لينين

موقف حزب العمال من الدين ف . إ . لينين





























































ترجمة سعيد العليمى
اثار خطاب النائب سيركوف فى الدوما اثناء الجدال حول ميزانية السينود ( مجلس القساوسة ) ، والمناقشة التى احتدمت داخل مجموعتنا الحزبية فى الدوما حينما اعتمدت مسودة هذا الخطاب ( كليهما طبع فى هذا العدد ) أثارا مسألة ذات اهمية قصوى والحاحية فى هذه اللحظة بالذات . فهناك اهتمام بكل شئ يتصل بالدين يظهر اليوم بلاشك من قبل دوائر واسعة فى "المجتمع " ، وقد تسلل هذا الاهتمام الى صفوف المثقفين القريبين من حركة الطبقة العاملة ، وكذلك الى دوائر معينة من العمال . وانه لمن واجب الاشتراكيين الديموقراطيين المطلق ان يصدروا بيانا عاما بموقفهم من الدين .
تؤسس الاشتراكية الديموقراطية كامل نظرتها للعالم على الاشتراكية العلمية ، اى ، الماركسية . والاساس الفلسفى للماركسية ، كما اعلن ماركس وانجلز مرارا ، هو المادية الجدلية ، التى تبنت تماما التقليد التاريخى لمادية القرن الثامن عشر فى فرنسا وكذلك تراث فويرباخ ( النصف الاول فى القرن التاسع عشر ) فى المانيا – مادية الحادية تماما ومعادية بشكل ايجابى لكل الاديان . دعونا نتذكر ان كامل كتاب انجلز " ضد دوهرنج " ، الذى قرأ ماركس مسودته ، هو اتهام للمادى والملحد دوهرنج لأنه لم يكن ماديا متماسكا ولتركه ثغرات يتسلل منها الدين والفلسفة الدينية . دعونا نتذكر انه فى مقاله عن لودفيج فويرباخ ، يأخذ انجلز على فويرباخ انه لا يكافح الدين حتى يقضى عليه ، وانما يعمل من اجل تجديده ، بل وأن يخترع دينا جديدا " ساميا " ، وما الى ذلك . الدين هو افيون الشعب – هذا القول المأثور لماركس هو حجر الزاوية فى كل النظرة الماركسية للدين . (1 ) لقد اعتبرت الماركسية دائما كل الديانات والكنائس الحديثة ، وكل وأى منظمة دينية ، ادوات الرجعية البورجوازية التى تخدم فى الدفاع عن الاستغلال وتخبيل الطبقة العاملة .
ولطالما ادان انجلز فى نفس الوقت جهود الناس الذين رغبوا فى ان يكونوا " اكثر يسارا " او " اكثر ثورية " من الاشتراكيين الديموقراطيين فرأوا ضرورة ان يتضمن برنامج حزب العمال اعلانا واضحا للالحاد ، بمعنى اعلان الحرب على الدين . وقد علق انجلزفى 1874 على البيان الشهير للاجئى الكومونة البلانكيين الذين كانوا يعيشون فى المنفى فى لندن واصفا اعلانهم الصاخب للحرب على الدين بأنه تحفة من الغباوة ، وصرح بأن اعلان الحرب هذا كان افضل طريقة لاحياء الاهتمام بالدين ومنعه من ان يضمحل ويتلاشى . لقد لام انجلز البلانكيين لأنهم لم يستطيعوا ان يفهموا ان الصراع الطبقى للجماهير العاملة وحده هو الذى بمقدوره من خلال جذبه الشامل لأعرض شرائح البروليتاريا الى الممارسة الاجتماعية الثورية الواعية ، ان يحرر فعليا الجماهير المضطهدة من نير الدين ، بينما كان اعلان تلك الحرب على الدين كمهمة سياسية لحزب العمال هو بالضبط متاجرة بجملة فوضوية . ( 2 ) وفى 1877 ، ايضا ، فى كتابه ضد دوهرنج ، بينما هاجم بقسوة ادنى تنازل قدمه دوهرينج الفيلسوف للمثالية والدين ، فقد ادان انجلز بشكل لايقل حزما فكرة دوهرنج الثورية الزائفة حول لزوم حظر الدين فى المجتمع الاشتراكى . يقول انجلز ان اعلان الحرب على الدين هو " اعادة انتاج بسمارك " ، اى ، تكرار حماقة صراع بسمارك ضد الاكليريكيين ( " الكفاح الثقافى الشهير " kulturkampf ، اى الصراع الذى شنه بسمارك فى سنوات 1870 ضد الحزب الكاثوليكى الالمانى ، حزب " الوسط " ، بوسائل الاضطهاد البوليسي للكاثوليكية ) وقد حفز بسمارك واثار الاكليريكية المناضلة عند الكاثوليك ، وأضر عمل الثقافة الحقيقية فحسب ، لأنه ابرز الانقسامات الدينية لا التقسيمات السياسية ، وحول انتباه بعض قطاعات الطبقة العاملة وبعض العناصر الديموقراطية الاخرى عن المهام الملحة للصراع الطبقى والثورى ووجهها نحو اشد اشكال مناهضة الاكليركية اصطناعا وزيفا . متهما المدعى الثورى المتطرف دوهرنج بأنه يريد ان يكرر حماقة بسمارك فى شكل آخر ، اصر انجلز على انه لابد من ان يكون لحزب العمال القدرة على العمل بصبر فى مهمة تنظيم وتعليم البروليتاريا ، الذى سوف يؤدى لاضمحلال وتلاشى الدين ، والا يرمى بنفسه فى مقامرة حرب سياسية على الدين ( 3 ) . باتت وجهة النظر هذه جزءا من صميم جوهر الاشتراكية الديموقراطية ، التى دافعت على سبيل المثال عن حرية الجزويت ، ودخولهم الى المانيا ، والتخلى التام عن الطرائق البوليسية لمكافحة اى دين بعينه . " الدين شأن خاص " : هذه النقطة الشهيرة فى برنامج ايرفورت ( 1891 ) لخصت هذه التاكتيكات السياسية للاشتراكية الديموقراطية .
وقد اصبحت هذه التاكتيكات الآن امرا اعتياديا ، وتسببت فى ظهور تشويه جديد للماركسية فى الاتجاه العكسي ، فى اتجاه الانتهازية . لقد انتهت هذه النقطة فى برنامج ايرفورت الى ان تفسر بوصفها تعنى اننا نحن الاشتراكيين الديموقراطيين ، وحزبنا ، نعتبر الدين شأنا خاصا ، وان الدين شأن خاص بالنسبة لنا كاشتراكيين ديموقراطيين ، وبالنسبة لنا كحزب . وبدون الدخول فى جدال مباشر مع وجهة النظر الانتهازية هذه ، فقد اعتبر انجلز فى التسعينات انه من الضرورى معارضتها بحزم بشكل ايجابى وليس بشكل جدالى . وللعلم : فعل انجلز هذا فى شكل بيان ، وقد شدد متعمدا على ان الاشتراكيين الديموقراطيين يعتبرون الدين شأنا خاصا فى علاقته بالدولة ، لا شأنا خاصا بالنسبة لنا ، ولافى علاقته بالماركسية ، ولافى علاقته بحزب العمال . ( 4 )
هذا هو التاريخ الخارجى لمقولات ماركس وانجلز حول مسألة الدين . وبالنسبة لمن يتخذون موقفا متهورا ازاء الماركسية ، ومن لايستطيعون او لاينوون ان يفكروا ، فإن هذا التاريخ جملة خيوط من التناقضات والتأرجحات الماركسية التى لامعنى لها ، مزيج من الالحاد " المتماسك " و " استرضاءات " للدين ، تذبذب غير مبدئى بين حرب ث - ث ثورية على الإلآه ورغبة جبانة فى تملق العمال المتدينين ، خشية من اخافتهم وتنفيرهم ، الخ الخ . يحتوى الادب الفوضوى لتجار الكلمات على زخم من الهجمات على الماركسية فى هذا الاتجاه .
ولكن اى شخص قادر على التعامل مع الماركسية بجدية فى كل الاحوال ، وعلى التأمل فى مبادئها الفلسفية وخبرة الاشتراكية الديموقراطية الاممية سرعان ماسيرى بالفعل ان التكتيكات الماركسية ازاء الدين متماسكة تماما ، ومدروسة بعناية من قبل ماركس وانجلز ، وأن مايعتبره الهواة والجهلة تذبذبا ليس سوي استنباط مباشر وحتمى من المادية الجدلية . سوف يكون من الخطأ العميق الظن ان مايبدو من " اعتدال " الماركسية ازاء الدين ناجم عن اعتبارات " تاكتيكية " مفترضة ، وعن الرغبة فى " عدم اخافة " اى احد وما الى ذلك . وعلى النقيض ، ففى هذه المسألة ايضا ، فإن الخط السياسي للماركسية يرتبط بشكل لاإنفصم فيه عن مبادئها الفلسفية .
