منصور حكمت

الأمة، القومية وبرنامج الشيوعية العمالية الجزء الاول: مراجعة حق الأمم في تقرير مصيرها


قبل اربعة عشر عاما، عندما كنا منكبين على صياغة مسودة برنامج اتحاد المناضلين [١]، ومن ثم برنامج الحزب الشيوعي الايراني، كانت الفقرة التي تخص موضوع حق الأمم في تقرير مصيرها من اكثر الفقرات استقامة وخلوا من الابهام. واذا لم تخني الذاكرة، لم يتم، بهذا الصدد، اجراء حتى ابسط النقاشات. فقد وضع اتحاد المناضلين الشيوعيين، ومن بعده الحزب الشيوعي الايراني، فقرة "حق الأمم في تقرير مصيرها" في برنامجيهما بأعتبارها صيغة بديهية لاتقبل الجدل. اليوم، وبعد مضي سنوات، نجد أنفسنا مرة أخرى في مواجهة هذه الصيغة اثناء اعدادنا لبرنامج حزبي. ولكن هذه المرة عكس سابقاتها، حيث لايظهر فيها اي شيِ يشير الى خلوها من الابهام. في الواقع، ان كل كلمة من كلمات هذه العبارة المليئة بالاشكالات هي غير واضحة ومدعاة للغموض. إن هذه الصيغة، وبهذا الشكل، لايمكنها برأيي أن تأخذ لها مكانا في برنامج الحزب الشيوعي العمالي. إن الهدف من كتابة هذه المقالة التي سترد أجزائها تباعا في عدة اعداد من جريدة "أنترناسيونال"[٢]، هو مراجعة انتقادية للأمة والنزعة القومية ولمفاهيم اشمل ووقائع سياسية تشكل اساس هذه الصياغة. ووفقا لهذه التحليلات الأكثر شمولية، ساطرح لاحقا الصيغة التي اراها صحيحة لبرنامج الحزب[٣].

مالذي تغير؟
كلانا قد تغير، نحن والحقائق الخارجية.لاشك ان الحقيقة الاشتراكية التي وضعت بموجبها مسألة حق الأمم في تقرير مصيرها كمبدأ بديهي في برنامجنا قبل اربعة عشر عاما، يمكن ادراكها وفهمها اليوم. كانت المصداقية العملية بالنسبة لنا في تلك المرحلة فيما يتعلق بفقرة حق الأمم في تقرير مصيرها هي المسألة الكردية وكردستان. لقد كانت الصيغة العامة لموضوع حق الأمم في تقرير مصيرها في الواقع تهيئة المقدمة المبدئية لاصدار هذا الحكم الواقعي والصحيح والشيوعي بالكامل والداعي الى إن جماهير كردستان في ايران، في نظر الشيوعيين، وبغية رفع الظلم القومي عنها، لها الحق حتى في الانفصال وتشكيل دولة مستقلة، وان القرار بهذا الصدد يرجع لجماهير كردستان وحدها وليس كل جماهير ايران أو الدولة أو الاجهزة التشريعية، ومن ثم، فأن الشيوعيين يدينون كل الضغوطات التي تحول دون تمتع جماهير كردستان بهذا الحق ويقفون ضدها. في ثورة ٥٧ (١٩٧٩)[٤]، كان هذا هو المعنى العملي والواقعي فيما يخص فقرة حق الأمم بالنسبة لتيارنا وكان الهدف منه بالتحديد ضرب الحركة القومية الايرانية والتحريض ضد مختلف الاصوات التي كانت تنادي بــ"الحفاظ على وحدة اراضي ايران" داخل أجنحة اليمين واليسار البرجوازي الايراني.
وبقدر تعلق الامر بكردستان، فأن موقفنا اساسا لم يتغير، ولايجب ان يتغير (ساتطرق في ختام هذا المقال الى نقد مقولة الحكم الذاتي وكذلك الى طرح اللائحة المحددة للحزب لحل المسألة الكردية). الا ان عقدة هذه الصيغ العامة، أو بالاحرى محاسنها، هي كونها شاملة وتنطوي على اسس عملية مختلفة. خلال الاربع عشرة سنة المنصرمة، لم يكن بالتأكيد في صيغتنا العامة من وجهة نظرنا دفاعا عن الفيدرالية أو تجزئة الدول الكبيرة الى مايسمى اجزاء قومية، حتى لو كان في ذلك الوقت قد وجد من نبه الى ان هذه الصيغة العمومية لاتبقى مقتصرة على المسألة الكردية والفلسطينية فحسب، وان حق تأسيس دولة سيتعمم شئنا ام ابينا على الناطقين بالفرنسية من سكان كندا في الكيوبيك، وعلىالباسكو الكاتالونيين والصرب والكروات والتشيك والسلاف والمقدونيين والكرجيين والابخاز والاسكتلنديين والويلزيين والافارقة والزولو، وبتعديل بسيط، على السيخ والشيعة والمسيحيين و"الأمة السوداء" في واشنطن، وبأختصار، على كل فئة لها مكان في سجل وتعتبر قوما في اذهان البعض، فاننا قطعا لم نكن لنجادل حول هذه الفقرة ولكانت اخذت مجراها فورا.الا إن احدا لم يعط مثل هذا التنبيه في ذلك الوقت ولم يحصل هذا الجدل. ان ذلك هو الطريق الذي سلكناه والتغير الذي طرأ علينا. مع طرح ابحاث الشيوعية العمالية، ظهر لدى تيارنا فهما فكريا اكبر عن المحتوى الاجتماعي والتأريخي للحركات والميول السياسية المختلفة، ومن جملتها وبالأخص الحركة القومية ومجابهتها التأريخية العالمية مع الاشتراكية العمالية. ان الامة والنزعة القومية، حتى فيما يتعلق بــ"الاقليات القومية" أو المضطهدة، تقيم اليوم وتقاس ضمن اطار تأريخي وتحليلي اوسع. لذا، فأن المفاهيم الاوسع للصيغة العامة لحق تقرير المصير تتم متابعتها بحساسية ودقة اكبر. بالاضافة الى ذلك، مع انتهاء الحماس والاندفاع ابان ثورة ١٣٥٧ (١٩٧٩) من جهة، والبلوغ النظري والسياسي لحركتنا من جهة اخرى، اصبحت الأسس البرنامجية تدقق حاليا اكثر ضمن اطار عالمي. تخرج الصيغة العامة لحق الأمم من تحت ظلال المسألة الكردية وكردستان واسقاط النظام الاسلامي وتتخذ ثقلها العام والعالمي. إن صيغة حق الأمم في تقرير مصيرها على صعيد عالمي،لاتعتبر إطلاقا البوصلة الاشتراكية التي ترشد الى العبور داخل غابة المصالح والصراعات"القومية" التي لاتحصى.

