سمير عادل

تظاهرة الصدر واستعراض ميلشياته العسكرية في شوارع بغداد

مقتدى الصدر خرج غاضبا من اجتماع التحالف الشيعي في كربلاء، دون ان توضح المصادر الصحفية التي تناقلت خبر الاجتماع، عن سر غضب الصدر.
مقتدى الصدر الذي لديه 34 مقعد في البرلمان وثلاثة وزارات خدمية واساسية وهي البلديات والموارد المالية والصناعة، يخرج علينا غاضبا ويهتف ضد الفساد، ويهدد باقتحام المنطقة الخضراء، واعطاء العبادي مهلة شهر ونصف كي ينفذ شروطه، ومع هذا نجده له يد في الحكومة، ويد في الفساد. اي يد في الحكومة ويد في المعارضة.
وعندما يشتد غضب الجماهير على الاسلام السياسي ويعلو شعار "باسم الدين باكونا الحرامية"، ويجد مكانته اي الصدر وموقعه السياسي سيتأثر في المعادلة السياسية الجديدة التي تمر في مخاض عسير عشية هزيمة داعش، وتقسيم العراق الى فيدراليات طائفية وقومية رسمية، فها هو يخطو خطوة نحو المعارضة، وليعلن نفسه انه منقذ العراق من الفساد والفاسدين. وأكثرمن ذلك فأن عضو تياره بهاء الاعرجي نائب رئيس الوزراء السابق الذي يعرفه القاصي والداني بأنه واحد من الرؤوس الفاسدة في العراق، فبدلا من اقالته وطرده من التيار، يلتف على هيئة النزاهة التي حولت ملفه الى القضاء، ويعلن بأنه حوله الى لجنة الصدر لمحاسبة الفاسدين. ويدعو الى كل من لديه شكاوى ليأتي الى اللجنة للتحقيق معه. وهذه عملية مفبركة ومفضوحة كي يقول لنا انه يحل محل الدولة ولا يعترف بالحكومة ولا بالقضاء ولا بهيئة النزاهة، ومن الجانب الاخر هي محاولة للألتفاف على ملف الاعرجي للتغطية عليه، وايضا لإظهار الصدر بأنه حامل راية محاربة الفساد. ويعيد الى ذاكرتنا "لجنة الصدر" ما فعله تياره وجيشه المسمى بجيش المهدي، عندما شكل لجان الامر بالمعروف والنهي عن المنكر في بداية احتلال العراق، او ما فعله بالمثليين او ما فعله بالايمو. ان الصدر يحاول ان يعيد انتاج نفسه، لكن هذه المرة تحت عنوان محاربة الفساد اسوة بالعبادي وباقي حلفائهم. والسؤال الى مقتدى الصدر، إذا كنت هكذا مخلصا في محاربة الفساد، فماذا عملت في ثلاثة حكومات متعاقبة ولمدة عشرة سنوات، ورائحة فسادها ساهمت في زيادة تلوث البيئة في العراق.
ان الصدر الذين توهموا به خاصة الذين يصنفون أنفسهم بالديمقراطيين والمدنيين الى حد الاعلان بأنهم يشاركون التيار الصدري اهدافه، يذكرنا بالرئيس الليبي معمر القذافي، عندما خرجت الاحتجاجات الغاضبة ضد نظامه الفاسد، وجدناه في اليوم الثاني في مقدمة الاحتجاجات ويردد مع الجماهير "الشعب يريد اسقاط النظام". هكذا هو مقتدى الصدر فهو جزء من العملية السياسية الفاسدة، وجزء من ثلاثة حكومات فاسدة، نجده يتقدم الاحتجاجات ويردد مع الجماهير الغاضبة بأنه يريد اسقاط الفساد.

