منصور حكمت

الخلايا الحزبية والتحركات العمالية..حول اهمية المحرض والتحريض العلني ..الجزء الثاني

١) الاهمية المتعلقة بـ"نمط عمل" موضوعة المحرض

ينبغي رؤية موضوعة اهمية المحرض الشيوعي قبل اي شيء اخر على صعيد اساسي وصعيد مايسمى بـ"نمط العمل". على هذا الصعيد، لايتعلق البحث حول، على سبيل المثال، ان عدد القادة العمليين والعمال اصحاب النفوذ هم قلة في صفوفنا وينبغي زيادتهم. وانما يتعلق البحث اساساً بمسالة: ينبغي مبدئياً على حزبنا وفعالي حزبنا في المدن وخلايانا ان يتحلوا بتقاليد وعادات واساليب نشاط يغدوا معها جذب مثل هؤلاء العمال امراً ممكناً. اي، بهذا المعنى تحدثت سابقاً حول ضرورة "هضم" ظاهرة باسم المحرض البروليتاري في المنظومة العملية للنشاط الحزبي. ان تكون اساليبنا بشكل بحيث يكون بمقدور المحرض والقائد العملي للعمال ان يجد مكانه في هذه المنظومة. اذ لايتناقض العمل مع الحزب مع سمات وحاجات نشاط المحرض، ليس هذا وحسب، بل يخلق اجواء مناسبة تماماً لازدهار هذه السمات وتقويتها. ويتطابق اسلوب العمل الشعبوي مع نمط حياة واشكال احتجاج البرجوازي الصغير من ناحية الانتاج الفردي، ولهذا فانه لمن الطبيعي ان لايبقى مجالاً ومكانة لمحرض بروليتاري وقائد جماهيري عمالي.

حين يتحول النضال السياسي الى تذبذب مابين ممارسة الضغط السلمي على البرجوازية والتمرد الارهابي الاعمى، وحين يقتصر ابراز الوجود السياسي على ابراز التواجد في الشارع، وحين يُمسَخْ العمل السري الى حد عمليات مؤامراتية للجماعات والزمر المنفصلة عن المجتمع، وينتفي بصورة مطلقة تقريباً التدخل في الميدان العلني للنضال، لن يجد دون شك قائد ذو نفوذ وقائد عمالي، وهم الذين بوسعهما ان يروا دورهم فقط في مقدمة صفوف العمال، لهم مكاناً في المنظمة. ولهذا، فانه لم يكن بامر نابع من فراغ ان تفتقد اكبر المنظمات الشعبوية، وفي اوج ازدهارها، الى القدرة والنفوذ النضالي الجدي في المصانع الضخمة مثل صناعة النفط، ليس هذا وحسب، بل كانت عاجزة حتى عن تنظيم وقيادة اضراب عمال في معمل من ٥٠ عامل. وبقدر تعلق الامر بالاحتجاجات والنضالات العمالية بالمعنى الخاص للكلمة، تتحول في احسن الاحوال الى ذيل وتابع لها ومراسل خبري.

ينبغي ان يناسب نمط عمل الحزب السياسي للطبقة العاملة الحياة الاقتصادية والاشكال المحددة للنضال والاحتجاج العمالي. ان العامل مقتدر في تنظيمه. ان الاحتجاج الفردي للعمال عديم الثمر، وان فقط نضاله المنظم ذا ثمر. يتمتع العمال باداة ضغط اكثر اقتداراً في ميدان الانتاج. من هذه الزاوية، يمثل المعمل واماكن الانتاج اكثر ميادين النضال العمالي اساسية، ويتحول الاضراب الى الشكل الاساسي لاحتجاج العمال في اقصى بقاع العالم. على النقيض من البرجوازي الصغير، العامل طبقة اجتماعية ومرتبط بالانتاج الكبير. وعليه، لامناص لاحتجاج ونضال هذه الطبقة من ان يتخذا اشكال جماهيرية، علنية وصدامية.

لايمكن تنظيم العمال انفسهم في بيوت امنه (سرية-م) وزمر مقاتلة حازمة وفرق تخريبية. وان نتوقع ان يناضلوا مثل العمال. في المطاف الاخير، الطبقة العاملة، بوصفها طبقة على صعيد البلد، في الوقت ذاته موجودة في اطار مجموعة من المعامل والاماكن الخاصة، ويستلزم كل جمهور وسيع من العمال قائده الحاضر والمحلي في الميدان. ان النضال العام للعمال على صعيد البلد ذا صلة لافكاك منها بتنظيم وحركة الاقسام المختلفة لهذه الطبقة. لايمكن توجيه العمال من بعيد مثل البرجوازية والبرجوازية الصغيرة ، مع رفع راية اي مرجع ومقلد او حكومة في المنفى وامثال ذلك. ان التنظيم والقيادة المحلية لاي عمل طبقي للعمال، سواء من الاضراب والانتفاضة وحتى السيطرة العمالية وتنفيذ البرنامج الاقتصادي عشية استلام السلطة، هو امر حياتي ولايمكن غض الطرف عنه.