الا إن العالم المادي والوقائع التأريخية قد تغيرت قبلنا، واشارتي هنا الى الاحداث التي وقعت إبان الازمة ومن ثم انهيار الكتلة الشرقية والعالم ما بعد الحرب الباردة. اذا تخطينا مسألة انعطاف الحركات التحررية السابقة نحو الغرب ونمط السوق الحرة خلال السنوات الاولى من أزمة الكتلة الشرقية (ذلك كون تيارنا، على اية حال، لم يكن مشاركا اليسار التقليدي في توهمه بصدد نعت الحركة القومية في العالم الثالث والحركة القومية للاقليات، بالتقدمية)، إن الحركات الاستقلالية، ومن ثم، الحروب والابادة الجماعية والتي اقدمت عليها"الأمم"المطلقة العنان في اوربا الشرقية والمركزية، جعلت حقا من المطاليب القومية الداعية للاستقلال مطاليب لا قيمة لها حتى في نظر من لديهم الحد الادنى من الانسانية، وفي احيان كثيرة، مبعثا على السخط والنفور. بوسع الجميع رؤية كيف إن الحركة القومية تجسد تواجدها المادي في المقابر الجماعية و"اعمال التطهير القومية" والافران البشرية، وكيف إن المطاليب القومية ليست وحدها فحسب، بل وحتى مقولة القومية نفسها والهوية القومية، هي غير اصيلة في اكثر الامور ومن صنع المحافل السياسية الخاصة.

إن الاحداث القومية في عالم ما بعد الحرب الباردة تحيل، بالضرورة، صيغة"حق الأمم في تقرير مصيرها" الخيرية والمنصفة في الظاهر الى مراجعة انتقادية. بأعتقادي ان نتيجة هذه المراجعة بالنسبة للشيوعية العمالية لايمكنها ان تكون سوى نبذ هذه الصيغة في شكلها الحالي.


حق الأمم في تقرير مصيرها
لغز من خمس كلمات
إن موضوعي الاساسي حول المسألة القومية و"حق الأمم في تقرير مصيرها" سيبدأ من العدد القادم وفي نقد الهوية القومية نفسها. دعونا في هذا الجزء نفكر قليلا ومليا في هذه الصيغة. تعالوا نمعن النظر ثانية في اجزاء هذه الصيغة كل على حدة في نفس صورتها الظاهرية. سيساعدنا ذلك كي نكشف على الاقل تقدير جملة من الاسئلة والتناقضات التي يمكن ان تشكل نقطة الانطلاق لبحثنا.
١ لنبدأ من أسهل وأقل الاجزاء تناقضا:"تقرير مصير"ها. ما المقصود من هذه العبارة؟ الأمة التي تحصل على حقها من تقرير المصير، (اذا ما فرضنا فعلا ان معاني كل من"حق" و"أمة" معلومة لدينا) ماالشيء الذي جلبه الحق؟ من الناحية التأريخية، وكذلك حسب التقليد الشيوعي، تعني هذه العبارة حق الانفصال وتأسيس دولة مستقلة بحيث تكون (الامة) المذكورة هي (الامة الرئيسية) أو الاكثرية.