الماركسية هى المادية . وبوصفها كذلك ، فهى معادية للدين بلارحمة مثلها مثل مادية موسوعيى القرن الثامن عشر او مادية فويرباخ . هذا امر لاشك فيه . ولكن مادية ماركس وانجلز الجدلية تمضى ابعد من الموسوعيين وفويرباخ ، لأنها تطبق الفلسفة المادية على المجال التاريخى ، وعلى مجال العلوم الاجتماعية . يجب ان نكافح الدين – هذا هو الف باء كل مادية ، وبالتالى كل ماركسية . ولكن الماركسية ليست مادية تقف عند الألف باء وانما تمضى ابعد من ذلك . وهى تقول : لابد ان نعرف كيف نكافح الدين وحتى نفعل ذلك لابد ان نفسر مصدر الايمان والدين بين الجماهير بطريقة مادية . ولايمكن لمكافحة الدين ان تقتصر على التبشير الايديولوجى المجرد ، ولايجب ان تختزل الى تبشير كهذا . فهى يجب ان ترتبط بالممارسة العينية لحركة الطبقة ، التى تهدف للقضاء على الجذور الاجتماعية للدين . لم يحتفظ الدين بمواقعه وسط الاقسام المتخلفة من بروليتاريا المدينة ، ووسط اقسام عريضة من شبه البروليتاريا ووسط جموع الفلاحين ؟ يجيب التقدمى البورجوازى : بسبب جهل الشعب ، اما الراديكالى او المادى البورجوازى ومن ماثلهم فيجيب : " يسقط الدين وعاش الالحاد ، ان نشر النظرات الالحادية هو مهمتنا الاساسية ! " اما الماركسي فيقول ان هذا غير حقيقى ، وأنها وجهة نظر زائفة ، وجهة نظر البورجوازيين النهضويين ضيقى الافق . وهى لاتفسر جذور الدين بعمق كاف ، كما انها تفسرها ليس بطريقة مادية وانما بطريقة مثالية . وهذه الجذور اجتماعية بصفة اساسية فى البلدان الرأسمالية الحديثة . ان اعمق جذور الدين اليوم تتمثل فى الوضع الاجتماعى المتردى للجماهير العاملة وعجزها التام الظاهر عن مواجهة القوى العمياء للرأسمالية ، التى تبتلى كل يوم وكل ساعة الشعب العامل العادى بأفظع معاناة واشد العذابات وحشية ، اقسى الف مرة من تلك التى يبتلون بها بسبب الحوادث الاستثنائية ، مثل الحروب والزلازل ، الخ . " الخوف صنع الآلهة " . الخوف من القوة العمياء لرأس المال – عمياء لانه لايمكن توقعها من جماهير الشعب – قوة تهدد فى كل خطوة فى حياة البروليتارى والمالك الصغير بأن تصيبه ، وهى تصيبه بالفعل بخراب ، ودمار ، واملاق ، ودعارة ، وموت بسبب المجاعة " مفاجئ " ، " غير متوقع " ، و" طارئ " – هذه هى جذور الدين الحديث التى يجب ان يعتبرها المادى اولا وقبل كل شئ ، اذا لم يكن يريد ان يبقى طفلا ماديا مدرسيا . لايمكن لكتاب تعليمى ان يستأصل الدين من عقول الجماهير التى سحقتها الرأسمالية بالعمل الشاق ، والتى تخضع لرحمة قوى الرأسمالية العمياء المدمرة ، الى ان تتعلم تلك الجماهير بنفسها ان تقاتل جذر الدين هذا ، وان تحارب حكم رأس المال فى كل اشكاله ، بطريقة واعية ، متحدة ومنظمة ومخططة .
هل يعنى هذا ان الكتب التعليمية المعادية للدين ضارة او غير ضرورية ؟ لا ، لاشئ من هذا القبيل . ذلك يعنى ان الدعاية الالحادية التى تقوم بها الاشتراكية الديموقراطية يجب ان تخضع لمهمتها الاساسية – وهى تطوير الوعى الطبقى للجماهير المستغلة ضد المستغلين .