ان نمط العمل الشيوعي هو نمط عمل يتلائم مع السمات الموضوعية لحياة الطبقة العاملة ونضالها. يمكن ايجاز مجمل نقدنا لنمط العمل الشعبوي لمابلغناه: يجب بوعي، وعبر نقد التقاليد البرجوازية السائدة على الحركة اليسارية، فتح الابواب امام سبيلنا القاضي بملائمة انماط النشاط الحزبي مع وقائع الحياة الانتاجية والنضالية للطبقة العاملة. ان الشعبويون مجازين باي شكل يريدون ان يحشدوا ويرشدوا فئتهم الاجتماعية ويكونوا موكلين عنها.

انها لمهمتنا تنظيم طبقتنا، الطبقة العاملة، بتلك الاشكال واستناداً الى تلك الاليات التي تجسد الاقتدار الحقيقي للطبقة العاملة على افضل وجه. يستلزم نضال الطبقة العاملة، من الاضراب لحد الانتفاضة وادارة المجتمع، القادة العمليين المحليين والمحرضين. وعليه، ينبغي ان يكون الحزب الشيوعي تنظيم من المحرضين البروليتاريين كذلك. ان تجسيد صلة الحزب بالطبقة العاملة بصورة ثنائية القطب "منظمة سرية للجماهير العمالية" هو تصور ميكانيكي. انه تعبير وبيان اخر للصيغة الفدائية "المحرك الصغير-المحرك الكبير"*

في الحياة الواقعية، المحرضون والقادة المحليون والجماهيريون ذوي النفوذ هم تلك الحلقة التي تبقي الحزب السري لطليعة الطبقة على اتصال وبارتباط بالجماهير العريضة من العمال التي تتربى علنياً على الاغلب وتحتج علنياً وتنتظم علنياً. ان المسالة التي نواجهها هي: ماهي المكانة التي اعطيت في حزبنا وفي نمط عملنا لهذا العنصر الحياتي من النضال البروليتاري؟ هل توفر تقاليد النشاط التنظيمي، وبصورة طبيعية، اطار مناسب للعب هذه الفئة الحاسمة من الطبقة العاملة لدورها؟ هل بوسع حزبنا ان يمحي الثنائية والانفصال التقليدي بين الحزب السياسي من جهة وبين القادة العمليين والعلنيين من جهة اخرى، وان يتحول من حزب سياسي الى حزب متضمن للقادة الشيوعيين ذوي النفوذ.

وعليه، يعد البحث الراهن خطوة اخرى في مسار تدقيق الانماط العملية للفعالين المحليين والخلايا الحزبية. بغض النظر عن اية اولوية او نقص مقطعي، ان اهتمامنا وتوجهنا للقادة العمليين للحركة العمالية، قدرتنا على تربية القادة الشيوعيين للحركات الاحتجاجية للعمال والاقسام المختلفة للطبقة العاملة وسعينا لتحويل الحزب الشيوعي الى حزب منظم لهؤلاء القادة هي امر ومهمة دائمية ومستمرة لنا بغض النظر عن ان هناك اكسيون ما ام لا. ان جزء مهم من الدعاية والتحريض والتنظيم الحزبي الروتيني هو امراً ممكناً فقط عبر نشاط المحرضين. ينبغي ان نمضي صوب ان يضم حزبنا، بصورة طبيعية، دوماً، قسم ملحوظ من القادة العمليين للحركة العمالية. ان قدرة تنظيم هذا القسم من الطبقة العاملة هو احد العلائم المهمة لتشخيص هل ان الحزب قد تحول فعلاً الى تيار داخل الطبقة العاملة ام لا.