دخل هذا البحث تقليديا نوعان من سوء الفهم أو سوء التعبير. المأخذ الاول، وخاصة في عبارة "تقرير مصيرها" باللغة الفارسية والذي يكتسب كذلك فخامة اكثر،هو فهم حسب ما يسمى ديمقراطي وتحرري كاذب عبئت العبارة به. العبارة ذاتها، وبالأخص في صيغتها الفارسية، وبالاستفادة من الكلمة الرومانتيكية الحماسية"مصير"، تجر معها مشروعية مسبقة. وهل هناك من انسان شريف تحرري لايغتبط فرحا حين يقرر شخص ما، أي شخص "مصيره" بنفسه ولا يعتبر ذلك امرا مقدسا وخطوة الى الامام. بيد ان عبارة Self dermination في اللغة الانكليزية، على سبيل المثال، تفتقر الى هذا الاستنتاج الحماسي. ولكن على اية حال فانها تحمل هذه المشروعية المسبقة معها الى حد ما. بيد ان اقامة بلد جديد، على سبيل المثال، من جماهير شمال ايطاليا الذي فيه احيانا عدة منهمكة بصياغة وثائق هويتها القومية المستقلة او الجماهير المسماة بالتاميل او الباسك، مازال لايفصح شيئا عن هل تنال هذه الجماهير، أفرادا أو جماعات، مع هذا التحول، ذرة من تقرير"مصيرها" اكثر من السابق ام لا. ان النظام الداخلي للدولة الجديدة، سواء من الناحية السياسية أو الاقتصادية، يتبع الصراعات والتحولات الاخرى التي لا يمكن التنبؤ مسبقا بتأثيرات الاستقلال نفسه على ذلك النظام. يمكن أن تكون الدولة الجديدة أكثر رجعية، أشد قمعاً، تتسم باللامساواة أكثر من سابقاتها، ويمكن ان تكون جماهيرها اقل حقوقاً واكثر معاناة وفقراً.ان نظرة عابرة على العالم بعد الحرب الباردة، حيث عرضت لوحة عظيمة عن"الأمم" التي نالت الاستقلال و"حققت تقرير مصيرها"، تكفي لفهم هذه المسألة. خلال تقييمنا اللاحق لمقولة "الامة"، نستنتج كيف ان الاعلام القومي يبرز السلطة القومية ببساطة وكأنها مساوية لسلطة افراد تلك "الامة" وتحجب الحقيقة القائلة إن نفس سلطة مايسمى بأمة واحدة،واتخاذ الهوية القومية كاساس حقوقي ومعنوي لوجود دولة ما، يناقض بحد ذاته حق سلطة المواطنين ويحدد حق الجماهير في" تقرير مصيرها".

خلاصة القول، إن حق تقرير المصير يعني حق الانفصال وتأسيس دولة بأسم أمة معينة. لايتطرق البحث الى تحقيق الحقوق المدنية والفردية وتوسيع صلاحيات الجماهير أو الديمقراطية بالمعنى االدارج للكلمة. ان الشرعية المخبأة مسبقاً في هذه العبارة هي مفرطة وغير واقعية.

