منى حسين

لا يمكن للأنسانية أن تصل الى بر الأمان بدون تحرر المرأة ومساوتها التامة مع الرجل

مقابلة صحيفة "الى الأمام" مع الكاتبة منى حسين الى الامام: الثامن من اذار هذا العام له وقع اخر ليس على صعيد العراق فحسب بل على صعيد المنطقة وحتى العالم، حيث ما زال اعداء المرأة يصولون ويجولون، فداعش في سورية والعراق والاسلام السياسي الشيعي الحاكم في العراق، كيف ستبرزون يوم المرأة العالمي في العراق في هذا العام وما هي الرسالة التي تريدون ان توجهونها الى المجتمع؟ منى حسين: يجب ان تكون كل اللحظات وكل الساعات وكل الايام وكل السنين هي 8 آذار، حتى نصل الى اليوم الذي نتوقف فيه عن تخصيص يوم بأسم المرأة نستعرض فيه الظلم والأضطهاد والعنف الذي يطالها ويطال حياتها، اليوم الذي فيه تكون المرأة قد استعادت أنسانيتها.. اليوم الذي يتم القضاء فيه على كل اشكال التمييز ضد المرأة وكل أنواعه.. اليوم الذي تكنس فيه الأنسانية الراسمال وأنظمته مع سواتره التي يتحصن بها من الدين والطائفية.. اليوم الذي فيه تحقق الأنسانية عالمها الأفضل..
ظهور داعش وقوى القتل والجريمة الأخرى الى جانب الحكومات سواء في العراق أو في الدول المسمات بالأسلامية لم يأتي بجديد على أضطهاد المرأة.. داعش أو الحكومات الدينية تستمد منهاجها من تاريخ كامل من العنف ضد المرأة.. من سنوات وقرون من أضطهاد المرأة.. الحكومات الدينية أو حتى غير الدينية في المنطقة التي تسيطر فيها القوى الأسلامية قررت أن لاتتعارض دساتيرها مع هذا التاريخ الكالح المظلم والمقيت.. مثلا في الأيام القليلة الماضية صدر قانون في اقليم البنجاب أكبر اقاليم الباكستان قانون لحماية المرأة من العنف المنزلي والنفسي والجنسي.. ودعا أيضا إلى تخصيص خط ساخن للإبلاغ عن حالات إساءة المعاملة وإقامة منازل لإيواء النساء.. لكن هيئة دينية ذات نفوذ في الباكستان ومهمتها تقديم المشورة للحكومة بشأن مدى مطابقة القوانين للإسلام.. أعلنت أن هذا القانون "مخالف للأسلام". اضافة الى عدد كبير من رجال الدين والقادة الدينين المؤثرين في القرار الباكستاني أعتبروه مخالف للقرآن والدستور الباكستاني.. داعش هو الصورة الواضحة لشكل حياة المرأة في دائرة هذه الدساتير..
الحقيقة التي لا يمكن التغاضي عنها هي ان الوضع اكثر من سيء ويحتاج ان نستعيد الامل.. امل الانسانية أملها في حياة أفضل.. اعداء الأنسانية نصبوا كل ما نصبوا ضد المرأة.. لكسر وجر التركيز والخلاص والخروج من معاقل الخوف والارهاب التي احاطت الحياة باكملها.. وليس فقط واقع المراة وحياتها.. هذه الاطراف تريد ان تاخذ قضية المراة للعجز لغض النظر عن جوهر المشكلة وعن مضمونها الاساسي..
اليوم نحن بأمس الحاجة الى تعبئة الجماهير وتكثيف الوعي باهمية دور المراة ومشاركتها للخروج من كل هذه الازمات والحروب.. التي ارتدت الثياب البالية المرقعة بالدين والطائفية لتنشر ويلاتها على حياة الأنسان ومعيشته.. علينا أن نركز على الحقيقة ونناضل من أجل تثبيتها.. الحقيقة التي تقول بدون مشاركة المرأة بدون تحررها ومساوتها لايمكن لنا القضاء على هذه الأزمات وهذه الحروب.. ولا يمكن للأنسانية أن تصل الى بر الأمان بدون تحرر المرأة ومساوتها التامة مع الرجل..