٢) الخلية الاساسية للحزب و"النشاط الاساسي" للحزب

الخلية هي اللبنة الاساسية للحزب، لبنة من الحزب تتشكل في معمل او محلة. وفق وجهة النظر هذه، للخلية مهام روتينية ومحددة. بيد ان "النشاط الاساسي" للحزب في المعمل والمحلة يتخطى النشاط الروتيني لخلية. "النشاط الاساسي" للحزب، اي التحريض، الدعاية، تنظيم التظاهرات وقيادتها في معمل او مجمع ( وتشمل مجموعة من المعامل والمحلات العمالية)، وهو الامر الذي يتخطى الدعاية والتحريض والتنظيم الذي تقوم به خلية او عدة خلايا. ان تلك الهيئة التنظيمية التي مهمتها، طبقا للتعريف، الدفع بمثل هذا المستوى من النشاط هو ليس الخلية، بل لجنة تنظيمية (لجنة معملية، لجنة قسم، ناحية وغير ذلك). ان للمهام الدعائية والتحريضية والتنظيمية لخلية حدود معينة. اذ بالوسع الطلب من الخلية تنظيم الحلقات التحريضة، شبكات توزيع الجرائد وجمع الامكانات المالية وغير ذلك، اما تنظيم احتجاج او تظاهرة لايمكن توقعها بهذا الحد من الاستسهال وانتظارها من خلية. ولهذا، فانها لاتعد جزء من المهام الحتمية والالزامية لخلية. انها مهمة اللجان التنظيمية. بعبارة اخرى، ينبغي الفصل والتمييز مابين مهام الخلية، بوصفها اللبنة الاساسية، مع "النشاط الاساسي" للحزب، اي كمية ونوعية النشاط الذي ننشده، اي الحضور الشامل للحزب في معمل او ناحية. فيما يخص الاول، نتحدث عن اعمال خلية تنظيمية. فيما يخص الثاني، يتعلق البحث بجملة نشاطات على الحزب ان يكون قادراً في المطاف الاخير على الدفع بها في كل معمل ومحلة.

ولكن ماصلة هذه المسائل بمسالة المحرض والتحريض؟ تكمن الصلة في انه طالما نتحدث عن الخلايا بالمعنى الخاص للكلمة، لايمكن وضع مسالة تنظيم وارشاد المحرضين بوصفها مهمة مؤكدة لهم، (اي مهمة لاتعد الخلايا اوفت بوجودها ان لم تقم بها). ليس من مهمة الخلية التنظيمية دون شك ان تنظم وتغذي قائد عمالي علني او قادة. ان تنظيم المحرضين الشيوعيين الجماهيريين والعلنيين هو امر يتخطي حدود المهام المحددة لخلية.

وعليه، اولاً، هناك دوماً خلايا عديدة موجودة وفاقدة لمحرضين جماهيريين، وثانياً، ان تلك الخلايا التي تتمتع بامكانية وقدرة تنظيم القادة العمليين للحركة العمالية عبر عقد الصلة بهم وتحت راية الحزب الشيوعي، هذا يعني انها تتخطى الى حد ما نطاق خلية. هنا يكون قد اتخذت خطوة جدية لتشكيل هيئات حزبية اعلى ( مثل لجان معملية).

كمبدأ وكاولوية، نَصِّرْ على تشكيل وتكثير الخلايا الاساسية والقيام بصورة منظمة بالمهام المحددة من قبلها. انها ذلك النبض الدائمي و ذلك العامل الدائمي للتنامي ، وينبغي ان تستند عليها في اي نشاط حزبي اكثر تعقيداً وتكاملاً، وفي اي مرحلة من حياة الحزب. ان هذا عمل لايمكن ان يتوقف ولايخرج من الاولويات اطلاقاً. واستناداً الى هذا التنامي المتواصل في اساس اعمالنا، تتوفر للحزب الامكانية لوضع اقدامه في ميادين "جديدة"، وان يضع على جدول اعماله مهام اكثر تعقيداً وتركيبية، وفي المطاف الاخير، يخلق اعضاء تنظيميين مركبين واعلى في الهرم التنظيمي للحزب. ان كسب وتنظيم المحرضين والدفع بمسالة التحريض الجماهيري والقيادة العملية للتحركات الاحتجاجية احد تلك الميادين.

في هذه المرحلة من عمل الحزب الشيوعي، يكون دخول هذه الميادين وصياغة هيئات واعضاء حزبيين اعلى، اي ان تقوم كل تنظيماتنا الحزبية في المعمل بمهامها المتنوعة نتاج التكامل والتنامي من اسفل قبل ان تكون نتاج قرار "من اعلى" وقرار نظام داخلي. ان هدف هذا البحث هو رسم افق التنامي هذا في احد ابعاده المهمة.