قد لاتفهم تلك المسألة ( او على الاقل قد لاتفهم مباشرة ) من قبل ممن لم يتأمل فى مبادئ المادية الجدلية ، اى ، فلسفة ماركس وانجلز . قد يقال -- كيف ذلك ؟ هل الدعاية الايديولوجية ، الدعوة لأفكار معينة ، الصراع ضد عدو الثقافة والتقدم الذى ألح لألآف الأعوام ( اى ، الدين ) يجب اخضاعه للصراع الطبقى ، اى ، الصراع من اجل اهداف عملية معينة فى المجالين الاقتصادى والسياسي ؟
هذا هو احد الاعتراضات المتداولة على الماركسية الذى يشهد على سوء فهم كامل للجدل الماركسي . ان التناقض الذى يربك هؤلاء المعترضين هو تناقض حقيقي فى الحياة الفعلية ، وليس تناقضا لفظيا او مخترعا . ان ترسم خطا صارما ملزما لايمكن انتهاكه بين الدعاية النظرية للالحاد ، اى ، تدمير العقائد الدينية وسط اقسام معينة من البروليتاريا ، والنجاح ، والتقدم وشروط الصراع الطبقى لهذه الاقسام ، معناه انك تعلل بشكل غير جدلى ، لأنك تحول حدا متغيرا ونسبيا الى حد مطلق ، وهو فصل بالقوة لما هو مرتبط ولايمكن فصله فى الحياة الواقعية . دعنا نأخذ مثالا . ان البروليتاريا فى قطر معين وفى صناعة معينة منقسمة ، ودعنا نفترض ، انه فى قسم متقدم اشتراكيين ديموقراطيين واعين طبقيا لحد معقول ، وهم بالطبع ملحدون ، وهناك بالاحرى عمال متخلفون مازالوا مرتبطين بالريف وبالفلاحين ، الذين يؤمنون بالله ، ويذهبون الى الكنيسة ، اوربما واقعين تحت التأثير المباشر للكاهن المحلى – الذى ، دعنا نفترض ذلك ، ينظم اتحادا عماليا مسيحيا . دعنا نفترض اضافة لذلك ان الصراع الاقتصادى فى تلك الناحية قد ادى لحدوث اضراب . ان من واجب الماركسي ان يضع نجاح الحركة الاضرابية فى المحل الاول وفوق اى شئ آخر ، وأن يعارض بقوة تقسيم العمال فى هذا الصراع الى ملحدين ومسيحيين ، ان يعارض بقوة اى تقسيم مشابه . قد تكون الدعاية الالحادية فى مثل هذه الظروف غير ضرورية وضارة فى آن معا – ليس بسبب الخوف المبتذل من تنفير الاقسام المتخلفة ، من فقد مقعد فى الانتخابات ، وماالى ذلك ، ولكن صدورا عن اعتبار للتقدم الفعلى للصراع الطبقى ، الذى سيحول فى شروط المجتمع الرأسمالى الحديث العمال المسيحيين الى الاشتراكية الديموقراطية والالحاد افضل بمئات المرات من الدعاية الالحادية المكشوفة .ان التبشير بالالحاد فى تلك اللحظة وفى مثل هذه الظروف سوف يكون لعبا بين ايدى الكاهن والكهنة ، الذين لايرغبون فى شئ افضل من ان يستبدل تقسيم العمال وفقا لاسهامهم فى الحركة الاضرابية بتقسيمهم وفق اعتقادهم فى الله . ان الفوضوى الذى يبشر بالحرب ضد الرب بأى ثمن سوف يساعد الكهنة والبورجوازية نتيجة لذلك ( حيث يساعد الفوضويون دائما البورجوازية بالفعل فى الممارسة ) . على الماركسي ان يكون ماديا ، اى ، عدوا للدين ، وماديا جدليا ، اى ، من يعالج الصراع ضد الدين لا بطريقة مجردة ، ولا على اساس تبشير منعزل ، نظريا بشكل محض ، لايتغير ابدا ، ولكن بطريقة عينية ، على اساس الصراع الطبقى ، الذى يدور فى الممارسة والذى يعلم الجماهير اكثر وافضل من اى شئ آخر . يجب ان يكون الماركسي قادرا على ان ينظر للوضع العينى ككل ، يجب ان يكون قادرا على ايجاد الحد بين الفوضوية والانتهازية ( وهذا الحد نسبي ، متحول ومتغير ، لكنه موجود ) . وهو لاينبغى ان يخضع ل " الثوروية " المجردة ، اللفظية ، الخاوية فى الواقع التى يعلنها الفوضوى ، او لإبتذال وانتهازية البورجوازى الصغير او المثقف الليبرالى الذى يتردد عند النضال ضد الدين ، وينسي ان هذا واجبه ، فيتلائم مع الاعتقاد فى الله ، ولايستهدى بمصالح الصراع الطبقى وانما بالاعتبار الوضيع والتافه بعدم اغضاب احد ، وعدم تنفير احد ، وعدم اخافة احد – متبعا القاعدة الحكيمة : " عش ودع الآخرين يعيشون " ، الخ ، الخ .
