عادل احمد

نحو الحركة المجالسية

تعمد الطبقة البرجوازية دائما بأن توهم الجماهير بان المجتمع والدولة يجب ان يدار من قبل مجموعة من "السياسيين المحترفين". وان ادارة الدولة وشؤون المجتمع هي من اختصاص هؤلاء السياسيين، والمجتمع يجب ان يكون خلفهم. اصبحت هذه الفكرة سائدة وتجذرت في عقول الاجيال الغابرة والحاضرة. ان اعطاء هذه الصورة النمطية عن السلطة والادارة هي انعكاس للسلطة الطبقية للمجتمعات حتى يومنا هذا. فأن الطبقات الحاكمة تحاول بكل امكاناتها ان تجعل مفاهيمها وافكارها ومصالحها افكارا للمجتمع. ولكن السؤال الذي يطرح نفسه، الا يمكن ان ندير شؤون حياتنا بأنفسنا ومن صلب ارادتنا ولصالح المجتمع ككل؟ الا يمكن ان يكون القرار بيد الناس انفسهم؟ هل من الممكن ان يشارك كل الافراد في تحديد مصير حياتهم بأنفسهم؟ ان حركة الطبقة العاملة العالمية لديها تجربتين غنيتين حول شكل اخر من السلطة والادارة، والذي يختلف من حيث الشكل والجوهر عن كل الادارات والسلطات السياسية والاجتماعية السائدة، وهي تجربة المجالس في كومونة باريس 1871 وثورة اكتوبر الروسية 1917. ان تجربة السلطة وحاكمية المجتمع من قبل الناس انفسهم بشكل مباشر وبالتدخل المباشر والاني في كل لحظة وفي جميع شؤون الحياة، هي حقا شيئا جديدا وممكن بناءا على هاتين التجربتين. ان المجالس المحلية هي الشكل الاكمل لتدخل الناس بأنفسهم في شؤون حياتهم وبأرادتهم المباشرة وتعين المسؤلين والاداريين عن طريق اجتماع عام متى ما يتطلب الامر، ويمكن اقصائه متى ما يكون عائقا وبشكل فوري وكذلك عن طريق تجمع عام في تلك الوحدة الادارية. ان هذه السلطة المجالسية هي الشكل الارقى حتى الان والاكثر ديمقراطية من جميع الديمقراطيات البرجوازية والبرلمانية. ان تجربة كومونة باريس وثورة اكتوبر هي اكبر دليل عل صحة هذا البديل الاجتماعي لادارة المجتمع من قبل الجماهير انفسهم وبأرادتهم.
نحن في العراق وكردستان جربنا سلطة الاحزاب القومية العربية والكردية والاسلامية بشقيها "السنية والشيعية". وجربنا ديمقراطياتها وبرلماناتها وسلطتها السياسية والحكومية والادارية، رأينا شيئا واحدا وهو تجريد الناس من الارادة وجعل الجماهير يتبعون سياساتهم بعيون معصوبة وبالأوهام والخرافات القومية والدينية. وان الطبقة البرجوازية العراقية والكردية على الرغم من انها تعتبر من الامثلة السيئة جدا في الحكم والسلطة والأدارة، ولكنها تعتبر من ضمن نفس المنطق في ادارة المجتمع والذي يقول بأن "السياسين المحترفين" يجب ان يدار المجتمع من قبلهم. وان الفساد والسرقة واهدار المال العام في الشؤن السياسية والاجتماعية الهزيلة والتافهة وجعل السياسيين البارزين واعوانهم مليارديرات، وكذلك تحويل مليارات الدولارات الى الخارج وحفظها في البنوك العالمية من جهة، وتجويع اكثرية المجتمع من الطبقة العاملة والكادحة وتحطيم وجدانهم واراداتهم وشخصياتهم تحت وطأت الفقر المدقع من جهة اخرى، هي السمة المميزة للمجتمع العراقي. وكل هذا جاء من جعبة المحترفين السياسيين العراقيين. اذن اين يكمن الحل؟ حان الوقت ان نقلب الوضع راسا على عقب، وان نقول "لا" كبير لحاكمية هؤلاء "السياسيين المحترفين"، وهم في الحقيقة شلة من السياسيين الجهلة ومصاصي دماء المجتمع، ويجب أن يزاحو عن السلطة وان يحاكموا على افعالهم هذه في محاكمات جماهيرية، ويحب استرجاع جميع الاموال التي سرقوها من المال العام الى خزينة الدولة، ويجب ان تجمع جميع خرافاتهم وافكارهم الغير أنسانية ورميها في مزبلة التأريخ. وان هذا العمل لا يمكن الا بتوحيد صفوفنا وقوانا الانسانية واستخدام ارادتنا المباشرة عن طريق الحركة المجالسية الشاملة في كل مكان وبقوة ارادتنا.
ان الحركة المجالسية في الوقت الحاضر هي الحل الوحيد في انهاء معانات الجماهير العمالية والكادحة. وان انشاء المجالس في محلات السكن والمعامل والمصانع وفي المعسكرات والجامعات والمدارس وتقويتها، تؤدي الى استخدم الارادة المباشرة للجماهير في ان تناضل من اجل مصالحها هذا من جهة، ومن جهة اخرى تؤدي الى تقوية الاعتماد على القوة الجماهيرية والثورية لاي تغير في المجتمع. وبأمكان الحركة المجالسية ان تقطع يد وتطاول الاحزاب البرجوازية الدينية والقومية بكل تلاوينها في المجتمع، وسحب البساط من تحت اقدامهم ومن نشر افكارهم واوهامهم وتأثيراتهم على المجتمع.
علاوة على تأثير الحركة المجالسية في قلب الاوضاع المأساوية الحالية نحو الاحسن، فأن المجالس بحد ذاتها هي الحكومة والسلطة الجماهيرية المباشرة لادارة شؤون الحياة في المجتمع. ان جميع الامور يتم سيرها في المجالس من كبيرها الى صغيرها سواء في القضايا السياسية أو الاقتصادية أو الاجتماعية أو العسكرية، ويتم مناقشتها واتخاذ القرارات حولها مباشرة من قبل الناس انفسهم وعن طريق مجالسهم من الاسفل نحو الاعلى.
ان انشاء الحركة المجالسة في العراق هي من صنع الطبقة العاملة والشيوعيين هم من روادها الاصليين. وان احياء هذه الحركة في العراق هي من صلب سياسات الاحزاب الشيوعية والعمالية، وان اولى خطوتها هي بدء فعالينا واعضاءنا وجميع الشيوعيين والتحررين والنساء المناضلات في تشكيل نواة الحركة المجالسية في كل مكان، ومن ثم العمل من اجل تجمع الناس حول كل هذه النوايا والتحدث عن ضرورة انشائها وكيفية البدء بعمل المجالس وتجميع قواهم الانسانية لممارسة ارادتهم لادارة شؤنهم. ان الخطوة الاولى هي تشكيل نواة الحركة المجالسية من قبل الشيوعيين والقادة العماليين والفعاليين في كل مكان، وان ندرس كيفية البدء بأنشاء مجالسنا المحلية وتعين الممثلين الحقيقيين بصورة مباشرة.

 

مقالات