ويعود جلب انتباه الخلايا على العموم الى مسالة المحرض والتحريض الجماهيري ومخاطبة كل الخلايا بهذا البحث لـ: اولاً، كي نوجه كل الخلايا والنشطاء الحزبيين نحو العمل السياسي و(في المراحل اللاحقة، التنظيمي) مع القادة العماليين للحركة العمالية. ينبغي ان يكون معلوماً لنا جميعاً اهمية هذه الفئة من الطبقة، وثانيا، نحدد الخطوات اللاحقة لتلك الخلايا التي تتمتع الان بالامكانات الاولية والقدرة اللازمة لولوج هذا الميدان من النشاط. بالنسبة للعديد من الخلايا، يبقى بحثنا بحدود التربية بنمط العمل والتاكيد على توجه عام، ولكن مهم. بالنسبة للبعض الاخر، يمكن ان تكون مضامين هذا البحث ارشادات لعمل محدد في المرحلة الراهنة.

٣) المستلزمات العامة والسياسية لجذب المحرضين العماليين

مثلما ذكرنا لحد الان، لايمكن تقليل موضوعة كسب المحرضين العماليين، اي القادة العماليين ذوي النفوذ او في طور التطور على صعيد معمل ومحلة الى الية مبسطة لكسب الاعضاء. اذ يتعلق الحديث حول التوجه الجدي من قبلنا لهذا الميدان من النشاط وكذلك خلق موجة من التحرك داخل القادة العماليين والعمال الطليعيين ذوي النفوذ نحو العمل مع الحزب. في ماهية الامر، انه توجه وحركة سياسية من الجانبين.

من ناحيتنا، انه توجه صوب القادة العمليين والجماهيريين للتاثير الشيوعي عليهم، ومن ناحية قادة العمال، توجه صوب العمل الشيوعي والتنظيم في منظمة سرية. ان العنصر المحرك لهذا التوجه من كلا الطرفين هو الحزب على اية حال. انه نحن من نتجه للقادة العمليين كي نقوم بما من شانه ان يتجهوا صوب الشيوعية والحزب الشيوعي. وانه علينا نحن من يجب توفير مستلزمات العمل. كيف؟

الف- صيانة الصلة الدائمة والاندغام بحلقات العمال الطليعيين

ان هذه الحلقات موجودة دوماً. ليس بوسع أي درجة من الاستبداد والقمع ان تحل هذه الحلقات وتمحيها. لقد تعلم العمال المُجَرِبون على امتداد سنوات اساليب صيانة وتوسيع هذه الحلقات داخل العمال. اذ صانت هذه الحلقات بقائها استناداً الى اكثر الصلات طبيعية وفي رحم الاف الاتصالات اليومية للعمال في اجواء العمل والمعيشة. ان البرجوازية، ولحد الان، وتحت أي ظروف واوضاع، غيرقادرة على ان تشرذم العمال وتفرقهم بحد تتعرض هذه الصلات الى مخاطر جدية. اذ يتبادل العمال في هذه الصلات الحلقية الراي بصورة اكثر فاعلية ووعي، يتخذون القرارات، بل حتى ويدفعون بنوع من التربية الاولية عموما صوب الارتقاء بادراك المصالح الصنفية والمهنية- بين العمال وبالاخص العمال الاكثر شباباً وحداثة. يتبلور "النفوذ" في هذه الصلات نوعاً ما. دون ان تكون هناك مشغلة تنظيم ومنظمات، ترتبط بشكل ما صلات وعلاقات في رحم الصلات الطبيعية للعمال النشطين. ان هذه الحلقات هي مراكز حاسمة داخل الطبقة العاملة.

ينبغي ان ينخرط نشطاء الحزب، بوصفهم جزء من العمال الطليعيين لمحيطهم، في هذه الحلقات. وكلما تتخذ هذه الحلقات اشكال اكثر جدية، نضع بالدرجة ذاتها على عاتقنا اقامة صلات اكثر جدية معها، كذلك في سياق الصلات الطبيعية. مثلما ذكرت سابقاً، بوسع الدواعي الامنية فقط ان تُحَجِّمْ من مدى صلتنا والاندغام الطبيعي مع هذه الحلقات. ليس بوسع أي اختلاف في الراي مع هذه الجماعة والحلقة او تلك من العمال النشطين ان تكون باي شكل كان مبرر قطع الصلة المتقابلة والابتعاد عنها.

ب- جعل العمال الطليعيين على اطلاع على مواقف الحزب وارائه:

في خضم الصلة الدائمة، ينبغي دوما "ضخ" اراء الحزب وسياساته داخل صف العمال الطليعيين. على كل عامل مناضل وناشط ان يكون على اطلاع على ارائنا، سياساتنا وشعاراتنا (حتى لو كان لديه انتقاد عليها). ان الشرط المسبق لهذا العمل هو الدعاية والتحريض الحضوري والمنظم لاراء الحزب في هذه الحلقات ( مع الاخذ دون شك بالمستوى الامني لكل صلة)، ايصال الادبيات الاساسية وجرائد الحزب بصورة مستمرة لحلقات العمال الطليعيين، التعريف باذاعة الحزب الشيوعي الايراني بين العمال وترسيخها والتوضيح المستمر لتكتيكات الحزب وشعاراته في الصلات العمالية. ينبغي القيام بكل ما من شانه ان يجعل كل عامل نشط يعرف الحزب الشيوعي بالامور العامة وبالجزئيات بقدر ما امكن لتصورات ومواقف الحزب، وان يطلبوا الاطلاع على راي الحزب وتوجهه تجاه اي مسالة جديدة.

