نادية محمود

تعيين الوزراء في العراق ب-ارسال سيرته الذاتية واجراء مقابلة-!

وثيقة "الاصلاحات" التي ارسلها العبادي الى رؤساء الكتل توضح معاييره في اختيار الوزراء وتنص وببساطة بالغة جدا، على ان يقوم الراغبين بالعمل "كوزير" بأرسال سيرتهم الذاتية CV الى لجنة اختيار الوزراء. ثم تقوم لجنة - قام بتعيينها- بعد قراءتها للسير الذاتية بتصفية وترشيح المتنافسين.
اللجنة تبدأ الفرز على اساس معرفة مدى امتلاك المرشح للمؤهلات التالية مبعدة من لا يملكها عن المنافسة، وهي امتلاك القدرة على "التفكير الاستراتيجي"، "القدرة على الابتكار من خلال التحليل والافكار"، يمتلك صفة "التميز في الادارة"، قادر على "تحقيق نتائج خطة الحكومة"، "قادر على اشراك الشركاء". هذه الوثيقة التي تبدو وكأنها ترجمت عن الانكليزية وبشكل سيء- تصور وكأن العمل في الحكومة في العراق يشبه العمل في شركة اهلية: ما تحتاجه هو "سيرة ذاتية ومقابلة"! وما كان ينقص العبادي فقط هو ان ينشر الوظائف "الوزارية" الشاغرة في الصحف الرسمية.
هل العبادي جاد ومقتنع ان هذا هو سبيل الحل للخروج من الازمة؟ هل هذا هو الحل للمطاليب التي خرجت من اجلها الجماهير محتجة من 31 تموز-الى اليوم الذي دخلت تظاهرات الصدريين الى ساحة التحرير-؟ لقد خرجت الجماهير تطالب بتوفير الكهرباء، توفير الخدمات، انهاء الفساد، اصلاح القضاء، توفير فرص عمل. هل تجيب هذه الوثيقة عن تلك المطاليب؟.
هل غاب عن ذهن العبادي ان الاحزاب والكتل التي تنافست للوصول الى البرلمان، لديها "استحقاق!" وزاري! وانها تريد "حصتها" من الوزارات! ام ان حصص هؤلاء مضمونة وهي غير مشمولة بالتغيير؟..
ان الوزرات في العراق تشترى وتباع بملايين الدولارات وتجري المفاوضات عليها لشهور! فكيف ستمنح ضمن اصلاحاته "مجانا"!!..
هل غاب عن العبادي ان الوزارات هي مصادر مالية لتمويل أحزابها. فالوزارة توفر للحزب السياسي مايحتاجه من اموال باية طريقة تجدها الوزارة مناسبة، رشوة، فساد، فضائيين، هذه امور غير مهمة. المهم الوزارة توفر مصادر مالية متى ما وجه لها لحزب بتوفير الامكانيات، وعلى الوزارة ان تدبر امرها. فقرار الحزب، والتيار والكتلة والمجلس، هي اوامر وليست طلبات! والا فقد الوزير مكانته وعمله ومصدر رزقه.
هل نسي العبادي ان الوزارات، تشكل قنوات للتعبئة السياسية لاحزابها. الموظفين، البطالة المقنعة، واولئك الذين يحضرون الى الدوام في يوم استلام الرواتب، والتشغيل للاقارب واعضاء الحزب هم الذين يصوتون لتلك الاحزاب حين تحل ساعة الانتخابات, وهم يشكلون جمهورها حين يريدوا انزال تظاهرة الى الشوارع لتأييد سياسة احزابهم، وهم الذين يشكلون الاحتياطي البشري الذي تجند منه عناصر لميلشياتها. والا من اين تأتي الاحزاب بالمصوتين و"المتظاهرين" وعناصر ميلشياتها؟ الولاء السياسي لهذه الاحزاب يأتي من قدرتهم على توزيع التعيينات في الوزارات، وعلى شراء ولاء الفقراء والمعوزين والعاطلين عن العمل.
ان ما يهم الاحزاب الاسلامية الحاكمة هي قدرتها على البقاء في السلطة، وان يكن لها ايدي واذرع تصل الى المصادر المالية والثروات والسلطة. والوزارات هي القنوات الرسمية التي تمكن هذه الاحزاب من الوصول الى هذه المصادر.
والشاهد ان السرقات الكبرى حدثت في الوزارات، وقام بها وزراء. والا كيف جرى تصنيف العراق كأسوأ دول العالم بالفساد، لان الفساد كان يجري في وزارات الدولة وما تحتها. الوزارات هي مصدر مالي ونفوذ سياسي وتعبوي وتكريس وتثبيت لسلطة الاحزاب.

الحكومة والوزارات والدولة هي اداة بايدي زمرة من احزاب شيعية مكنتها الولايات المتحدة من السلطة بعد حربها على العراق وفرضتهم على المجتمع. الدولة والحكومة والوزارات هي ادوات بايدي تلك الفئة او الطبقة، وكل وجودها وصراعاتها ومناوراتها الداخلية هي من اجل تأمين سيطرتها وضمان موقعها ومكانتها.
والوزارات، وان تغيرت الوجوه، لن تخرج عن تلك الاقطاب، وان جاءت "لجنة المقابلات" بوجوه جديدة، فسيكون محاصر بمصالح وبميشليات الاحزاب الشيعية من اربع جهات لـ"الابتكار من خلال التحليل والافكار". فباخر المطاف الطبقة اللصوصية هي التي تحكم.
لذلك يمكن القول ببساطة ان وثيقة اصلاح العبادي وتعيينه للوزراء هي وثيقة للمماطلة ولخداع وتضليل الناس، ولكسب الوقت بالضد من ارادة ومطاليب الجماهير. انها وثيقة مفضوحة ويجب ان تفضح. هذه سلطة عجزت وهي عاجزة ولن يكون بوسعها الاجابة على تلك المطاليب الاساسية والاولية التي تمكنت حتى حكومات رأسمالية وبرجوازية من تحقيقها. اما في العراق، بفعل وجود هذه الطبقة اللصوصية، تلف وتدور الحكومة حول نفسها، ثم تلف وتدور لتأتي لنا بنظريات عجيبة غريبة، دون ان يكون لديها جواب حقيقي.
لكن الاعتراض الاجتماعي سيظل يبحث عن جواب.

 

مقالات