نادية محمود

من -الاصلاحات- الى حكومة - تكنوقراط- الى - الكتلة العابرة-!

من الواضح ان التظاهرات والاعتراضات التي بدأت منذ شهر تموز الماضي ولحد الان، قد تركت تأثيرا بانها فرضت على الحكومة الى ان تعيد التفكير ببرنامجها! تحدث العبادي مباشرة بعد اندلاع التظاهرات عن "الاصلاحات". وافق الجميع، البرلمانيون والحكومة، بل انهم ظهروا اكثر ثورية سائلين رئيس الوزراء بحلول "جذرية" وليست "ترقيعية"!
علما انهم لم يقولوا مالذي يريدون اصلاحه بالضبط "جذريا وليس ترقيعيا"؟ القضاء على الفساد؟ تحسين الوضع المعاشي للناس؟ تحسين الخدمات؟ الى ان بدأت اصلاحات العبادي: فرض سياسة التقشف، تخفيض الرواتب، فرض رسوم على الصحة، فرض ضرائب على موظفي الدولة. الحكومة والبرلمان وافقا على تلك الاصلاحات "الجذرية"!
الا ان غضب الجماهير ارتفع درجات اكثر. فالمتظاهرون تظاهروا من اجل شيء اخر تماما. انهاء الفساد، تقديم المفسدين واللصوص الى المحاكم، أصلاح القضاء، توفير فرص عمل، تحسين الخدمات. وهذه كلها ليست لم تمس، بل "الاصلاحات" داست في بطون الناس اكثر.
يواصل المتظاهرون تظاهراتهم، لتشرع الحكومة بمبادرة ثانية والتي ستقدم الحل السحري لمشاكل الدولة والمجتمع: "تشكيل حكومة تكنوقراط!" مرة اخرى، وافق الجميع، البرلمانيون والحكومة. وكان الجميع بانتظار العبادي ليقدم قائمته من التكنوقراط، الذين سيزيل انتخابهم الغمة عن قلوب هذا الشعب. سارع الوزراء بتقديم اسماء معبرين عن استعدادهم للاستقالة!
الا اننا لم ننتظر طويلا حتى نسى الجميع "حكومة التكنوقراط". ليبدأ الان الحديث عن تشكيل "الكتلة العابرة"! والعابرة لمن؟ العابرة للـ"الطائفية"! وافق الجميع، كل الكتل وافقت على تشكيل "الكتلة العابرة".
لكن، اخذا بنظر الاعتبار ان الاحزاب الكردية تؤكد بان حصتها يجب ان تزيد من 13% الى 20 % حسب النسبة البرلمانية، ويجب ان لا تمس. والتيار الصدري الذي يطالب بالـ"كتلة العابرة" لا يمكن، بالتأكيد، العبور من فوق كتلته. الرجل عبأ تظاهرة "مليونية" وانزل مسلحيه الى الشوراع، لينشر الرعب في قلب "خصومه"، ويهدد باحتلال الخضراء، وهو معرض لخطرالاغتيال!!!. فكيف يمكن عبور "كتلة" بهذه القدرة وبهذه المواصفات؟ اذن الكتلة الصدرية باقية في مكانها.
وذات الامر ينطبق على الحكيم، فهو متفق تماما مع الصدرعلى ضرورة ان تكون الكتلة "عابرة للطائفية". فالحكيم ايضا هو داخل اللعبة، وداخل الحلبة، وليس لديه نية الخروج منها، وان كان قد قدم، حاله حال الكتل الاخرى، اسماء استقالات وزارئه ليسهل على رئيس الوزراء، تشكيل حكومته التكنوقراطية. لكن الامر نسي برمته الان! اما اذا تحدثنا عن كتلة رئيس الوزراء لا يمكن ان يصل به نكران الذات الى الحد ليبعد دور حزب الدعوة مثلا عن الحكومة!