ج- القدرة على الدعاية للماركسية ونقد الاراء غير البروليتارية:

ان توجهنا صوب القادة العمليين للعمال ينبغي ان يؤول الى انضمامهم النهائي للماركسية وتنظيمها الشيوعي. ان نقد الافكار غير البروليتارية والسعي لاشاعة الماركسية بين العمال هما مهمتنا الحياتية. ينبغي ان يكون مستوى تحريضنا عالياً بدرجة كافية للتاثير الجدي على هؤلاء العمال. ولكن هذا لايعني اطلاقاً التحريض عبر اختيار امور انتقائية والتكرار الساذح للصيغ الكلاسيكية الماركسية. على محرضنا ان يكون قادراً على تجسيد الاسس الاساسية للشيوعية باشكال مختلفة ومجابهة التبديات المختلفة للخرافات البرجوازية. ماركسية حية، واضحة وذا صلة بقضايا المجتمع والعالم المعاصر، وهو الشيء الذي على رفاقنا المحرضين ان يسعوا لدفعه بين العمال.

بيد ان سمات الداعية نفسه هي مهمة كذلك. تحيل الشعبوية تقليدياً امر التحريض للمثقفين والطلبة. مثقفون، ان كانوا ذا اطلاع جيد على الماركسية، فان لديهم قصور في مشاهداتهم وتجاربهم حول الحياة والنضال العمليين للطبقة العاملة. ولهذا، من النادر ان يتمكن هؤلاء المحرضون من ان يوفوا بذلك وان يكونوا ذوي نفوذ واعتبار من الناحية النظرية. من النادر ان يرتبط تحريضهم بالمعطيات الحية للعمال الذين يشتركون معهم في الحلقات. ينبغي ان نربي المحرضين كي يتخلصوا من هذه الاشكالات. بوسع المثقفين ان يكونوا مؤثرين في التحريض شريطة ان يكونوا حساسين بالحياة والنضال العمليين للعمال، ان يتمتعوا بمشاهدات غنية وتجربة ملموسة عن هذه الحياة والنضال وزواياهما المختلفة، بالاضافة الى ان يكونوا مُلِمينَ بصورة جيدة بقضايا العمال الطليعيين وانهماكاتهم. ولكن ينبغي علينا ان نكون قادرين على تربية المحرضين من بين العمال الواعين والمُجَربين قبل اي شيء اخر. لا الالمام النظري فحسب، بل كذلك الصقل العملي للمحرض هو امر ضروري لنجاحه.

د- الالمام بالقضايا العملية للحركة العمالية ومطاليب العمال

ليس بوسع اي تيار لايبدي حساسية الازمة تجاه القضايا العملية للحركة العمالية ومطاليب العمال والعوائق التي تعترض الاحتجاجات العمالية، ان يتفائل تجاه توسيع نفوذه بين العمال. يكتسب قسم من هذه الحساسية عبر عمالية بنية وتركيبة الحزب وكذلك العمل المستمر للخلايا بين العمال. ولكن هذا ليس كاف لوحده. ينبغي دراسة وتمحيص هذه المسالة بجدية. ينبغي اتخاذ موقف دقيق ومستند الى معلومات ومعرفة كافيين تجاه مجمل قضايا الحركة العمالية. ينبغي معرفة مزاج العمال، ورغباتهم وميولهم ومطاليبهم، والاطلاع من قرب على مشاكل القائد العملي الفلاني في تعبئة العمال وتنظيمهم. على كل رفيق خليتنا، ان كان في المعمل او المحلة، ان يكون قادراً على تحليل وحل المسائل العمالية ونقد النظرات والمواقف التحريفية. على كل رفيق لنا ان يتحول تدريجياً الى مرجع ذا رؤية وراي في تحليل مسائل الحركة الاحتجاجية للعمال. ينبغي لمسائل من مثل قانون العمل، طرح تصنيف العمال والدرجات الوظيفية، العلاوات، سلامة اماكن العمل، حصة العامل من الارباح السنوية ، الامتيازات، ظروف عمل النساء وغير ذلك وصولاً الى الاحصائيات المتعلقة بمستوى الانتاج، التشغيل، كثافة العمال وغير ذلك في المعامل والمناطق المختلفة، ان تتحول الى انهماك فعالينا بصورة جدية.