أما سوء التعبير الثاني فهو يرتبط اساساً بمقولات كالحكم الذاتي الاداري والثقافي والادارة الذاتية وما شابه ذلك. ان الاعتراف الرسمي بحق تقرير المصير، من الناحية الحقوقية والسياسية وكذلك في تأريخ الحركة الشيوعية، وعلى سبيل المثال في تفسير لينين وبرنامج الاشتراكية الديمقراطية الروسية ومن ثم البلاشفة، يعني حق الانفصال وليس اي سيناريو وسطي يقترح ايجاد علاقة متباينة بين الامة ذات العلاقة مع السلطة والدولة المركزية. ان موضوع حق الامم في مصيرها، بمعناه الاخص،لايرتبط بهذه المقولات. ان الاعتراف الرسمي بهذا الحق لايعني القبول بحق إقامة رابطة حقوقية ادارية خاصة بين احدى "الأمم" الساكنة في البلاد مع الدولة ومع بقية المواطنين. سأتناول هذه المسألة بتفصيل اكثر في القسم الأخير من المقالة خلال نقدي لمقولة الحكم الذاتي. ساكتفي هنا بهذا التأكيد وهو إنه على العكس من حق الانفصال الذي يأخذ بنظر الاعتبار على الاقل شكلياً الارتقاء بموقع "أمة"ما في العلاقات الدولية وكذلك محو التمييز القومي في العلاقة بين المواطنين والدولة، فأن نيل الحكم الذاتي يظهر نوعا جديداً اخر من اللامساواة بين مواطني البلد الواحد على اساس الانتماء القومي. إن الادعاء والامل الزاعم بان الحكم الذاتي سيعوض عن الظلم والتمييز السابقين وسيضمن عدم تكرارهما في المستقبل،لايغير شيئا من حقيقة كون اساس الحكم الذاتي هو تعريف علاقة غير متساوية جديدة للابقاء على الصراع والتفرقة القومية في اطار بلد واحد. لذا، فان دفاع الشيوعيين عن حق الأمم في تقرير مصيرها، مع كل مايستنبط في تعابير هذا الشعار، لايحسم مسألة الحكم الذاتي أو غيرها. إن حق الأمم في تقرير مصيرها ليس صيغة من اجل الاعتراف بشرعية القوانين الاساسية "المتنوعة" وتقسيم المواطنين حسب انتمائهم القومي في البلدان"المتعددة الاقوام". في التقليد الشيوعي على الاقل الذي ترك هذه الصيغة لبرنامجنا كميراث، لم آتي بمثل هذا التفسير عن هذا الحق.

على كل حال، إن التعبيرات الحالية لهي ملحق هذه الصيغة. فعبارة"تقرير مصيرها"هي عنوان جيد للجدال حول هذه الاستنتاجات،الا انها ليست ابداً مقولة بناءة من اجل ايجاد صيغة تحررية شيوعية واضحة حيال الامم والمسألة القومية. على اية حال، اننا نستخدم في هذا البحث حق "تقرير مصيرها" حصراً باعتباره حق الانفصال وتأسيس دولة قومية مستقلة.

٢ الكلمة الاساسية الاخرى التي يجب ان نمعن النظر فيها هي كلمة "الحق" أو عبارة "الاعتراف الرسمي بالحق" التي تتصدر الصيغة. عندما يعترف شخص ما رسمياً بـ"حق" الأمم في تقرير مصيرها، فما هو نوع الحق الذي يقصده، وما هو الفكر أو الفعل الذي سيتعهد به؟ ما معنى الاعتراف الرسمي بحق ما؟

في الوهلة الاولى، يمكن ان يفسر بأن هذا السؤال مغالى فيه ومن باب التحجج. لكنه في الواقع إن الجدال حول هذا السؤال، وان يكن في جانب من جوانبه فقط، كان يشكل تأريخياً ميداناً مهماً في المناقشات الشيوعية حول مسألة القومية. اقصد بالتحديد الابحاث المتعلقة بالملاحظة الأممية والبروليتارية التي تستنتج منها فوراً، نظراً لقابلية العبارة السابقة للتفسير بالذات، إن"الاعتراف الرسمي بحق تقرير المصير (حق الانفصال) لايعني بحد ذاته وإلزاماً التوصية بالانفصال". يتطرق هذا التنويه الى القبول بشكل من اشكال التباين في مستويات "الحقوق" داخل المجتمع. ويتضح فورا إن نفس كلمة "الحق"، بحد ذاتها، لاتقول لنا شيئا عن أهمية وضرورة وحتى احياناً امكانية تحقيقه مادياً؛ وكقاعدة، ووفقاً لنوعية الحق، فأن تطلعات مختلفة ستنتظر منا نحن المعترفين "رسميا" بالحق. فحق ادامة الحياة والعيش، حق التنظيم، حق الطلاق، حق التدخين، حق السفر الى الفضاء كلها من جملة حقوق الجماهير. يجب أن يعترف بمجملها رسمياً، الا إن كل هذه الحقوق لاتنبع من مصدر واحد في فلسفتنا السياسية ونظرتنا للعالم وأهدافنا، ولاتشغل المكانة نفسها في منظومتنا الفكرية وأولوياتنا الاجتماعية.

