عبدالله صالح

سلمان رشدي والفتوى العابرة للقارات

الروائي المسلم الانكليزي من أصل هندي، سلمان رشدي، عقابا على كتابته رواية (الآيات الشيطانية) والتي اعتبرها الخميني والكثير من قادة ومثقفي "الدول الاسلامية" بانها إهانة للاسلام وللنبي محمد بالذات.
صحيفة الانبندت البريطانية كتبت في عددها الصادر يوم 21 / 2 / 2016 مقالا للكاتب -صامويل أوزبورن- تحت عنوان (تجديد الفتوى ضد سلمان رشدي)، يقول فيها الكاتب بأن هذه الفتوى تم تجديدها من قبل 40 وسيلة اعلامية وفقا لوكالة أنباء فارس الايرانية الرسمية، وتعلن عن رصد مبلغ 600 الف دولار لمن يقتل هذا الكاتب وإن هذه الوكالة ستساهم لوحدها بمبلغ 30 الف دولار.
تجديد هذه الفتوى، وفي هذا الوقت بالذات، حيث إيران مقبلة على الانتخابات التشريعية، إن دل على شيء فانما يدل على الصراع الدائر بين أجنحة النظام، أي ما يسمونه بالجناح "الاصلاحي" و" المتشدد" من جهة، وهي رسالة موجهة الى خصوم الجمهورية الاسلامية مفادها الثبات على خطى "مؤسس" هذه الجمهورية والدفاع عن "مقدسات المسلمين"من جهة أخرى.
ارى من المفيد تذكير القاريء بخلفيات الحدث من باب التركيز على جوهر الموضوع .
صدرت هذه الرواية في لندن بتاريخ 26 سبتمبر عام 1988، وفي 8 / 11 / 1988 حازت على جائزة (WHITBREAD) كرواية العام ومنح كاتبها مبلغ 20 الف جنيه استرايني آنذاك. بعد 9 أيام على إصدار هذا الكتاب، تلقت دار النشر التي طبعت الكتاب الآلاف من رسائل التهديد والاتصالات التلفونية المطالبة بسحب الكتاب من دور بيع الكتب، يوم الجمعة المصادف 2 / 12 / 1988 جرت مظاهرة في مدينة بولتن الانكليزية من قبل المسلمين تنديدا بالرواية، تلى ذلك حرق الكتاب في مدينة برادفورد الانكليزية في كانون الثاني 1989، وفي يوم 12 / 2 / 1989 تم حصار المركز الثقافي الامريكي في كراتشي من قبل الجموع الغاضبة من المسلمين فقتل سبعة منهم برصاص الشرطة، تلت ذلك مظاهرات راح ضحيتها ما يقارب العشرين شخصا في "الدول الاسلامية" الأخرى. الهند كانت اول دولة منعت الرواية تلتها بلدان أخرى.
أصدر الخميني يوم 15 / 2 / 1989 فتواه بهدر دم الكاتب وخصص مبلغ مليون دولار، على ما أعتقد، لمن يقتله، بعدها تم قتل عدد من مترجمي الرواية وأصحاب الدور الناشرة للرواية في العديد من البلدان.
أصدر الخميني هذه الفتوى دون أن يقرأ ولا سطرا واحدا من الرواية، أشعلت هذه الرواية اوساط من يسمون انفسهم بـ"المثقفين العرب" فانهالوا على الرواية وكاتبها بسيل من الاتهامات والنقد اللاذع، ووصفها البعض منهم، وكعادتهم، بالمؤامرة الصهيونية الغربية!! وحتى قبل أن يقرأوا الرواية بل سمعوا عنها في وسائل الاعلام من خلال الضجة التي أحدثتها، وأذكر منهم على سبيل المثال لا الحصر (الفلسطيني أحمد البرقاوي، هادي العلوي، رجاء النقاش، أحمد بهاءالدين، الشاعر أدونيس).
السؤال الملح الذي ربما يتبادر الى ذهن القاريء هنا هو التالي: ما هو مضمون هذه الرواية، أو بالأحرى الجانب الذي يتعلق بـ "الأساءة للاسلام" ؟ الاجابة على هذا السؤال يحتاج الى بحث أعمق ربما لا يتناسب الآن مع جوهر المقال، ولكن باختصار شديد أحاول هنا معالجة الجانب المتعلق بتسمية الرواية بالآيات الشيطانية واترك الحديث عن الجوانب الاخرى لمناسبات لاحقة.
تستند الرواية، في جانب من جوانبها، على سورة (النجم) في القرآن وبالتحديد (رواية الغرانيق). وهي الرواية التي تقول بأن محمدا كان يسعى لكسب مودة قومه ومقاربتهم، من المؤكد عبر التأريخ، وما نراه اليوم من أتباعه وسياساتهم بأن محمداً، كان رجل دولة قبل أن يكون داعية، والاسلام دين دولة وسلطة وليس رسالة دعوة فقط، لذا، وللأسباب الآنفة الذكر فأن محمد عندما رأى قومه ابتعدوا عنه تمنى من الله أن يأتيه بما يساعده على التقارب معهم فأنزل الله عليه هذه السورة أي (سورة النجم)، وهي السورة التي تتحدث عن رواية الغرانيق.
ورد في تأريخ الطبري 1/ فيما يتعلق برواية الغرانيق التالي: (حتى حدّث بذلك نفسه، وتمناه وأحبّه فأنزل الله عز وجل: "والنجم إذا هوى، ما ضلّ صاحبكم وما غوى، وما ينطق عن الهوى" فلما انتهى الى قوله "أفرأيتم اللاة والعزى ومناة الثالثة الاخرى" ألقى الشيطان على لسانه لما كان يُحدّث به نفسه ويتمنى أن يأتي به قومه: "تلك الغرانيق العلا، وإن شفاعتهن لترتجى" فلما سمعت ذلك قريش فرحوا، وسرّهم وأعجبهم ما ذكر به آلهتهم فأصاخوا له فسجد من في المسجد من المشركين من قريش وغيرهم فقيل أسلمت قريش).