٤) المسائل العملية والامنية في تنظيم المحرضين

ان تنظيم النشاط السري وصيانة ديمومة عمل التنظيمات السرية للحزب بين العمال، في اوضاع القمع الراهن (والذي يعد بالنسبة للشيوعيين اوضاع "عادية" للنشاط) هو بذاته امر معقد ودقيق. واذا اضفنا لتلك التنظيمات المحرضين والمهام التي تتم عبرهم، يبدوا جلياً ان تعقيدات هذا العمل ستتضاعف مرات. وسنواجه هنا تنظيم يقوم بعض عناصره بصورة علنية على الاغلب، وان مكان عملهم "الروتيني" هو الاجتماعات العمالية الواسعة نسبيا، الاجتماعات العامة وفي مقدمة صفوف الاضرابات والاحتجاجات وغير ذلك. ومن البديهي، وطبقاً للتعريف، ان تكون انظار الشرطة السياسية عليهم. وسَتُراقَبْ اي حركة تبدر منهم بحساسية من قبل القوى الجاسوسية والقمعية للشرطة. في اوضاع مثل هذه، ستطرح محدوديات ومسائل متعددة امامنا. ان كسب المحرضين وتنسيق النشاط السري للخلايا الحزبية مع النشاط العلني الحزبي الذي يتمحور على الاغلب حول محور المحرضين، يستلزم بالتالي اعلى درجات الاعداد والوعي الدائميين، وقبل هذا وذاك، نمط عمل شيوعي مبدئي واصولي وراسخ. وان هذه الحالة التي افترضنا فيها اوضاع يكون فيها المحرضين عناصر حزبية واعضاء رسمية للحزب، مجربين، تعلموا اساليب النضال ضد الشرطة السياسية وصيانة امان وديمومة عمل التنظيمات. في عملية جذب المحرضين، حيث لايزال المحرضين يمرون بالمرحلة الانتقالية للانضمام للحزب، يكون العمل اصعب من ذلك واعقد.

لتسهيل البحث، من الافضل ان ابدأ من مشكلات ومحدوديات الحالة الاولى ذاتها، اي الحالة التي انتهت فيه مرحلة الكسب وتحول المحرض الى جزء من تنظيمات الحزب، ادرج رؤوس النقاط، وبعدها اعرج على الخصائص والمشكلات الخاصة للمرحلة الانتقالية. سيكون اسهل، في حالة التجسيد السليم لهذا الامر بشكله النهائي، ادراك الخصائص العملية التي يجب ان تؤدي الى الحالة النهائية. ماهي مشكلات عملنا وتعقيداته؟

الف- صلة المحرض بالتنظيم السري للحزب:

ان هذه هي ام المشكلات في الحقيقة. ان اي حركة، سواء أكانت تربية المحرض، انتقال تجاربه، ارشاده وتحكمه، تدخله (بوصفه عضو حزب) في حياة التنظيمات وغير ذلك، تستلزم صلة منظمة ووثيقة وراسخة للمحرضين بالخلايا السرية. كيف يمكن اقامة هذه الصلة بصورة دقيقة؟ كيف يكون بوسع الخلية ان تقيم صلة منظمة بالرفيق المحرض، والذي هو قائد عملي للعمال، ولهذا معروف عند الشرطة السياسية الى حد ما بوصفه عنصر "ساخط"، مناضل او حتى "يساري"، دون ان يتعرض الوضع الامني للتنظيمات السرية والمحرض على السواء للخطر؟

ب- ارشاد المحرض وتدقيق اعماله والاشراف عليها:

ان العمل الروتيني للمحرض هو تحريض وتعبئة العمال (سواء من اجل تحرك ما او لتنظيمهم باشكال مختلفة). ينبغي ان ينفذ هذا العمل بصورة روتينية تحت اشراف التنظيمات الحزبية السرية. ولكن كيف؟ كيف يرشد تنظيم سري نشاط عنصر علني اثناء الاضراب، اثناء تنظيم اجتماع عام او حين يشرع العمال باحتجاج معين. انها من السمات الاساسية لعمل محرض جماهيري وقائد عملي للعمال هو انه لاندحة له من مواجهة وضع يحتم عليه اتخاذ قرارات متعددة في وقت قصير تجاه مسائل حساسة (مثلاً: هل ينبغي ادامة الاضراب؟ هل يجب الموافقة على طرح صاحب العمل؟ أينبغي تعديل لهجة التحريض؟ هل شَخَّصْ مزاج وروحية العمال بالضبط؟ و... الخ). يحتاج المحرض الى الاستشارة والارشاد. كيف تذلل التنظيمات السرية هذه الحاجة؟ وكلما ازداد ابعاد القمع شدة، تبرز هذه المشكلة بصورة اكثر حدة.