ومن هذا المنظور ينبغى تناول كل الموضوعات الجانبية التى ترتبط بموقف الاشتراكيين الديموقراطيين من الدين . وعلى سبيل المثال ، غالبا ما يطرح تساؤل حول مااذا كان يمكن لكاهن ان يكون عضوا فى حزب العمال الاشتراكى الديموقراطى ام لا ، وعادة يجاب على هذا السؤال بصيغة ايجابية مطلقة ، ويدلل على ذلك بخبرة الاحزاب الاشتراكية الديموقراطية آية وبرهانا . ولكن هذه الخبرة كانت نتاجا ، ليس فقط لتطبيق المذهب الماركسي على الحركة العمالية ، انما ايضا للأوضاع التاريخية الخصوصية فى اوروبا الغربية وهى غير قائمة فى روسيا ( سوف اتحدث اكثر عن هذه الأوضاع فيما بعد ) وهو مايعنى ان صيغة الرد بالايجاب غير المشروطة فى هذه الحالة غير صحيحة . لايمكن لنا ان نؤكد مرة والى الابد ان الكهنة لايمكن ان يكونوا اعضاء فى الحزب الاشتراكى الديموقراطى ، كما اننا لانستطيع ان نرسي ايضا القاعدة العكسية .اذا مااتانا كاهن ليشترك فى عملنا السياسي العام على استعداد لأن ينجز بضمير حى الواجبات الحزبية ، دون ان يعارض برنامج الحزب ، قد يسمح له بالانضمام لصفوف الاشتراكيين الديموقراطيين ، لأن التناقض بين روح ومبادئ برنامجنا والمعتقدات الدينية للكاهن ستكون فى هذه الظروف امرا يعنيه وحده ، وهو تناقضه الخاص ، ولايمكن لمنظمة حزبية ان تختبر اعضاءها لترى مااذا لم يكن هناك تناقض بين نظراتهم وبرنامج الحزب . ولكن قد تكون مثل هذه الحالة استثناءا نادرا حتى فى اوروبا الغربية ، بينما فى روسيا هى امر غير وارد تماما . واذا ماانضم كاهن على سبيل المثال للحزب الاشتراكى الديموقراطى وجعل عمله الرئيسى والوحيد تقريبا هو ان يدعوا بنشاط لوجهات نظر دينية فى الحزب ، فلابد من طرده من صفوفه بلا جدال . لايتعين علينا ان نضم العمال الذين يحتفظون باعتقادهم فى الله الى صفوف حزب العمال الاشتراكى فحسب وانما لابد ان نشرع عمدا فى تجنيدهم ، ونحن نعارض بشكل مطلق ادنى اساءة لمعتقداتهم الدينية ، ولكننا نجندهم حتى نربيهم بروح برنامجنا ، وليس حتى نسمح بصراع نشط ضده . نحن نسمح بحرية الرأى داخل الحزب ، وانما لحد معين ، تحددها حرية تجمعنا ، ولسنا مضطرين لأن نساير الدعاة النشطين لوجهات نظر جحدتها اغلبية الحزب .