أي نوع من الحقوق هو حق الأمم في تقرير مصيرها؟ يقارن حق تقرير المصير عادة بحق الطلاق. يجب أن يكون ثمة حق طلاق، إلا إن ذلك بحد ذاته لايستلزم التوصية بالانفصال. ان الدفاع عن حق الطلاق لايعادل التوصية به،الا ان ذلك باعتقادي هو مسار سطحي جداً. فمقارنة حق تقرير المصير مع حق الطلاق من أحد الجوانب المهمة هي مقياس تضليلي حسب أعتقادي وساوضح هذا لاحقا عند تقييمنا لمقولة الأمة، الا إن الواضح هنا على الأقل هو إن حق تقرير المصير لدى الشيوعيين ليس من جملة الحقوق التي من الواجب تحقيقها ماديا وتطبيقها باضطراد كحق الرأي وحق السلامة الصحية وحق التعليم، بل هو حق يجب أن يعترف به رسميا، ومن ثم التمني وحتى السعي قدر الامكان للحيلولة دون الاستفادة منه وذلك بأخذ محتوى اغلب الصراعات القومية التي رأيناها لحد الآن بنظر الاعتبار. إن القول بان شخصا يعترف رسميا بحق الأمم في تقرير مصيرها،لازال بالضرورة لم يوضح بحد ذاته المكانة التي يقرها لهذا، واي نوع من الحق هذا.

الاَ إن قابلية مقولة الحق على التفسير لاتنتهي عند هذا الحد. فالاعتراف الرسمي بحق الأمم في تقرير مصيرها يعني الالتزام بانجاز أي نوع من العمل السياسي؟ هل هو الاقرار بنظام فيدرالي في حالة نيل السلطة أو منح حق الانفصال لـ"الأمم" الساكنة في البلد؟ أ يعني التضامن ودعم الحركات الانفصالية؟ هل الاقرار بهذا الحق يعني تصنيف الحركات الانفصالية، ويصورة الية، من ضمن الحركات التحررية والتقدمية؟ ان ذلك بالطبع نافذة اخررى لولوج التفسيرات المختلفة. إن تصور لينين للمسألة على سبيل المثال يستند اساسا على المبدأ القائل بتجنب الانفصال وينظر الى حق تقرير المصير كحق "سلبي" . الاقرار بحق تقرير المصير حسب اعتقاد لينين يعني، اولا،ان الشيوعيين يعارضون الالحاق القسري و"العنف او الاساليب غير العادلة" للابقاء على الحاق الأمم، ويعتقدون ثانيا، إن الاقرار بالانفصال أو البقاء يرجع فقط الى الامة ذات العلاقة. يبين هذاالتصور الهدف والنظرة الشيوعية والاممية التي راعيناها نحن ايضا بدقة في اعداد برامجنا الحزبية السابقة. الا ان ذلك لايزيل الابهام كليا من الناحية الحقوقية.على سبيل المثال، هنا يمكن الاشارة الى انه حتى في حالة عدم الاقرار بحق الانفصال لامة ما، فان الشيوعيين لازالوا يخالفون استخدام العنف والاساليب غير العادلة ضد المطالب والحركات الاستقلالية الجماهيرية ويدينونها. أما الجانب الثاني من هذا التعبير فهو يطرح سؤالا أكبر ويعيد الى حد ما الابهام الى الجانب الاول مرة اخرى. "القرار يعود الى الأمة ذات العلاقة"، حسنا، لنفرض ان الهوية القومية لتلك الامة قابلة للتعريف ويمكن تشخيص الجماهير التي ستشارك، وكذلك الهيئات التي يجب الاَ تتدخل في هذا القرار. ولكن كيف يمكن التأكد، ناهيك عن ضمان كون قرار الانفصال هو قرار الأمة نفسها. مشكلة هذه الصيغة من جهة هي انها تخبأ في طياتها مفهوما عن"الارادة القومية" وتأخذها كامر مسلم به، وستفسح المجال للتوهم الزاعم بان هناك، بين جميع مسائل المجتمع البرجوازي، والتي تكون الارادة والمصالح فيه طبقية، موضوع بعنوان ان انفصال الأمم الذي يمكن البحث فيه عن ارادة جماعية وفوق طبقية والتي لم تعد تمثل بعد الآن ارادة الطبقة الحاكمة بل ارادة"الأمة" بكاملها وتنفيذ تلك الارادة. من الناحية النظرية، يعتبر ذلك اعطاء امتياز ضمني للقومية وحركتها. أما من جهة اخرى، فان هذا التفسير سيفتح الباب امام البحث في الاتجاهين وهما: هل إن القرار المتخذ (ضد الانفصال أو لصالحه) كان قرار الأمة نفسها أم لا؟ ما هي العملية التي يمكن من خلالها معرفة وتثبيت قرار"الأمة نفسها"؟ فمثلا، كيف يمكن التحقق من اثبات كون الانفصالات الاخيرة التي جرت في دول البلطيق أو تيشكوسلوفاكيا انها كانت تعكس ارادة الأمم المنفصلة نفسها أو انها كانت قرارات اصيلة ومشروعة؟