ج- التربية السياسية المنظمة للمحرض:

ينبغي ان تكون ادبيات الحزب في متناول المحرض بسهولة. ينبغي ان يتمكن من قراءة الكتب والكراريس اللازمة، ان يكون قادراً على المشاركة في الاجتماعات التثقيفية. في الوقت ذاته، وبوصفه فرد للعدو حساسية تجاهه، ينبغي ان يكون بيته خالياً من اي امور تتعلق بالنشاط السياسي. تكون وثائقه معه او ان لاتكون في بيته، ولايمكن تعقب صلاته التنظيمية وغير ذلك. كيف تلبى حاجة المحرض هذه؟

د- مشاركة المحرض في النشاط الحزبي الداخلي:

على المحرض، بوصفه عضو حزب ان يقدم تقريره، ان يشارك في الامور الحزبية الداخلية، ان يصوت في انتخابات الحزب، يبدي رايه تجاه اتخاذ القرار الجماعي وعشرات الاعمال "الحزبية الداخلية" من مثل ذلك. كيف يمكن وضع قائد عملي ومعروف في مثل هذه الصلات دون اولاً: ان يعرض الوضع الامني للتنظيمات السرية للخطر بصورة مباشرة، وثانيا، ان لاتتخطى معلوماته عن اماكن الحزب وعناصره الحد اللازم، وثالثاً ان لايضعف وضعه مع تلقي عناصر من الحلقة او الاصعدة التنظيمية المختلفة ضربة او لايصيب عمله الشلل؟

انها حاجات اساسية ينبغي تقييمها بصورة جدية. يمكن ان نضيف عوامل اخرى. ان المحرض، حتى لو ابقيت صلاته الحزبية مغطاة كلياً، فهو عرضة للعقوبة، الطرد والاعتقال دائما وذلك بسبب نشاطه بوصفه طليعة العمال. ان مسائله بوصفه معيل عائلة عمالية ليست مسألته الشخصية، بل مسالة الحزب. كذلك الامر حين يبرز خطر امني، ينبغي على المحرض ان يترك مكانه. ان توفير الامكانات اللازمة بهذا الصدد هو مهمة التنظميات الحزبية ايضاً. وثمة مسائل اخرى من هذا القبيل.

ولكن ماهو الرد؟ من الواضح انه ليس ثمة رد واحد بمعزل عن الزمان والمكان والاوضاع السياسية والامنية الخاصة لكل مرحلة. اذ يمكن تصور مرحلة، مثلا في اوج التصاعد الثوري، يكون المحرض بوصفه عضو حزب، قائد مجلس معمل ما، ممثلاً للعمال وغير ذلك، ياتي ويذهب مثل اي عضو حزبي اخر الى مراكز الحزب، ويشارك مباشرة في اجتماعات خليته التنظيمية او يعلن انتمائه الى الحزب الشيوعي رسمياً على صعيد المجتمع والجماهير العمالية العريضة، ويكون متحدثاً رسمياً في الاجتماعات الحزبية. بيد اننا الان في مرحلة اخرى، في خضم قمع شديد لم يسبق له مثيل في تاريخ النضالات العمالية والشيوعية في العالم قاطبة. ينبغي هنا ان نكتسب تقاليد واليات خاصة. اذا اريد لبحثنا ان يكون مرشداً للخلايا في الاوضاع القائمة، ينبغي ان نجعل من الاوضاع الراهنة اساساً.

قبل ان اتطرق الى الاشكال الخاصة لتنظيم المحرض والصلة والعلاقات المتبادلة للتنظيمات السرية مع العناصر العلنية للحزب، ينبغي ان اشير الى عدة عوامل اساسية ومهمة ينبغي على كل تنظيم الاستناد اليها.

