخار مرتبات" الموظفين واصحاب المعاشات، بحيث لا يؤثر على شريحة اصحاب المرتبات الدنيا وان يعاد النظر ايضا في الرواتب الاخرى! فاذا ما افترضنا ان الاتحاد الوطني الكوردستانى تهمه لقمة عيش المواطن وراتبه ويساند مطالب الجماهير الرافضة لهذا القرار القرقوشي فمن اذا يقف خلف اصداره، علما ان نائب رئيس مجلس الوزراء هو احد كبار مسؤلي الاتحاد الوطني وابن اسرة لها اكبر نفوذ داخل الحزب؟ فاذا ماكان الاتحاد الوطني واقفا بالضد من هذا القرار الذى يضع المجتمع باكمله امام مفترق طرق ويهدده بالانهيار، فلماذا لم ينسحب من تشكيلة الحكومة المترنحة والايلة للسقوط؟ فهل يجوز للاتحاد الوطني ان يكون في عين الوقت حاكما ومعارضا؟ وهل يمكن له الخوض في النهر من دون ان تتبلل ثيابه؟

 

فبحسب قولهم ان الاستقطاعات من الرواتب تتم كون الحكومة تفتقد الى الموارد وانها تواجه ازمه مالية، في حين ان برهم صالح، نائب سكرتير الاتحاد الوطني، والذى حضر الاجتماع المذكور، يؤكد على ان السبب الاساسي لهذه الازمة هي قيام المسؤلين في الحكومة والشركات التابعه لكلا الحزبين (الاتحاد الوطني الكوردستاني والحزب الديمقراطي) بسرقه ونهب المليارات من الدولارات. الا ان بيان الاتحاد الوطني يقول، "نطالب من الحكومة اعاده النظر في مشروع ادخار رواتب الموظفين واصحاب الرواتب المتدنية وان يستثنى اصحاب الرواتب المتدنية من هذا القرار، اما فيما يخص اصحاب الرواتب الأخرى فعلى الحكومة اعاده النظر فيها بشكل جدى"، كل ذلك والاتحاد الوطني باعتباره احد الاحزاب الرئيسية المشاركة في عمليات النهب لاينوى اللجوء الى خزائن حزبه الممتلأة، لدرجة ان الملا بختيار منسق المكتب السياسي لاتحاد الوطنى قد صرح مباشرة بعد الاجتماع المذكور، خلال مؤتمر صحفي نافيا ان تكون لحزبه ايه اموال او خزائن.!! اذا فما فائدة الحديث عن "اعاده نظر اساسية" واي معنى ممكن لها ان تعطي غير ان تكون محاول يائس لاخماد غضب الجماهير، وذر الرماد في العيون من اجل التملص من الازمة وتحميل كاهل الجماهير تبعاتها؟

 

ان اعلان المكتب السياسي للاتحاد الوطني لايعدو غير ان يكون منافق وذو موقف انتهازى مفضوح، وهي محاوله منه للتهرب من مسؤلية وجريمة ترتكب بحق الجماهير في كوردستان، ففي حين يشارك في اصدار قرار يقطع به قوت المواطنين يذرف تموع التماسيح تباكيا عليهم. في الوقت الذي يتقدم فيه الصفوف في ممارسة عمليات الاختلاسات والنهب، يقوم على الجانب الاخر بالادعاء بانه مع الجماهير المعترضة ويبحث عن السراق والمختلسين. ففي اليوم الذي تلا اجتماع المكتب السياسي للاتحاد الوطني، ظهر علينا الناطق باسم الكتلة الخضراء (كتلة الاتحاد الوطني في البرلمان)، ازاد گوراني في برنامج تلفزيوني وبجنبه الناطق عن الكتلة الصفراء (كتله الحزب الديمقراطيفي برلمان كوردستان)، ليتحدثوا بحماس عن الجوانب الايجابية والقانونية لهذا القرار المجحف من اجل تمريره على الجماهير، وبعد ان احسوا بانهم كمن ينطح راسه بصخرة امام رفض واعتراض الجماهير عليه، حاولوا ان يضعوا انفسهم كطرف ثالث بين السلطة والجماهير ويطالبون ببيانهم الحكومه "ان تعيد النظر بقرارها"! هنا يبدر سؤال لابد من طرحه، وهو اين سيولي المكتب السياسي للاتحاد الوطني بوجهه هذه المرة طالما ان صفوف عشرات الالاف من الجماهير تصف قيادات الاتحاد الوطني والحزب الديمقراطي "بالسادة السراق لقد كذبتم علينا ولابد ان تلغوا قراركم"؟ ففي الواقع ان هذا الموقف المخادع للاتحاد الوطني والمتمثل بكونه نهابا مع النهابين ومع الشعب متذمرا لحالهم، فابعتباره شريكا في السلطة يساهم في قطع قوت الشعب ومع الشعب يطالب بـ "اعادة النظر في نفس القرار". ان ما يقوم به الاتحاد الوطنى قد اوهم قسما من الجماهير المعترضة التي تعتقد ان الحزب الديمقراطي هو من يقف وراء الفساد وقطع قوت الشعب وهذا بالطبع مجاف للواقع، فقادة الاتحاد الوطني ومسؤليه بكل اجنحة هذا الحزب وبشركاته الكبرى وبفاسديهم، هم مشاركين جنبا الى جنب مع قادة الحزب الديمقراطي الكوردستاني ومسؤليه وشركاته الكبرى، وفاسديهم في عمليات النهب والسرقات وشركاء في حكومة ميليشياتية فاسدة قررت قطع ارزاق الشعب وشاركت في انتهاك حقوقه، وان توجه الجماهير جام غضبها للاتحاد الوطني مثلما توجهه للحزب الديمقراطى.

