سمير عادل

الاستقرار والاسلام السياسي والماكينة الطائفية

كل من يعتقد، ان الخلاص من الفوضى السياسية والامنية والازمة الاقتصادية، سيأتي في ظل سلطة الاسلام السياسي، ويراهن ويعول عليه، فأنه قرر بمحض ارادته، وللعام التاسع على التوالي، ان يسجل اسمه في سجل تاريخ "الاذكياء" في العالم، ويستحق بجدارة جائزة نوبل "للمبدعين".
ثلاثة مشاهد سياسية، في العراق وفي المنطقة، توضح بشكل جلي، لا يمكن تحقيق الاستقرار السياسي وانهاء الفوضى الامنية وتحقيق الرفاه، دون اسقاط الاسلام السياسي من السلطة او تحجيم دوره. وان اية مساومة او تواطئ مع هذا الهدف، لا يعني غير تكبيل الجماهير، وتحويلهم الى عبيد، او تقديمهم قرابين على مذبح استمرار سلطة الاسلام السياسي.
المشهد الاول، الفارق بين البرنامج الحكومي الجديد الذي يقدمه العبادي اليوم لتشكيل حكومة تكنوقراط، وبين برنامجه في عيد تشكيل حكومته الاولى قبل أكثر سنة ونصف، هو ان داعش قضم ثلث مساحة العراق آنذاك، وافرغ منها اكثر من اربعة ملايين شخص. اما اليوم، فالأزمة الاقتصادية ابتلعت ميزانية العراق وافرغت جيوب ٧-;- ملايين من العمال والموظفين. وفي كلا البرنامجين، لم يأت العبادي بشيء جديد. وإذا استثنينا بند اعادة النازحين ومحاربة داعش من البرامج الحكومية للعبادي، فنجدها نسخة منقحة لبرنامج المالكي في ولايته الثانية، وطبق الاصل لبرنامج مقتدى الصدر الذي اقام الدنيا ولم يقعدها، وكأنه اكتشف سر الحياة.
ان الازمة السياسية في العراق، هي عضوية، وتكمن في الاسلام السياسي نفسه، الذي اثبت انه غير قادر على ادارة السلطة في العراق، وفشل خلال عشرة سنوات من الحكم. واليوم يعيش أحلك ايامه في ظل ازمتين اقتصادية وسياسية. وخلال هذه السنوات لم يطرح اكثر من البديل السياسي الطائفي، ولا يملك غيره في ادارة السلطة في العراق.
والمشهد السياسي الثاني، هو ما توصلت اليها السلطتين الاسلامية في تركيا "السنية" وايران "الشيعية" من اتفاقية، وانهاء اجواء التوتر، ورفع مستوى التبادل التجاري بينهما الى ٣-;-٠-;- مليار دولار سنويا. وليس هذا فحسب بل صرح قادتهما بأنهما يمثلان الاسلام المعتدل في العالم، وكأنهما يحاولان اما التغابي او تحميق الاخرين، بأنهم ليسوا من قدموا كل اشكال الدعم للجماعات الاسلامية، بدء من جبهة النصرة واحرار الشام وداعش والمليشيات الشيعية المنضوية تحت مظلة الحشد الشعبي. او ان ضمائرهم صحت، ويريدون اعلان البراءة من عمليات القتل الطائفي على الهوية في كل من سوية والعراق. وخلال الاربع سنوات الفائتة، وتحديدا منذ السعي المحموم، لإجهاض الثورتين المصرية والتونسية، استخدموا الأيديلوجية الطائفية في تقسيم المجتمعات، وتسميمها، وبدعم ومساندة الغرب وبقيادة الولايات المتحدة الامريكية. واليوم وبعد التأكد من ان الثورتين ونسيمهما، قد الحق بهما الهزيمة، يعود الاسلامان، ويتحدان من جديد، ويتحولان بين ليلة وضحاها الى اسلام معتدل. ليصرح بعد ذلك وزير الخارجية الامريكي جون كيري من السعودية وفي لقاءه ملكها سلمان، بأنه ان الاوان لينتهي الصراع في سورية واليمن.