ولكن ماعلاقة الاحتجاجات والمشاركة في التظاهرات، بالاستعراض المسلح لمليشيات الصدر في شوارع بغداد؟ ما هي رسالة الصدر من خلال عرض عضلاته العسكرية؟ هذه ليست المرة الأولى لظهور مقتدى الصدر في المنعطفات والازمات السياسية التي تعصف بالعملية السياسية في العراق. ان سياسة الصدر واضحة ولكنها تنطلي دائما على الحمقى والذين لا يستطيعوا ان يروا أكثر من وقع اقدامهم. ان الصدر يحاول ان يفرض نفسه كقوة متنفذة ولها اليد الطولى في العملية السياسية. فعندما وجد لا آذان صاغية لجعجعاته، ولا لبهلوانيته، وليس هناك من يذعن لشروط لجنته في اختيار الوزراء للعبادي، الذي كان هذا سر هجومه على حكومة العبادي في الجمعة الثانية للتظاهرات التي دعى اليها، ولان الصدر يدرك أكثر من غيره، ان الاحتجاجات الجماهيرية التي ركب موجتها لا يمكن السيطرة عليها، فهي اي الجماهير، اكتوت بنار الفقر والجوع والجور والعوز طوال عقد من سلطة الاسلام السياسي الشيعي، الذي مقتدى الصدر احد زعاماتها، لا يمكن لجم غضبها عندما تجتاح المنطقة الخضراء، نقول عندما فشل الصدر في تحقيق اهدافه من خلال ركوب موجة الاحتجاجات، فلجا هذه المرة الى عسكرة الشوارع، باستعراض ميليشياته العسكرية، وهي رسالة ذات شقين، واحدة للشارع لزرع الرعب ونشر الخوف في صفوف المجتمع، واعادة المحتجين الى بيوتهم عند الحاجة، والشق الثاني للتحالف الشيعي كي ينتزع منه أكثر ما يمكن من امتيازات في التشكيلة الوزارية والمعادلة السياسية الجديدة. وعلمتنا تجربة الانتفاضتين المصرية والتونسية، وهبوب نسيمها على المنطقة، بأن اعادة الجماهير المحتجة الى البيوت، يمر عبر عسكرة المدن، ونزول مليشيات الاسلام السياسي الى الشوارع تحت ذرائع وحجج مختلفة. ان البرجوازية الحاكمة في العراق وفي المنطقة تعرف من اين يؤكل الكتف، الم يفعلوا هكذا في مصر وليبيا وسورية واليمن وقلبوا ما سمي بالربيع العربي الى خريف طويل.

في احدى المجالس، قالت لي احدى الصديقات، بأنها لا تلم كثيرا بعالم السياسة، ولكن كيف لأناس واعين يلهثون وراء معمم، كيف يثقون ان يمشوا او يسيروا وراء معمم او يصدقوا كلامه؟ والمقصود مقتدى الصدر، وجوابي كان، ان من اضاع بوصلته السياسية، نجده كل يوم يلهث وراء معممين وغير معممين. ولكن ليس مهم ان يلهثوا وراء المعممين، فهذا شأن خاص بهم، وهذا كما يقولون ديدنهم. فمن قبل لهثوا وراء حزب البعث وقدموا الجماهير على مذبح السلطة، وبعد ذلك لهثوا وراء الاحتلال الامريكي وقالوا عنه ستمطر سماء العراق بالمن والسلوى الديمقراطية، وبين هذا وذاك انظموا ونظموا المواكب الحسينية وطبخوا بكميات كبيرة "الهريسة" عسى ولعل ان ينالوا رضى المؤمنيين من التحالف الشيعي.. وهكذا ستمضي حياتهم كلها، فهم احرار بما يفعلون ولكن يكفي جر الجماهير ورائها ونشر الاوهام في صفوفها.
ومن هنا نقول ونؤكد من جديد، ان الصدر اثبت لمرة اخرى ليس له علاقة بالاحتجاجات الجماهيرية، ولا بالمطالب الجماهيرية، ولم ينبس ببنت شفه حول سياسة التقشف وقطع نسب من معاشات العمال والموظفين والمتقاعدين، تلك السياسة التي عبد لها الطريق، ممارسات جماعة الصدر وكل قوى التحالف الشيعي واخوتهم الاعداء في العملية السياسية.
ان تنظيم الاحتجاجات والتصعيد بها تكون في الجامعات وفي النفط والموانئ والدوائر الحكومية والمصانع التي بدأت خارج ساحة التحرير وساحات المدن الكبرى. وان البديل لن يأت من العملية السياسية لأنها غارقة في ازمة ولا يمكن علاجها الا بنسفها. وعلى الجماهير المبادرة في تشكيل لجانها في المحلات والمصانع والمعامل والجامعات، وتمارس سلطتها الامنية والادارية وبغير ذلك فسيحل محل الصدر في المرة القادمه، عمار الحكيم او المالكي او العبادي، كما فعل معمر القذافي، وسيستمر الفساد والعوز والفقر.

 

مقالات