الى الامام: نستغل هذه المناسبة كي نتحدث عن امور كثيرة فيما يخص قضية المرأة، برأيكم كيف تفسرون تفشي ظاهرة التحرش الجنسي على صعيد العالم؟ لماذا تتسع هذه الظاهرة الان ،هل هي ظاهرة اجتماعية ام حالة سياسية تقف ورائها اجندات احزاب معادية لمساواة المرأة المطلقة مع الرجل؟ منى حسين: ظاهرة التحرش الجنسي ظاهرة موجودة ومتفشية عبر كل تاريخ الأنسانية وكل جغرافيتها.. التحرش الجنسي منهاج ذكوري طاغي على حياة الأنسانية له مروجوه والداعمين له.. الذي تغير اليوم هو الانتشار السريع والترويج للظاهرة والتاكيد عليها.. لاخذ المجتمعات الى قانون الهمجية والبقاء للاقوى.. أنتشار وباء التحرش والاغتصاب والسبي جاء منسجما مع كل الانتهاكات والحروب التي تتصدر المشهد السياسي الان.. وبالتاكيد هي ظاهرة سياسة تقف ورائها كل الجهات التي لديها مصالح لترهيب المراة واخضاعها.. لقد تم تفصيل دور المراة على مقاس الاخضاع الجنسي في مجتمع ارهابي.. الواقع السياسي الان هو واقع ذكوري.. التمييز والعنف ضد المرأة من أهم ركائز واساسات الراسمال وأنظمته.. بقائها واستمرار تسلطها على المجتمعات من بقاء التمييز والعنف ضد المرأة.. لذا نجد ثقافتها تحصر المراة في انبوبة الجسد.. ثقافة الاستهتار بانسانية المراة والاعتداء عليها..
التحرش الجنسي هو من اشد أنواع العنف ضد المرأة.. التحرش الجنسي هو ركيزة التمييز ضد المرأة ضد وجودها وضد أنسانيتها.. تفشي هذا القبح تفشي هذا الأستهتار في هذه المرحلة.. لكون المرأة اصبحت اليوم تعي أكثر من قبل وجودها ومكانتها في المجتمع والحياة بشكل عام.. في هذه المرحلة تطور النضال النسوي لم يعد يقبل بانصاف الحلول أو الحلول الترقيعية.. نضال المرأة اليوم لايقبل باقل من المساواة التامة مع الرجل في كل الميداين.. من هذا الأساس اتخذت الأنظمة وتبنت هذا الهجوم الشرس على المرأة وعلى حياتها.. نشر التحرش الجنسي في الشارع وأماكن العمل هدفه أعادة المرأة الى البيت.. هدفه حصر دور المرأة في التربية والمطبخ وأعمال الخدمة البيتية..
نشر التحرش الجنسي تتخذه بعض الأنظمة ستار لتمرير سياستها.. ما حدث في مدنية كولن في ألمانيا عشية الأحتفال براس السنة الميلادية.. وما تلاه من ترويج بالضد من اللاجئين على اثر واقعة التحرش الجنسي.. والتي أمتدت الى مدن أخرى في ألمانيا ودول أخرى كالسويد والدنمارك وغيرها.. كان الغرض منه العبث بحياة المرأة والعبث بجسدها ووجودها من أجل تمرير أجندة سياسية بالضد من اللاجئين.. أستغل جسد المرأة بابشع الاشكال واحطها من أجل رسم صورة قبيحة لللاجئين الهاربين من ويلات الحروب والدمار التي صنعتها ايدي انظمة الراسمال القذرة.. لوقف تدفقهم ونشر الكراهية ضدهم.. وكذلك استغلال حالات التحرش لفرض قيود على مشاركة المرأة في الحياة العامة بذريعة التحرش من قبل اللاجئين.. في الأسبوع الفائت حادثة تحرش بفتاتين في حمام سباحة بمدينة نودرشتد في ولاية شليسفيغ هولشتاين من قبل أثنين من اللاجئين الأفغان.. أدارة الحمام أعتبرت سبب الترحش هو الأختلاط فقررت منع استخدام نفس الحمام للرجال والنساء ومنع اللعب بينهم.. حيث قررت أن يكون وقت للرجال لأستخدام حمام السباحة ووقت للنساء..
دور الرجل في كل السياسات اليوم موضع اهتمام وترويج.. كل الثقافات تعطي الأولوية للرجل ولدوره في السياسة والأقتصاد والأجتماع.. بينما تحشر المرأة في دوائر الجسد والمتعة. دوائر التحرش والأغتصاب والمتاجرة بالجنس.. دوائر الخدمة والتابعية والمهام الهامشية بصيغة البنية البايلوجية لجسد المرأة.. ان الاوان ان نقول ان المراة انسان وهي ليست خارج خارطة التاريخ والمجتمع.. المراة انسان ويجب تحريرها من نير الأحتلال الديني والعرفي والذكوري لحياتها وحياة عائلتها.. يجب تحريرها اليوم من الأحتلال الذكوري الذي يعود بجذوره الى أعماق سحيقة من التاريخ..


