عادل احمد

المزاج الثوري والمزاج غير الثوري في المجتمع

ان تفسير طبيعة المجتمع القائم لا يمكن الا بالرجوع الى الصراع الطبقي وعوامله والتغيرات التي تحصل في مكانة الطبقات. وان تشخيص مزاج الجماهير يعتمد بالدرجة الاساسية على نوع ودرجة العلاقة بين الطبقة الحاكمة والطبقة العاملة والكادحة في المجتمع. وان مكانة الطبقات ومستوى الوعي الطبقي هي التي تحدد مزاج الجماهير الثوري والمزاج غير الثوري. وان مستوى الوعي يحدده نوع النضال بين الطبقتين المتصارعتين البرجوازية والطبقة العاملة.
ان ليس كل عصيان او احتجاج هو ثورة وان حتى ليس بالضرورة ان يكون اسقاط الحكومات هو بمثابة ثورة. ان الثورة لها معانيها ولها مدلولالتها الخاصة تخص درجة التقابل والاحتدام بين طبقات المجتمع المتناقض. ان مطلب اسقاط وزوال الحكومة لا تعني الثورة دائما، وربما يحدث هذا بدون العملية الثورية او حتى من الممكن ان يكون بطريقة رجعية.
ان اليسار التقليدي والغير العمالي ينظر الى كل تظاهرة وعصيان بأنها موجة ثورية، بغض النظر عن محتوى هذا التجمع ومحتوى حركته وافقه السياسي. ان الثورة في ذهن اليسار الغير العمالي لا تتجاوز العصيان كما يسميها ماركس. الثورة والعصيان مرحلتين مختلفتين، ان كل ثورة هي عصيان اجتماعي ولكن ليس كل عصيان اجتماعي هو ثورة. حتى في اوقات وظروف تراجع الثورة قد يحدث عصيان واحتجاج ولكن ليست ثوري ولا يعبر عن المزاج الثوري للمجتمع. لنوضح هذه المسالة على واقعنا الحالي في العراق.
ان الاوضاع في العراق وكردستان هي في مرحلة التشرذم والتفكك الاجتماعي تدريجيا. ان القوة البرجوازية والطبقة الحاكمة حاولت وتحاول بأستمرار ان تخضع المجتمع لسياساتها الغير انسانية، وحاولت ان تسلب الارادة والمقاومة الثورية عن طريق خلق ظروف غير انسانية وممارسة اقذر السياسات التفكيكية والعنصرية والطائفية تجاه بعضهما البعض، ورهن حياة الملايين من البشر في العمل مع مليشياتهم الرجعية ونهب اكبر حصة من الاموال العامة وتقسيمها بينهم، مقابل فرض الفقر المدقع على الجماهيرالعمالية والكادحة. بخلق هذه الوضعية عمدت البرجوازية على خنق كل الظروف الثورية ودعمت الرجعية الى اقصى الحدود. ان استياء الجماهير تجاه هذه الاوضاع كبير وعملية الاحتجاجات الجماهيرية في كردستان والعراق بسبب انقطاع الرواتب والاقتتال والنهب مستمرة ولكن في ظروف وشروط سياسية غير ثورية. لماذا غير ثورية؟ لانها لا تعكس تاثيرات الصراع الاصلي والطبقي في المجتمع بوضوح بل تدور رحاها في مطالب قسم من الطبقات السائدة. ان شعار "بأسم الدين باكونه الحرامية" في ساحة التحرير في بغداد لا يعبر عن مطلب ثوري.. وكذلك شعار "لا لانقطاع الرواتب" و"لا للنهب" في كردستان لا يعبر ايضا عن مطلب ثوري. انها مطالب مستحقة وانسانية ولكن لا تحوي بين طياتها على مزاج ثوري. وان هذه المطالب بالأمكان ان ترفعها أطراف من السلطة الحاكمة، بل وبامكانها ركوب على هذه الموجة الاحتجاجية بسهولة وتوجيهها باتجاه مصالح الطبقات الحاكمة..
كما راينا التيار الصدري ركب موجة الاحتجاجات الجماهيرية في ساحة التحرير وبقية المدن العراقية، وكذلك تيار "التغيير" في كردستان ركب الموجة الاحتجاجية وحصر كل الأزمات في كردستان في زاوية مستحقات الرواتب لا غير.. ان الوعي هنا لا يعبر عن مزاج ثوري، بل الاخفاق رغم وجود احتجاجات جماهيرية. ان الوعي الثوري والمزاج الثوري لا ينخدع بسهولة لانه تعبر عن الصراع الاصلي في المجتمع بدرجة معينة او تتحرك خطوطه وافقه تحت تأثير هذا الصراع. ان الوضع الثوري يعني بأن الطبقات السفلى اي العمال والكادحين لا يقبلون بسلطة الطبقات الحاكمة ولا الطبقات الحاكمة بامكانها الاستمرار تحت نفس الظروف فيحدث التشقق والتصدع بين الطبقات في المجتمع، وكل طبقة تحاول احراز النصر وفرض سياساتها. ولكن ما يحدث في العراق ليس انعكاس لهذه الوضعية. صحيح بأن الاحتجاجات تطالب حتى بسقوط السلطة الحاكمة ولكن لم يتجاوز هذا السقوط كل السلطة وكل الطبقة الحاكمة.. ولهذا بأمكان التيار الصدري ان يركب الموجة بسهولة او حتى بأيعاز من السيستاني يتغير مجرى الاحتجاجات ومسارها. وفي كردستان بأمكان حركة التغيير ان تلعب بمصير هذه الاحتجاجات الجماهيرية. اذن اين تكمن الحل في ظروف كهذه؟ في الظروف غير الثورية "التنظيم" هو الاجابة. ان عملية التنظيم هي البديل عن عملية التغيير في المزاج الجماهيري. ان التنظيم الجماهيري هو اداة وعملية استرجاع الارادة والثقة والقوة من جهة، وهو اداة التغيير العملي للوعي الاجتماعي من جهة اخرى. ان نضج الوعي يعني الرجوع الى اصل المسألة وهو الصراع الطبقي والاصلي في المجتمع. وان هذا الصراع هو الميزان لكشف قوة الطبقات والحركات الاجتماعية واحزابها ومواجهاتها. ان التنظيم الجماهيري المجالسي بامكانه ان يكون التنظيم المناسب لقلب الاوضاع لصالح الجماهير العمالية والكادحة. وبأمكان هذا التنظيم في حال تقدمه وتوسعه ان يكون سلطة بجوار السلطة الحاكمة البرجوازية.. ان مجالس العمال في المعامل والشركات والمصانع او مجالس الموظفين والخدميين والشرطة بامكانها ان تكون شريكا في توجيه المجتمع والاقتصاد والسياسة، وان مجالس الطلاب والمدرسين بأمكانها رسم ملامح المجتمع المدني.. اذا اصبح تنظيما قويا وموسعا.. كل هذا مرهون بكيفية عملنا والعزم لانجازه.

 

مقالات