اما المشهد الثالث، ما حدث قبل ايام، في اجتماع لوزراء خارجية العرب في الجامعة العربية، عندما ترك الوفد السعودي الاجتماع احتجاجا على كلمة ابراهيم الجعفري، التي وصف فيها المسؤولين في السعودية بالإرهابيين، حيث قال ان حزب الله اللبناني والحشد الشعبي حفظ كرامة العرب، ومن يصفهما بالإرهابين فهم ارهابيين. والحق يقال بأن الجعفري، ولأول مرة، يتفوه بكلمات مفهومة لها دلالتها، منذ توليه منصب وزير خارجية العراق. فالجامعة العربية، بالرغم انها مؤسسة فاشلة وفاسدة، ولعبت دورا رجعيا طوال تاريخها، وكانت اداة بيد الحكومات القومية العربية في تجميل وجهها القبيح، وتبيض صفحاتها المليئة، بالانتهاكات الفاضحة لحقوق الانسان، وخنق الحريات وافقار المجتمع، لكنها اكتفت ان تكون منبرا دعائيا للقومية العربية، منذ تمريرها للسياسة الامريكية في اسقاط نظام صدام، وانتهاء بطرد ممثل النظام السوري، ومنح مقعده للمعارضة السورية المدعومة من قطر والسعودية وتركيا، الثالوث الاسلامي السني. ان الجعفري اعطى اللون والطعم والجديد للجامعة العربية، التي ولت فيها القومية العربية، وحل محلها الاسلام السياسي بألوانها الطائفية. بيد ان الميليشيات التي تحدث عنها الجعفري، لم تحفظ غير عروش حكام العرب وملوكهم. لان نفس تلك المليشيات وبالتعاون مع داعش واحرار الشام وجبهة النصرة والجيش الاسلامي وجيش الفتح، قتلت وشردت وهجرت، مئات الالوف من العرب والاكراد، والمسيحيين والايزيدين، ومن المصنفين الشيعة والسنة. ولو لا تلك الميليشيات والجماعات الارهابية، من كان يعرف او يتنبأ بان يوما سيأتي تكون فيه هويته الشخصية، قد تنفيه من الوجود الانساني، سواء مذبوحا، او يموت غرقا في مياه المتوسط، او خنقا في احدى الحاويات النقل.
ان المشاهد السياسية الانفة الذكر، تلقي بظلالها على المجريات السياسية في المنطقة، وتبين ان الحلقة المركزية اليوم في الصراع السياسي، هو الاسلام السياسي. وقد بينت السنوات الفائتة، ان الاسلام السياسي دون ميليشياته، ودون الة القتل، ودون الماكنة الطائفية، لا يمكن له الصمود والاستمرار. وليس فحسب بل الإسلام السياسي عندما يجد نفسه يغرق، لا يغرق وحده، بل يجر المجتمع ورائه، مثلما رأينا في افغانستان، وفي الرمادي، وسنرى المزيد في الموصل. وكما شاهدنا خلال الاشهر الفائتة، كيف بدء العبادي بجر ازمة التحالف الشيعي وسلطته الفاسدة على جماهير العراق، بسياسة استقطاعات رواتب العمال والموظفين والمتقاعدين، ولمسنا ايضا ان صراع الصدر مع بقية اجنحة التحالف الشيعي سيغرق المجتمع بالمزيد من الفوضى اذا لم يتحقق بديل مقتدى في ادارة ازمة سلطة الاسلام السياسي الشيعي.
ان النضال ضد الاسلام السياسي، والعمل على اسقاطه من السلطة في اية بقعة كانت او تحجيم دوره، ستلحق به الهزيمة، وستجر على بقية اجنحته والوانه الطائفية. فهزيمة داعش، او اسقاط سلطة الاسلام السياسي في العراق، او في إيران، او في تركيا، ستغير الوجه الانساني للمنطقة.

 

مقالات