الى الامام: كيف تنظرون الى قضية المرأة اللاجئة التي بالإضافة الى فقدانها حقوقها كإنسانة في حصولها على حق الاقامة والسكن والعيش بآمان، تواجه اليوم شتى انواع الاعتداءات والتحرش والاغتصاب؟ منى حسين: معاناة المراة وماساتها لا تصنف الى لاجئة او سبية او مشردة او غيرها من المسميات.. معانات المرأة اليوم هي معاناة واحدة وهي ماساة واحدة سواء كانت مستقرة في الأرض التي تعيش فيها أو مشردة أو مهاجرة.. المرأة اللاجئة أصلا لاتمتلك انسانيتها في البلد الذي كانت تعيش فيه.. كما وأنها عرضة للتحرش والأعتداء والعنف في اي وقت واي مكان سواء كانت مستقرة أو لاجئة..
المرأة في البلدان التي ابتليت بتسلط أعتى القوى الأرهابية واشدها جريمة.. هاجرت وهي تحمل الأمال بحياة حرة تستعيد فيها انسانيتها.. هاجرت لتحافظ على جسدها وحياتها من نهش الوحوش الضارية المعبئة بالجريمة والتشريع.. لتجد نفسها أمام نفس الماساة ونفس الأجندة التي تصارع من أجل الأبقاء على الظلم والأضطهاد بحقها..
ان ابشع ما يحصل مع المراة هو مسخ هويتها الانسانية ومحوها.. ولن يغير من الأمر شيء سواء كانت باوراق رسمبة او بدونها.. الوجود الأنساني لايحتاج الى اوراق ثبوتية.. الوجود الأنساني لايحتاج الى أوراق رسمية.. يجب ان نركز على منح المراة انسانيتها قبل اي شيء اخر.. منح المراة انسانيتها سيمنحها كل حقوقها.. منح المرأة أنسانيتها سينهي كل انواع الأعتداءات أو التحرش أو العنف ضدها.. في أي رقعة جغرافية تعيش فيها ومهما كانت الأوراق الثبوتية التي تحملها.. مشكلة المراة الحقيقية ليست اوراق اقامة او سكن او العيش بامان تحت رعاية الرجل.. مشكلتها الحقيقة هي انتهاك وجودها وذاتها وكيانها الانساني باكمله.. فلا اعتقد أن هناك فرق بين من كانت تمتلك اقامة رسمية او لا تمتلك.. لان جذور الالم والعنف والتمييز ضد المرأة واحدة.. في كل مكان تعامل المرأة على انها وعاء للمتعة والجنس وهذا وحده يكفي ويوضح الكثير والكثير..