اولاً، ينبغي الاشارة الى اهمية "الصلات الطبيعية" بين العمال. ان هذا هو الشيء الذي تطلق عليه البرجوازية الصغيرة "خلق غطاء للارتباط بالعمال". بالنسبة لنا، تتخطى الصلات الطبيعية كثيراً مسالة الصداقة والمعارف والتعاملات الطبيعية بين العمال. انها اليات واقعية للحركة الداخلية للطبقة، وعليه، فانها قسم من الاليات العمالية لنشاطنا نحن الشيوعيين بوصفنا قسم من الطبقة كذلك. ينبغي اخذ هذا الامر بجدية تماماً. ان الحلقات العائلية، الصداقات، صلة العمل، المعارف بالمحلة وغيرها هي اطر واقعية لنشاطنا. الى الحد الذي وسع نشطاء الحزب صلاتهم هذه، واتخذوا مكاناً فيها، وتحولوا الى عمال "اجتماعيين" بصلات واسعة مع ابناء طبقتهم، سيمضي عمل تنظيم النشاط السري والعلني على السواء بسهولة اكبر. يمكن الدفع بالكثير من هذه الصلات، التعلم، التقارير والارشادات في خضم هذه "الصلات الطبيعية".

ثانياً، تنامي مستوى الوعي السياسي للعمال وازدياد المحبوبية العامة للحزب بينهم. لقد تحدثنا سابقاً عن احاطة الخلايا بطيف واسع من العمال المؤيدين للحزب. كلما ازدادت الصلة بالحزب، الحديث عنه وذكره، الدفاع حتى اللفظي عنه، سماع اذاعته، السعي للحصول على جرائده بين العمال، سيصبح بالدرجة ذاتها تنظيم الشبكات الحزبية الواقعية، سواء السرية او العلنية اسهل. وكلما يزداد العمال المحتجين، سيتمتع العمال الشيوعيين المحتجين بمكانة عملية اكثر رسوخاً. باي حد ومدى يزداد حديث اي محتج عن اساليبنا وشعاراتنا، سيكون المحرض الرسمي والمنظم حزبيا اكثر نجاحاً في توسيع ابعاد امان نشاطه واكثر رسوخاً. وبهذا، تقوية ورسوخ صلة العمل السري والعلني وصلة الخلايا ومحرضيها تستند الى حد كبير الى النشاط الروتيني لرفاقنا والخاصة بالترويج لافكار وسياسات الحزب والارتقاء بالمستوى السياسي العام للعمال.

ثالثاً، مسالة الاستعداد والقدرة السياسية والتنظيمية والعملية للخلايا نفسها. لجذب قائد عملي للعمال ولتنظيمه بوصفه محرض حزبي، وهي نفس مهمة القيادة باسلوب شيوعي وتحت اهداف وضوابط وانضباط حزبي، ينبغي على التنظيمات السرية (وفي هذه الحالة الخلايا) ان تكون قد اكتسبت قدرات وامكانات اولية خاصة. لن تكون كل خلية قادرة على مثل هذا التنظيم. ينبغي ان تتحلى الخلية بمستوى عالٍ من الناحية السياسية. ينبغي ان تكون قد مركزت قدرة تحريضية جدية فيها، وان تكون مطلعة بشكل جيد على المسائل العملية للحركة العمالية والمطاليب العمالية. ينبغي ان تكون الخلية قد تقدمت بحدود معينة فيما يخص امر تنظيم الحلقات التحريضية، توزيع جرائد الحزب، تربية العمال وايجازاً تنظيم وانجاز المهام الروتينية الواردة في "مهام الخلايا الحزبية". ان تكون قد رسخت من الناحية الامنية صلتها الامنية بصورة تامة، وتنامت من حيث العدد بصورة كافية. ان تغذية، حفظ صلة، ارشاد وتنظيم المحرض يستلزم صرف طاقات كثيرة. ينبغي ان تتحلى الخلية بامكانية تنشيط المحرض في خدمة الحزب، لا ان تبتلعها المسائل المطروحة اثناء مسرى عمل المحرض وتجعلها غير قادرة على انجاز مهامها الاساسية. من الجلي ان ليس بوسع حتى الخلايا الضعيفة كذلك، ولاينبغي عليها، ان تتخذ موقف اللامبالاة تجاه القادة العمليين للعمال والذين لهم صلة في محيط نشاطها. ولكن يجب الانتباه الى ان المسافة بعيدة مابين عقد الصلة مع مثل هذه المجموعة من العمال والقيام بالمهام الحزبية الروتينية التي تتعلق بهم ومابين تنظيميهم بوصفهم محرضين جماهيريين حزبيين. ولكن على اية حال، ستتخذ كل خلية حزبية عاجلاً ام اجلاً خطوة بهذا الصدد امتداداً لمساعيها المظفرة في الصياغة الاولية. التتمة في العدد القادم....

 

هامش المترجم:
* "
المحرك الصغير-المحرك الكبير": اطروحة منظمة الفدائيين ومفادها ان المنظمة هي المحرك الصغير والمجتمع هو المحرك الكبير، فان تحرك المحرك الصغير، تحرك الكبير، بمعنى ان المنظمة محركة المجتمع-م.

مقالات