إن السؤال التالي: من الذي سيتخذ القرار حول اصالة وصحة عملية ابداء أمة ما لرأيها بصدد الانفصال أو البقاء سيعيد موضوع حق الامم في تقرير مصيرها الى النقطة الاولى. ألا يعتبر تدخل الدولة المركزية أو الشيوعيين أو حتى جماهير"الآمة السائدة" في الحكم على الاصالة الحقوقية لقرار "الامة المسودة" نفيا للاعتراف الرسمي بحق الامم بتقرير مصيرها؟ وبالمقابل، الا يعني غض الطرف عن هذه العملية وعدم التدخل فيها عدولا واقعيا عن "حق الامم في تقرير مصيرها" وتبديله الى"حق الحركة القومية في تقرير مصير الامم"؟ هناك في هذا السؤال ما يكفي من مسائل لاجل دعوى قومية جديدة.

ومن ثم يجب التذكير بان عملية الاعلان عن ارادة الامة، والذي يعتبر الاستفتاء والرجوع الى الرأي العام أحد اشكالها،هي عملية شكلية وحقوقية على اية حال. فسواء حققت الاحزاب اليمينية المتطرفة، كما في بلدان البلطيق، الاستقلال بالاتكاء على موجة اعلامية غربية مضللة وبسلب حق الرأي مما يقارب نصف مجموع المشاركين، أو تحقق بأستفتاء حر بعيد عن الضغوطات والارهاب المذكور، فان الامر بالنسبة للشيوعيين لن يكون نموذجا ماديا لتحقق الارادة الواقعية للجماهير الكادحة بشأن مصيرها. إن كلمات وعبارات من مثل حق "القرار الحر للأمة نفسها" وغيرها من الكلمات والعبارات الاخرى تحجب واقع كون ان مايحصل حتى في اكثر العمليات ديمقراطيةلايمثل تحقيقاً لحقوق قائمة بذاتها ومعتبرة على الدوام للانسان كحرية التعبير أو حق الطلاق ، بل يمثل انتخابا واختيار بين السيناريوهات البرجوازية المختلفة للتنظيم الاداري والصياغة الايديولوجية للمجتمع. ألافراد يشتركون في هذه العملية باعتبارهم افراد "امة" وذوي هويات كاذبة ووعي مقلوب.

يمكن ان يؤدي استخدام حق تقرير المصير في هذة الحالة المعينة أو تلك الى تخفيف معاناة الحياة المادية لقطاعات واسعة من الجماهير لفترة معينة. إلا إن وصف هذة التحولات والحديث عنها في اطار مقولات من مثل الحق والحرية وتحقيق الارادة سيحجب الماهية الطبقية والمشروطة للعملية. إن الاعتراف الرسمي بحق الامم في تقرير مصيرها، بالنسبة للشيوعي، لايوازي، منطقياً، وبالضرورة، الالتزام بتعهدات مثل الاعتراف الرسمي بحقوق تنبع مباشرة من الاهداف الايجابية، الانسانية والمساواتية للشيوعية. أعتقد إن اظهار اسلوب تعامل الشيوعيين مع دعوات الاستقلال القومية تحت عنوان"الاقرار" بنوع من "الحق" ووضع هذه المسألة بالضرورة جنب مجمل الحقوق التي تناضل من اجل تحقيقها في المجتمع، تسبب نوعا من الابهام وسوء الفهم قبل ان تخلق نوعا من الشفافية.

٣ ومن ثم نصل الى مقولة الأمة. ماهي الامة؟ إن هذا السؤال كونه من الاسئلة التي لم تطرح بعد، لذا نتخيل باننا نعرف اجابته. الواقع هو إن الأمم أو الأمة هي من أكثر أجزاء هذه الصيغة ابهاما وأكثرها تعقيدا. يشكل نقد مقولة الأمة أحدى المحاور الاساسية في بحثي هذا وسأتناوله في الجزء اللاحق. الا انني هنا، ومن أجل استكمال المرور العام على اجزاء صيغة حق تقرير المصير، اشير باختصار الى التناقض المحوري للمقولة دون التطرق الى التفاصيل والادلة.

لنرجع الى مثال حق الطلاق الذي أوردناه سابقا، وهو مثال واضح، الفرق بين حق الانفصال الأمم وبين حق الطلاق هو إن حق الأمم، على العكس من حق الطلاق، اذ ان الطرفان في الأخير موجودان حقيقيان ذو هويتين محددتين قابلتين للارجاع ومستمرتين في الزمان والمكان. ولكن فيما يتعلق بحق الأمم، فلا يمكن اعطاء تعبير كهذا عن التحديد والموضوعية واستمرار هوية الطرفين. لايمكن معرفة من هو الكائن الذي سيمنح حق الانفصال. المحاولات الفاشلة التي سعت لاعطاء تعريف عن الامة ليست بالقليلة. فالتعابير الموضوعية التي تشير الى العوامل كاللغة، الارض، التأريخ، العادات والتقاليد المشتركة وغيرها، والتعابير الذاتية التي تصور الانتماء القومي بشكل من الاشكال كنتاج لاختيار الجماهير ذاتها، كل هذه التعاريف، عندما تقابل بالتقسيم القومي الواقعي للعالم، تظهر عدم صحتها وعدم مطابقتها مع الواقع.