 

وبغض النظر عن الاتحاد الوطنى، فهناك حركة التغيير (گوران) والحركة الاسلامية والاتحاد الاسلامي، يعتبرون اطرافا مشاركة في السلطة للسنوات المنصرمة وتقع عليهم نفس مسؤلية خلق هذه الكارثة التي حلت على المجتمع، وكما هو حال الاتحاد الوطني فان هذه الاحزاب هي الاخرى تحاول التنصل من المسؤلية عن حدوث هذه الاوضاع التى ساهموا جميعا في خلقها. ان تلك المواقف الانتهازية لهذه الاحزاب هي محاولة يائسة للافلات من مسؤليتة المشاركة في حكومه لصوص فاسدة، اطلقت عليها تسمية حكومة التعددية الحزبية الوطنية كانت الاطراف الخمسة مشتركة فيها، ولم تألوا جهدا في الضحك على ذقون الناس وخداعها، والان وبعد ان اتوا على كل مقدرات وثروات المجتمع بات كل واحد من هذه الاحزاب ان ينآى بنفسه عن المسولية امام غضب الجماهير الساخطة والناقمة، وان يبرأ نفسه من هذه الحكومة التعددية الوطنية المهترأة ويخلو مسؤليتهم عنها.

 

ان على الحركة الاحتجاجبة اليوم ان تعي جيدا دور كل من هذه الاحزاب التي شاركت في السلطة طيلة السنوات المنصرمة. فلم يعد لهذه الاحزاب ايه فرصة للخداع مره اخرى. فجميع هذه الاحزاب قد تم اختبارها واثبتت فشلها في ان تكون ممثله عن تطلعات ومصالح هذه الجماهير، بل ان جميعا اشتركت في خلق هذه الازمة الخانقة. وان نزاعاتهم وصراعاتهم الحالية لاتمت باي صلة بمصالح الجماهير وقوتها اليومي، بل هي صراعات من اجل تقاسم السلطة وامتيازاتها ومن اجل الحصول على نصيب اكبر من السرقات. لقد فاتت الفرصة على هذه الاحزاب لتخدع الجماهير وتزرع الاوهام في صفوفها، فالمطلوب الان مسائلة ومحاسبة جميع الاحزاب التي شاركت في السلطة وفي مقدمتهم التحاد الوطني والحزب الديمقراطي.

 

ان السبيل الوحيد للخلاص من هذه الاوضاع مرهون بالنزول الى الشارع بصف واسع ومستقل عن الاحزاب والتيارات البرجوازية القومية والاسلامية والاصرار على المطالب، تشكيل المجالس والالتفاف حولها وتقرير مصيرها بنفسها وهي الضمانة لانتشال المجتمع من الاوضاع الحالية المرعبة، والقضاء النهائي على الفساد وكما قال ماركس هنا الوردة وهنا يتوجب الرقص..

 

22/02/2016

مقالات