مثال آخر . هل ينبغى ان ينتقد كل اعضاء الحزب الاشتراكى الديموقراطى على قدم المساواة وفى كل الظروف لإعلانهم أن " الاشتراكية هى دينى " ، ولترويجهم وجهات نظر تتسق مع هذا الاعلان ؟ لا ! الانحراف عن الماركسية ( وبالتالى عن الاشتراكية ) هنا لاجدال فيه ، ولكن دلالة الانحراف ، واهميته النسبية ، ان جاز القول ، قد تختلف حسب الظروف . هناك حالة المحرض او الشخص الذى يخاطب العمال بهذه الطريقة ، كمدخل لموضوعه ، حتى يصبح مفهوما بشكل افضل ، وحتى يعرض وجهات نظره بشكل اكثر حيوية وبمفاهيم اعتادت عليها الجماهير المتخلفة لحد بعيد . وهناك حالة اخرى تختلف حين يبدأ كاتب فى التبشير ب " بناة الله " ، او اشتراكية بناة الله ( بروح اخينا لوناتشارسكى وشركاه ) . بينما يكون النقد فى الحالة الاولى بمثابة ولع بالانتقاد بل حتى تقييد لحرية المحرض ، حريته فى اختيار الطرائق " التربوية " ، فإن النقد الحزبى فى الحالة الثانية ضرورى وجوهرى . بالنسبة للبعض فإن عبارة " الاشتراكية هى دينى " هى شكل للانتقال من الدين للاشتراكية ، وللبعض الآخر ، هى شكل للانتقال من الاشتراكية للدين .
دعونا الآن نصل الى الأوضاع التى ولدت فى الغرب التفسير الانتهازى لأطروحة : " الدين هو شأن خاص " . بالطبع ، الاثر المساهم فى ذلك هى تلك العناصر العامة التى ولدت الانتهازية ككل ، مثل التضحية بمصالح حركة الطبقة العاملة الجوهرية من اجل ميزات وقتية . يطالب حزب البروليتاريا بأن تعلن الدولة الدين شأنا خاصا ، ولكنه لايعتبر الكفاح ضد افيون الشعب ، الكفاح ضد الخرافات الدينية ، الخ ، " شأنا خاصا " . يشوه الانتهازيون المسألة لتعنى ان حزب العمال الاشتراكى الديموقراطى يعتبر الدين شأنا خاصا !
ولكن اضافة الى التشويه الانتهازى المعتاد ( الذى لم يوضح على الاطلاق فى مناقشة مجموعتنا الحزبية فى الدوما حينما وضعت خطابها حول الدين ) ، هناك اوضاع تاريخية خاصة هى التى ولدت حتى اليوم اللامبالاة المفرطة ازاء الدين من جانب الاشتراكيين الديموقراطيين الاوروبيين ، اذا جاز لنا ان نعبر عن الامر على هذا النحو . وتتسم هذه الاوضاع بطبيعة مزدوجة . الأول ، ان مهمة مكافحة الدين تاريخيا هى مهمة البورجوازية الثورية ، وفى الغرب انجزت هذه المهمة لحد بعيد او عولجت من قبل اليموقراطية البورجوازية ، فى عصر ثوراتها او هجماتها على الاقطاع والاوضاع القروسطية . وفى كل من فرنسا والمانيا هناك تراث من الحرب البورجوازية ضد الدين ، وقد بدأ منذ وقت طويل قبل الاشتراكية (الموسوعيون فى فرنسا ، وفويرباخ ) . اما فى روسيا ، وبسبب ظروف ثورتنا البورجوازية الديموقراطية ، فإن هذه المهمة تقع كلية تقريبا على عاتق الطبقة العاملة . ان الديموقراطية البورجوازية الصغيرة (النارودنيك ) فى بلادنا لم تفعل الكثير فى هذا الصدد ( كما يظن كاديت المائة السود الجدد ذوى الريش النابت ، او كاديت المائة السود من جريدة فيخى ( 5 ) ، وانما بالاحرى قليلا جدا ، بالمقارنة بما تم انجازه فى اوروبا .
من ناحية اخرى ، ان تراث الحرب البورجوازية على الدين قد ادى فى اوروبا لظهور تشويه بورجوازى نوعى لهذه الحرب من قبل الفوضوية ( الاناركية ) – التى كما اوضح الماركسيون طويلا مرارا وتكرارا تتخذ موقفها تأسيسا على النظرة البورجوازية للعالم ، بالرغم من كل " غضب " هجماتها على البورجوازية . ان الفوضويين والبلانكيين فى البلدان اللاتينية ، اغلبهم ( ممن كان مصادفة تلميذا لدوهرنج ) وفصيلته فى المانيا ، الفوضويون فى النمسا فى الثمانينات ، كلهم قاموا بتجارة الجمل الثورية فى الصراع ضد الدين بما لامزيد عليه . وليس من المدهش انه ، مقارنة مع الفوضويين ، فإن الاشتراكيين الديموقراطيين الاوروبيين يذهبون الى التطرف الآخر . وهذا مفهوم تماما ومشروع لحد معين ، ولكن سيكون من الخطأ بالنسبة لنا نحن الاشتراكيين الديموقراطيين ان ننسي الأوضاع التاريخية الخاصة بالغرب .