ليست الأمة مقولة ذات معالم واضحة يمكن تعريفها واعادة تعريفها بسهولة. يمكن تناول هذا الغموض على اصعدة مختلفة. لايمكن ارجاع الأمة الى الأصل العرقي أو حتى القومي، ولا الى الخصائص البيولوجية للناس ولا تحدد بالوجود والعيش على ارض مشتركة واحدة. الأمة والانتماء الى الأمة ليست اللغة المشتركة، ولا التقاليد المشتركة، وليست ازلية ولا ابدية، بل هي نتاج التأريخ. تأتي وتزول، تتغير ويعاد تعريفها. الأمة، من الناحية الفيزيقية، ليست واحدا ذا جسد واحد وعقلية واحدة، بل هي كائن مركب من افراد متعددين واجيال بشرية مختلفة وفي حالة من التغيير المستمر. لايوجد لحد الآن تعريف للأمة يمكنه توضيح الهوية القومية المشتركة بشكل موضوعي وفقا لمشخصات مرئية لاتقبل الجدل. إذاأخذنا أيا من العوامل السابقة الذكر أو أية مجموعة منها كاللغة المشتركة، التأريخ والثقافة المشتركة، الارض المشتركة وغيرها كأساس، فان قليلا من التعمق سيجعلنا نكتشف أرجحية الشواذ على القاعدة العامة، ونكتشف ذهنية وانتقائية مجمل التصنيفات القومية وحتى العوامل السابقة نفسها. من بين كل الهويات التي اختلقت على مر التأريخ، لاجل تصنيف الناس، كرابطة الدم، القبيلة، القوم، الجنس، العرق وغيرها، فان الأمة هي أكثرها تموجاً وغموضاً وذهنية غير قابلة للاثبات واكثرها اشتراطا من الناحية التأريخية.

الأمة، على عكس الجنس، ليست من خلق الطبيعة، بل انها من خلق المجتمع والتأريخ البشري. الأمة، من هذه الزاوية، تشبه الدين،الا انها عكس الانتماء الديني، حيث إن الانتماء القومي لايمكن اختياره حتى شكليا.بالنسبة لفرد معين لايمكن الالتحاق بامة ما أو الانقطاع عنها (رغم إن قسما من المحققين في مجال الأمة والنزعة القومية قد استنتجوا من هذه المقولة تعابير ذاتية كهذه). ان هذه الخصوصية تعطي الأمة والانتماء القومي قدرة وكفاءة سياسية عجيبة. انها طوق في اعناق جماهير واسعة. لايعلم أحد اصلها ولايمكنه تعقبها، ورغم ذلك، فهي تبدو طبيعية وبديهية لدرجة يتخيلها الجميع وكأنها جزء من كيانهم ووجودهم. الا ان جيلنا الحالي محظوظ حيث يرى في زمانه يوميا نشوء أمم جديدة وبطلان المقولات القومية السابقة، لذا لايمكنه لمس الهوية القومية بأعتبارها نتاج الأقتصاد السياسي فحسب، بل ونقدها أيضا. إن الانتماء القومي هو اطار لتصنيف وترتيب الناس في علاقاتهم بالأنتاج والتنظيم السياسي للمجتمع. فالأمة لاتعني جمع افراد ينتمون الى أمة واحدة، بل العكس، الانتماء القومي للفردهو حصيلة تجسد الهوية القومية الجماعية فيه. ليست الأمم هي التي تنفصل أو تلتحق ببعضها، بل ان الالحاقات والانفصالات المفروضة على الجماعات البشرية هي التي تكون الأمم. وليست الحركة القومية هي الحصيلة السياسية والايديولوجية للأمم، بل على العكس من ذلك ان الأمم هي حصيلة الحركة القومية.