الى الامام: ما هي برأيكم اهم معوقات الحركة النسوية في العالم بشكل خاص، وهل يمكن ان تتبلور حركة تستطيع ان تسجل موقع لها في المجتمع؟ منى حسين: أعتقد أن الحركة النسوية من منظمات وجمعيات ومؤتمرات هي أكبر عائق امام المرأة لتحقيق مساواتها التامة مع الرجل.. الحركة النسوية بشكل عام تعود مرجعيتها الى الرجل.. رسمت سياستها وفق رؤية الرجل للمساواة بينه وبين المرأة.. الراسمال وأنظمته هو من يساهم في مسار الحركة النسوية اليوم أو لنقل هو من يحدد لها المسار.. الراسمال هو من يهب الحركة النسوية المساعدات المالية لتنفيذ برامجها.. وأعلامه هو من يقوم بالنشر والدعاية لها..
هذا الشيء نفسه يتم في الأحزاب والتيارات اليسارية والشيوعية الرجل هو من يحدد نوع وشكل تحرر المرأة ومساوتها التامة معه.. يكون للرجل اليد الطولى والقرار الأخير في تحديد السياسة والبرامج التي تتبعها الحركة النسوية.. الى اليوم لم تأتي حركة نسوية تقودها المرأة باستقلالية تامة وتقرر لها سياستها وتطرح برنامج المرأة للمساواة التامة بينها وبين الرجل.. حتى وأن ظهرت مثل هذه الحركات فهي تتجه أكثر نحو الفمنستية وليس نحو استعادت المرأة لأنسانيتها..
أعني ان التعامل مع المراة وقضيتها يتم عن طريق وجهة نظر التيارات والاحزاب والتشكيلات والسياسات الموجودة كافة، وهذا يفرض قرارت وسياسات تلك التيارات أو الأحزاب على المراة وعلى قضيتها.. سياسات قد تكون بعيدة تماما عن طموحاتها وأنسانيتها.. ان الخلل الذي اصاب الحركة النسوية امر يحتاج الى وقفة جدية لأعادة بنائه ومكانه الواضح الاهداف والملامح.. ان ضبابية النظام الراسمالي وضبابية أحزابه بعصاباتها ومليشاتها وضبابية الذكورية التي طغت حتى على الحركات الشيوعية واليسارية، امر ترك قضية المراة بمازق كبير..
ان اهم خيط ممكن ان يصل بالمجتمعات الى الخلاص هو وجود حركة نسوية قوية او لنقل بتعبير أدق حركة اكثر انسانية تكون مشاركة المرأة فيها عميقة وجذرية.. حركة تعمل لصالح مجتمع امن وغد افضل وليس لتنفيذ أجندات أحزاب وتيارات مهما كان شكلها ونوعها.. وأأوكد بان ضعف الحركة النسوية في الوقت الحاضر ليس بسبب ضعف المرأة.. بل سببه سيطرة الجهات الموجودة بيسارها ويمينها على الحركة النسوية ومحاولة السير بها نحو تنفيذ أجندتها السياسية..
بالتاكيد ستتبلور حركة نسائية تلف كل هذا العنف والاضطهاد والظلم وتصل بنا الى بر الأمان، بر المساواة التامة بين المرأة والرجل.. سواء شئنا ام ابينا لان النضال موجود ولن ينتهي.. والصراع قائم ولن نستسلم ابدا.. وستدرك الأنسانية جمعاء بأن حقيقة الخلاص لا يتم ألا بتحرر المرأة ومساوتها التامة مع الرجل.. وقتها لن تكون المرأة وحدها في طريق النضال، بل ستكون يدا بيد مع الرجل لبناء عالم الأنسانية الأفضل.. وهذا ليس حلم بل أنه ممكن..

 

مقالات