ثانيا ، فى الغرب ، بعد ان انتهت الثورات البورجوازية القومية ، وبعد ان تأسست حرية دينية كاملة بهذا القدر او ذاك ، دفعت قضية الصراع الديموقراطى ضد الدين ، تاريخيا ، لمدى بعيد للخلف بنضال البورجوازية الديموقراطية ضد الاشتراكية لأن الحكومات البورجوازية حاولت متعمدة ان تجذب انتباه الجماهير بعيدا عن الاشتراكية بتنظيم هجوم شبه – ليبرالى ضد الاكليريكية . لقد كانت هذه هى سمة الكفاح الثقافى فى المانيا وصراع البورجوازيين الجمهوريين ضد الاكليريكية فى فرنسا . ان مناهضة الاكليريكية البورجوازية ، كوسيلة لجذب انتباه جماهير الطبقة العاملة بعيدا عن الاشتراكية – هذا هو ماسبق انتشار روح " اللامبالاة " الحديثة ازاء الصراع ضد الدين فى اوساط الاشتراكيين الديموقراطيين فى الغرب . وهذا مرة اخرى مفهوم ومشروع تماما ، لأنه كان على الاشتراكيين الديموقراطيين ان يواجهوا مناهضة الاكليريكية البورجوازية والبسماركية باخضاع الصراع ضد الدين للصراع من اجل الاشتراكية .
الاوضاع مختلفة تماما فى روسيا . فالبروليتاريا هى قائد ثورتنا الديموقراطية البورجوازية . ويجب ان يكون حزبها هو القائد الايديولوجى فى الصراع ضد كل سمات القرون الوسطى ، بما فيها الديانة القديمة الرسمية وكل محاولة لتجديدها او اعطاءها غلافا خارجيا جديدا او مختلفا ، الخ . وعلى ذلك ، بينما كان انجلز بالمقارنة معتدلا فى تصويب انتهازية الاشتراكيين الديموقراطيين الالمان الذين كانوا يستبدلون ، مطلب حزب العمال بأن على الدولة ان تعلن الدين شأنا خاصا ، باعلان ان الدين شأن خاص بالنسبة للاشتراكيين الديموقراطيين انفسهم ، وللحزب الاشتراكى الديموقراطى ، فمن الواضح ان استيراد هذا التشويه الالمانى من قبل الانتهازيين الروس كان من المحتم ان ينال توبيخا اشد قسوة مائة مرة من انجلز .
باعلانها من منبر الدوما ان الدين هو افيون الشعب ، تصرفت مجموعتنا فى الدوما بصواب تام ، وهكذا خلقت سابقة يجب ان تخدم كأساس لكل التصريحات اللاحقة التى تصدر عن الاشتراكيين الديموقراطيين حول مسألة الدين . هل كان عليهم ان يمضوا لأبعد ويطوروا جدالا الحاديا بتفصيل اكثر ؟ نحن لانظن . ربما أدى هذا الى ان يقوم الحزب السياسي للبروليتاريا بمخاطرة المغالاة فى النضال ضد الدين ، وربما كانت نتيجته محو الخط الفاصل المميز بين النضال البورجوازى والاشتراكى ضد الدين .ان الواجب الاول لمجموعتنا الاشتراكية الديموقراطية فى دوما المائة السود قد انجز بشرف .
الواجب الثانى – وربما كان الاشد اهمية بالنسبة للاشتراكيين الديموقراطيين – اى ، ايضاح الدور الطبقى للكنيسة والكهنوت فى تدعيم حكومة المائة السود والبورجوازية فى حربها ضد الطبقة العاملة ، قد انجز بشرف ايضا . بالطبع ، هناك الكثير الكثير مما يمكن قوله فى هذا الموضوع ، وسوف يعرف الاشتراكيون الديموقراطيون فى تصريحاتهم اللاحقة كيف يوسعون خطاب الرفيق سيركوف ، ولكن فى كل الاحوال كان خطابه ممتازا ، وتداوله من كل المنظمات الحزبية هو الواجب المباشر لحزبنا .