كما سبق وأن أشرت، فان البحث الاكثر تفصيلا في نقد الهوية القومية يجب أن ندعه للعدد القادم، الاَ انه وجبت الاشارة بهذا القدر، كون مقولة الأمة والتي هي محور صيغة "حق الأمم في تقرير مصيرها" مقولة غير محددة وغير موضوعية. ولا يعني هذا إن الانتماء القومي والهوية القومية غير مادية وخيالية، بل يعني إنها غير قابلة للتعريف، مستقلة ومفصولة عن المرحلة التأريخية والمسارات السياسية والتوازن الايديولوجي في اي فترة من حياة المجتمع. الأمة ليست مقولة قائمة بحد ذاتها، بل هي الحصيلة المتحركة والمتغيرة دائما في ميدان السياسة. على هذا الاساس، فأن حق الأمم في تقرير مصيرها هو أكثر إبهاما وأقل تحديدا من أن يتخذ كركن سياسي ومنهجي أساسي.

بناءً على ما ذكر، اذا اتخذنا المعنى الكامن لهذه الصيغة كأساس، فأن الاقرار بحق الأمم في تقرير مصيرها سيعني منح حق القرار الاحادي الجانب بتشكيل دولة مستقلة الى اي جماعة من الناس تدعي حمل هوية قومية مستقلة أو الى من يدعي ذلك نيابة عنهم. من الصعب تسمية ذلك مبدءاً تحررياً شيوعياً.

الواقع هو إن "حق الأمم في تقرير مصيرها" بالنسبة للشيوعيين يشير الى شئ غير الذي يستنتج من كلماته. ونحن كشيوعيين نستفيد فقط بالتحديد من هذا المعنى الغائب وغياب ذلك الشعار. إن الاقرار بحق التصنيفات القومية وذلك بقيام كل منها بتأسيس دولتها المستقلة، لايمثل بأعتقادي أساسا مبدئياً شيوعيا حتى لو قبلنا الحد الادنى للينين، والصحيح باعتقادي، عن النتائج الناجمة عن هذا الاقرار. الا إن الصورة الظاهرية لهذه الصيغة والتعهدات الحقوقية الناجمة عنها لا تمثل أصل المسألة لا بالنسبة للينين ولا بالنسبة لنا. ان شعار حق الأمم في تقرير المصير هو صيغة من أجل أن يواجه بها الشيوعيون واقعا تأريخيا مريراً وضمان أقل الطرق معاناةً لتجاوزه ضمن مسار النضال من أجل تحرير البشر. هذا الواقع المرير هو الظلم القومي الذي لاتوجد ادنى اشارة اليه في صيغة حق تقرير المصير. إن دور هذه الصيغة بالنسبة للينين والبلشفية وبالنسبة لنا كان تسهيل النضال من أجل الاتحاد الطبقي، بالرغم من بث التفرقة القومية، النضال ضد الظلم القومي والتعصب القومي، والحيلولة دون نشر سموم الانتماء القومي داخل الحركة العاملة. اليوم، وفي مرحلة تستحكم فيها هذه التفرقة، وحيث إن محاولاتنا لتوحيد العمال هي على العكس من التيار السائد، في مرحلة تسببت الروح القومية وعملية خلق الأمم في تشريد وإراقة دماء الملايين من البشر في قلب اوربا قبل اي مكان أخر وفي أقصى نقاط العالم، وفي مرحلة أصبحت فيها عولمة الانتاج تبرز أمام أنظارهم زيف الانتماء القومي من جهة، والترابط الوثيق لـ"مصير" البشر في شتى أرجاء العالم من جهة أخرى، فان شرط النضال الواقعي ضد الظلم القومي والتفرقة القومية، يتمثل في الاستفادة من شعار لا يقوي اسطورة القومية و"مصير" الأمم المنفصلة. إذا كان لصيغة حق الأمم في تقرير مصيرها يوما ما ذلك الاستخدام البناء بالنسبة للحركة الشيوعية، فانها اليوم في حقبة أخرى من حياة مقولة الأمة، ليست سوى جعبة للتناقضات والابهامات ونشر التوهم.



--------------------------------------------------------------------------------

ترجمه عن الفارسية (جلال محمد) نقلا عن جريدة (أنترناسيونال) [٢] العدد١١ و ١٢ ــ شباط ١٩٩٤.
[١] اتحاد المناضلين الشيوعيين، تنظيم شيوعي ظهر ابان الثورة الايرانية، تبنى الماركسية الثورية وفند الاشتراكية الشعبوية للبرجوازية الصغيرة "بوبوليزم" التي كانت اطارا لنهج سائد داخل اليسار الايراني، ثم اسس، بالأشتراك مع عصبة كادحي كردستان، الحزب الشيوعي الايراني.

[٢] انترناسيونال، الجريدة المركزية للحزب الشيوعي العمالي الايراني.

[٣] الحزب، المقصود به الحزب الشيوعي العمالي الايراني.

[٤] ثورة ٥٧ (١٩٧٩)، الثورة التي اطاحت بنظام الشاه في ايران.

مقالات