لذلك لو فكرنا بشأن "الكتلة العابرة" فانها ببساطة لن تتكون من اي كتل اخرى غير: الصدرية والمجلس الاعلى ودولة القانون والاحزاب الكردية. هذه الحكومة، تعيد تشكيل نفسها بذاتها باجزائها ذاتها، اذا كانت حكومة تكنوقراطية، واذا كانت "كتلة عابرة للطوائف"! أنهم يتحدثون وببساطة عن نفس الطاس ونفس الحمام. كلام للاستهلاك. كلام لا يصلح حالا، لا تغيير "جذري" ولا "ترقيعي". انها هي الكتلة ذاتها، الاحزاب الطائفية ذاتها.
فالطائفية هي حصان طروادة الذي ادخلتهم بها الولايات المتحدة لحكم العراق, باسم اضطهاد "الشيعة" في الجنوب واضطهاد "الكرد" في الشمال. والحال، مر مايقارب العقد ونصف و"الشيعة" لازالوا مضطهدين على ايدي الشيعة، و"الكرد" لازالوا مضطدين على ايدي الكرد. الملايين المصنفين "شيعة وكرد" يتظاهرون في الجنوب وكردستان من اجل لقمة عيشهم، من اجل رواتبهم.
بدون الطائفية وبدون خطاب "مظلومية الشيعة" ماكان لا للصدريين ولا الحكيم، ولا الدعوة ولا غيرهم من الاحزاب الشيعية ان تقوم لهم قائمة. ان الطائفية هي ايديولوجيتهم، غطائهم الفكري، عقيدتهم، خطابهم السياسي التعبوي، هويتهم، فصيلة دمهم. انها من عبد لهم الطريق بالورد ليصلوا الى ابار النفط، ليغترفوا منها بدون حدود، بدون حسيب ورقيب، بدون قضاء، بدون قانون، بدون سلطة، مؤسسين امبراطوريات مالية لهم.
انهم موجودون لانهم طائفيون. ان الطائفية تعني وجود احزاب اسلامية دينية على اساس شيعي او سني. ان تجريد احزاب الحكيم والصدر والدعوة من الطائفية ومن الحكم باسم "مظلومية الشيعة" يشبه تجريد حزب البعث من شعارات "القومية العربية" او تجريد الشيوعيين من مبدأ "حكم الطبقة العاملة والغاء العمل المأجور".
هذه حكومة ليس همها "الاصلاح"، هذه حكومة حائرة في امر نفسها وليس بامر المجتمع. حيث انها مطمئنة الى مصالحها وموقعها ووصوله الى منابع الثروات والاموال، وتديم وجودها ضمن هذه التشكيلة الحكومية الطائفية مرة بالتهديد، مرة بالميلشيات، مرة بتنظيم "المسيرات المليونية".
لقد تقاسموا الحصص، ويريدون اعادة تقسيمها، كل على حساب الاخر. هذا امر دأبوا عليه منذ عام 2005 ولحد الان. اما اعتراضات الجماهير، ومطاليبها بالاصلاح، فستراتيجيتهم هي فقط تخدير وخداع الناس بشعارات فارغة لامعنى لها. والا توزيع الحصص وتوزيع المناصب حسب اوزان "الكتل" يريدوها: خطوط حمراء! ومن اجلها تنزل الميلشيات الى الشوارع!
المسالة ببساطة هي مسؤوليتنا نحن، كل يوم يطول في عمر بقائهم في السلطة، يؤكد على اننا تركناهم يبقون يوما اضافيا. ان التغيير الجذري، سيؤدي الى قلعهم من الجذور. الناس تظاهرت ضدهم هم، هم الجالسين في البرلمان والحكومة ولديهم ميلشياتهم وايديهم على موارد المجتمع المليونية التي حولوها الى جيوبهم. الناس لم تتظاهر ضد قوى موجودة خارج البرلمان والحكومة. فالتغيير الجذري وليس الترقيعي، يعني ازالتهم هم من السلطة. وهذه، ستظل، مسؤوليتنا.

 

 

مقالات