ويستمر الطبري في تأريخه ويقول: (وأتى جبريل رسول الله فقال: يا محمد ماذا صنعت! لقد تلوت على الناس ما لم أتِك به عن الله عز وجل، وقلتَ ما لم يقل لك، فحزن رسول الله حزنا شديداً وخاف من الله خوفا كثيراً، فأنزل الله عز وجل -وكان به رحيما- يعزيه ويخفّض عليه الأمر، ويخبره أنه لم يك قبله نبي ولا رسول تمنّى كما تمنّى، ولا أحبّ كما أحبّ إلا والشيطان قد ألقى في أمنيّته، كما ألقى على لسانه، فنسخ الله عز وجل ما ألقى الشيطان وأحكم آياته. 2 /
إذا كان الطبري وهو من كبار مؤرخي الاسلام ومفسري القرآن، وقبل اكثر من ألف عام، يقول هذا عن رواية الغرانيق، أي بما معناه إن آياتٍ ربما يكون الشيطان قد تلاها على محمد كما حصل في هذه الرواية ويكون محمد قد تنازل عنها لاحقاً بأمر من جبرائيل!، فلماذا إذا تُثار كل هذه الضجة حول رواية استندت الى وقائع من تاريخ الاسلام؟! للجواب على هذا السؤال لابد أن نعود الى الفترة التاريخية التي صدرت فيها فتوى الخميني، كانت إيران حينها خارجة للتو من حرب ضروس مع النظام البعثي، وكان "مرشد الثورة" آنذاك قد فضّل شرب السم على إيقاف حربٍ أتت على الأخضر واليابس في كلا البلدين، وكان البلدان يعانيان من أزمات اقتصادية واجتماعية وسياسية عميقة، فجاءت الفتوى لتحويل أنظار الجماهير في إيران عن معاناتها جراء الحرب الى "خطر أكثر فتكا" من ويلات الحرب، ألا وهو الأساءة الى دين "الآباء والأجداد" والى "مقدسات المسلمين"، (اذا هناك المهم والأهم، فهلموا لندافع عن ديننا وعن مقدساتنا التي هي الأهم ولنترك المهم الآن فلا معنى للعيش وسط الاساءة للمقدسات)، هذا هو بالضبط ما كان يرمي اليه الخميني في تلك الحقبة التأريخية.
أما في الغرب، فكانت المرحلة التأريخية هي إندحار السوفيت في أفغانستان حيث أكملوا الانسحاب أواسط فبراير عام 1989، وكانت معاداة "الشيوعية السوفيتية" على أشدها، فكان حكومات الغرب وأمريكا بحاجة الى تعبئة الرأي العام في "الدول الاسلامية" بوجه تلك "الشيوعية"، بغية دحرها تماما وعدم إفساح المجال لها لإعادة ترتيب أمورها، اذا فالوقوف في خندق الدفاع عن مقدسات المسلمين يسهم في تعبئة هذه القوى، المعادية اصلا للشيوعية، لذا نرى المواقف الرسمية لتلك الدول من أزمة سلمان رشدي تصب معضمها في صالح مؤازرة المسلمين، حيث تعتبر هذه القوى الرسمية ومراكز صنع القرار رواية الآيات الشيطانية بأنها خلقت بلبلة في اوساط الرأي العام "الاسلامي"، ففي بريطانيا على سبيل المثال، حَمت حكومة تاتشر سلمان رشدي جسديا باعتباره مواطنا بريطانيا يُفترض حماية حياته المعرضة للتهديد بالقتل مع سبق الاصرار والترصد وعلى أرض بريطانيا، إلا أنها لم تقف الى جانبه كما فعلت مع الكتاب السوفيت المنشقين. موقف مراكز صنع القرار في الغرب كانت غالبيتها تصب ضد سلمان رشدي بدأً من جورج بوش الاب مرورا بجيمي كارتر وتاتشر وجفري هاو وجاك شيراك وصولا الى الكاردينالات والاساقفة والحاخامات. كذلك الاعلام اليميني في بريطانيا استغل هذه الضجة للتقليل من شأن كاتب شاب اجنبي، جاء من احد بلدان العالم الثالث ليرتقى الى مستوى أعلى من نظراءه من شباب بريطانيا!.
أذا هنا مربط الفرس في فتوى قتل سلمان رشدي، حيث يتم استغلال "الجهل المقدس" المتفشي في المجتمعات المبتلاة بالاسلام لتمرير أجندات سياسية طبقية.
يدعوا سلمان رشدي من خلال أدبه الراقِ الى التحرر من الجهل والخرافة والدكتاتورية والحروب الطائفية والمذهبية، ويسعى الى إدراك التخلف والسعي الى تجاوزه ويعمل على محاولة وعي الحقيقة كما هي وليس كما يصورها البعض، اتمنى على القاريء أن يطالع الرواية ومن ثم يحكم عليها.
____________________________________________________________

1/
الطبري هو حمد بن جرير بن يزيد بن كثير بن غالب الشهير بالإمام أبو جعفر الطبري، ويعتبر إمام المؤرخين الاسلاميين وإمام المفسرين، مولود في آمل /طبرستان/ بلاد فارس 224 -310 هجرية / 838 - 923 ميلادية 2 / راجع كتاب ذهنية التحريم لـصادق جلال العظم صفحة 204-205.

 

مقالات