الواجب الثالث كان يقتضى ان يوضح بتفصيل تام المعنى الصحيح للأطروحة التى غالبا ماتشوه من قبل الانتهازيين الالمان ، وهى ان " الدين شأن خاص " . وهذا مالم يفعله لسوء الحظ الرفيق سيركوف . وهذا مما يؤسف له كثيرا لأنه فى الفعاليات الاسبق لمجموعة الدوما فإن هناك غلطة ارتكبها الرفيق بيلوسوف حول هذه المسألة ، وقد اشارت اليها فى هذا الوقت جريدة بروليتارى . تظهر المناقشة فى مجموعة الدوما ان الجدال حول الالحاد قد استبعد منه مسألة التفسير الدقيق للمطلب الشهير بأنه ينبغى اعلان الدين شأنا خاصا . لن نلوم الرفيق سيركوف وحده على هذا الخطأ الذى ارتكبته مجموعة الدوما بكاملها . وفوق ذلك ، سوف نعترف بصراحة ان الحزب بمجمله على خطأ هنا . لأنه لم يشرح هذه المسألة بما يكفى وانه لم يعد عقول الاشتراكيين الديموقراطيين بمايكفى لفهم ملاحظة انجلز التى وجهها ضد الانتهازيين الالمان . تبرهن مناقشة مجموعة الدوما على انه كان هناك فهم مشوش لهذه المسألة ، وليس على الاطلاق رغبة فى تجاهل تعاليم ماركس ، واننا واثقون ان هذا الخطأ سوف يصوب فى التصريحات اللاحقة للمجموعة .
نحن نكرر ان خطاب الرفيق سيركوف اجمالا كان ممتازا ، ولابد من توزيعه من قبل كل المنظمات . اظهرت مجموعة الدوما فى مناقشتها لهذا الخطاب انها تنجز واجبها الاشتراكى بضمير حى . ويبقى التعبير عن الرغبة فى ان تظهر التقارير حول المناقشات داخل مجموعة الدوما بشكل اكثر تواترا فى الصحافة الحزبية حتى يزيد تقارب المجموعة مع الحزب ، ويتعرف الحزب على العمل الصعب الذى يقومون به داخل المجموعة ، ولتأسيس الوحدة الايديولوجية فى عمل الحزب ومجموعة الدوما .
----------------------------------------------------------------------------------------- 
هوامش 
( 1 ) انظر ك . ماركس ، اسهام فى نقد فلسفة الحق عند هيجل . مقدمة . ( ك . ماركس و ف . انجلز ، حول الدين ، موسكو ، 1957، ص 42 . )
( 2 ) انظر ف . انجلز ، ادب المهاجرين – 2 – برنامج البلانكيين . 
( 3 ) انظر ف . انجلز ، ضد دوهرنج ، موسكو 1959 ، ص ص 434 -37 . 
( 4 ) يشير هذا الى مقدمة انجلز لكراس ك . ماركس الحرب الاهلية فى فرنسا ( انظر ك . ماركس و ف. انجلز ، الاعمال المختارة ، المجلد الاول ، موسكو ، 1958 ، ص 479 ) . 
( 5 ) فيخى ( علامات ) مجموعة مقالات كاديتية كتبها ن . برديائيف ، س . بولجاكوف ، ب . ستروفه ، م .هيرشنسون وممثلين آخرين للبورجوازية الليبرالية المناهضة للثورة ، طبعت فى موسكو فى 1900 . حاول هؤلاء الكتاب فى مقالاتهم حول الانتليجنسيا الروسية ان يشوهوا التقاليد الثورية الديموقراطية لأفضل ممثلى الشعب الروسي بمن فيهم بيلينسكى وتشيرنيشفسكى ، وقد شوهوا الحركة الثورية لعام 1905 وشكروا الحكومة القيصرية لانها " برماحها وسجونها "قد انقذت البورجوازية الروسية من " الغضب الشعبى " ودعا هؤلاء الكتاب الانتليجنسيا الروسية لخدمة الاوتوقراطية . قارن لينين برنامج وآراء فيخى من زاوية الفلسفة والصحافة بما تضمنته صحيفة المائة السود "موسكوفسكييه فيدوموستى" ، واصفا تلك الآراء بأنها " موسوعة من الارتداد الليبرالى " ، لاشئ سوي فيضان من الطين الرجعى صب على الديموقراطية " . 
المصدر : لينين ، الاعمال الكاملة ، المجلد 15 ، ص ص 402 – 413 ، دار التقدم ، موسكو ، 1973 . الطبعة الانجليزية – ارشيف لينين على الانترنت . 

مقالات