نادية محمود

من -الموزائيك العراقي- الى -الكتلة التاريخية-!

الصدر، اقوى اقطاب حكومة الاسلام السياسي الشيعي، والتي قامت كتلته بتثبيت اركان دولة الاسلام السياسي في العراق، يتظاهر من اجل " الاصلاح"! التيار الصدري جزء لا يتجزء من مشروع الاسلام السياسي في العراق منذ عام 2003 ولحد الان. والالاف التي ظهرت في ساحة التحرير في بغداد هذه الجمعة هم الانصار والاتباع والموالين والمستفيدين من التيار الصدري. لم نرى هذه " الملايين" منذ بدء التظاهرات في حر تموز من العام الماضي ولحد الان. فكيف انخرطت تلك الالوف فجأة في التظاهرات تردد خلف الصدر شعاراته؟.
لم تخرج تظاهرات الصدريين "المليونية" من اجل تلك المطالب التي ظهر من اجلها المتظاهرون منذ شهر تموز الماضي ولحد الان. والا لكانوا انخرطو في الشهور الثمانية الماضية. تظاهرات استمرت لثلثي العام تقريبا، لم ينخرطوا فيها. لكن بمجرد مجيء الصدر، تذكرت "الملايين" الفساد والتظاهر ضده.
ان ظهور هذه "الملايين" الصدرية هو استعراض "مدني" رأينا نسخته العسكرية في استعراض سرايا السلام في 21 حزيران 2014 بعد دخول داعش الى العراق. في ذلك الاستعراض، وزعت سرايا السلام, وتعدادها بالالاف الى فصائل شباب برداء عسكري واسلحة وفصيل عسكري لرجال بالعمائم السوداء والبيضاء، وفصيل من نساء منقبات يرتدين اكفنة الموت، وفصيل من الاطفال، الجيل الذي يهيأه الصدر للمستقبل، وفصيل رجال العشائر والخ. بحيث يدفع المرء للتساؤل، من اين جلب التيار الصدري كل تلك الامكانيات لميلشيات سرايا السلام ميلشيات بزي عسكري رسمي، يشبه لباس الدولة، واسلحة وامكانيات عسكرية ليست بقليلة وكلها خارج الدولة؟ انهم باختصار كونوا "دولة" داخل تلك المدينة البائسة الفقر(التي كان اسمها الثورة، ثم صدام، ثم الان، الصدر).
ان اولئك المتظاهرين هم اتباع الصدر لاعلان ولائهم له، ولتبيان انهم يرددون خلفة شعاراته. ونبرة اصواتهم يجب ان ترتفع وفقا لاوامره. ان متظاهري التيار الصدري ليسوا دعاة اصلاح، بل اتباع جمع سياسي (التيار الصدري) من اجل تقوية وجودهم ضد الاطراف الشيعية الاخرى. ان اكتساح الصدريين لساحة التحرير، هو استعراض سياسي للتيار الصدري بوجه الحكومة، بحيث اركن مع مليونيتها التيار "المدني" جانبا.
الامر لا علاقة له باصلاح ولا برفض فساد. هذه تظاهرة لاستعراض القوة البشرية التي بامكان التيار الصدري تعبئتها مقابل الاحزاب الشيعية الاخرى. قطب حكومي ضد كتلة حكومية فاسدة، يشكل التيار الصدري ذاته جزء لا يتجزء منها، مهما حاول تبرئة نفسه منها. هذه حكومة بكل مكوناتها، ومن ضمنهم الصدريون، حكومة تقتل القتيل وتمشي في جنازته، تقوم بالسلب والنهب والفساد وتنادي بكلا كلا للفساد.
كل هذا امور معلومة للجميع، لكن ان ينبري شخص محسوب على اليسار ليتحدثوا عن "الكتلة التاريخية"، وظهور "شرعية جديدة ومنبثقة من التقارب الحاصل بين القيم المدنية العدالوية الناهضة والتوجهات الدينية الإصلاحية"، والتي يعبر عنها بوضوح فارس كمال نظمي، فان هذا الرأي في منتهى الخطورة لمن يسمعه.
"
خطير"، لانه يلغي الحدود الفاصلة، وهي شاسعة وقاطعة، بين الملايين التي طالبت وتطالب بالاصلاح، بفرص عمل، بالقضاء على البطالة، بتوفير الكهرباء، بتوفير الخدمات، باحترام حقوق البشر، وبين تلك "الملايين" التي يعبأها الصدر، احد اقطاب الاسلام السياسي الشرسة، لاهدافه، في جناح مدني وجناح عسكري. ان الصدر يعتبر كرة القدم رجسا من الشيطان، لانها تشغل الانسان عن العبادة. فاي اقتراب مع التيار المدني يتحدث عنه اليوم التيار الصدري، واي تقارب "حاصل" بين قيم الطرفين، كما يقول نظمي؟ الشعارات والجمل الانشائية والهتافات التي طلب من انصاره ترديدها باعلى صوت، لا تعني ولن تعني حتى لو انتهى الحكم كله بايدي التيار الصدري ولا منافس اخر غيرهم على السلطة، ان لدى التيار الصدري "حلا"!. ان خطابه عبارة عن كلمات لا تغني عن جوع. هل قال لنا ما هي خطته للقضاء على الفساد، وهو لديه كتلة في البرلمان ووزراء، وهو متربع تماما على عرش السلطة؟ هل لدى التيار الصدري برنامج اقتصادي لادارة البلد، لتوفير فرص عمل، لتوفير الكهرباء، وكيف سيقضي على الفساد؟ ان كلا كلا للفساد، لن يقضي على الفساد. وجمله عن معاناة الناس من البطالة، لم تقدم لنا حلا عن كيف سيحل مشكلة البطالة. اننا نعرف ما يجري وليس بحاجة لمن يصف لنا الاوضاع لاننا نعرفها، ولكن ما هو حله للاوضاع ما هي خطة اصلاحه؟ المجئ ببعض الوجوه المدنية؟ وجوه تكنوقراطية!!
ان التعبير الحقيقي لرفض الاسلام السياسي ولرفض الطبقة الحاكمة هي تلك التظاهرة التي قام بها طلبة جامعة المثني، في الوقت الذي كان المتظاهرون في ساحة التحرير يصفقون للتيار الصدري.هي التظاهرات التي رددت ومنذ الصيف الماضي "باسم الدين باكونا الحرامية".
انه من الخطر عدم تمييز العدو، بذريعة "الشعبية". لقد رأينا سابقا "شعبية" صدام حسين الذي كان باستطاعته اخراج مئات الالاف الى الشوارع ليهتفون له بالروح والدم.
ان كلمة الشعبية تذكرنا بكلمات "الموزائيك العراقي" التي كان يحلو للمعارضة العراقية قبل 2003 وبالذات الحزب الشيوعي العراق تكرارها، اشادة بالعمل مع الاسلام السياسي باعتبار ان الاخير هم جزء من "الموزائيك العراقي". ورغم اننا تحدثنا مرارا وتكرارا عن حقيقة الاسلام السياسي، وكانت تجري امام اعينا ونشهد كل يوم عنف الجمهورية الاسلامية في ايران وارهابها وتجويعها للشعب الايراني، الذي ازدادت نسبة الفقر به بعد مجئ الجمهوية الاسلامية عما كانت عليه ايام الشاه، وتجارب وافغانستان والسودان، الا انهم كانوا يتغنون بـ"الموزائيك العراقي".
انصار التيار الصدري ارتكبوا من الجرائم ما لن ينسى، وان اعلن الصدر برائته منها. لذلك فصل الصفوف، وفصل التيارات، وفصل الاهداف، ومعرفة من هو الصديق عن من هو العدو، هي اولى ومبادئ الشروع بالعمل السياسي.

 

مقالات